تهدئة بلا جدوى
الدكتور عبد الستار قاسم
على مدى فترة لا بأس بها من الزمن وجدليتي في وسائل الإعلام حول التهدئة هي التالي: إذا كانت فصائل المقاومة الفلسطينية ترى أن شعب فلسطين بحاجة إلى تهدئة عسى في ذلك ما يخفف من كثافة الاعتداءات الصهيونية فإن عليها أن تتخذ قرارا جماعيا بذلك بمعزل عن الأنظمة العربية والكيان الصهيوني، وذلك للأسباب التالية:
لكي لا تعطي ذرائع إعلامية للكيان الصهيوني باستمرار الاعتداءات المكثفة، وألا تتلقى ملامة الأنظمة العربية التي تكره المقاومة والمقاومين. اعتداءات إسرائيل ستتواصل، لكن الفصائل ستجد نفسها مرتاحة أمام شعبها وأمام كل من يوجه ضدها اتهامات المزايدة والمكابرة والمغامرة بمستقبل الشعب؛
حتى تحتفظ لنفسها بتوقيت العودة إلى المقاومة في الوقت الذي تراه مناسبا؛
حتى لا تتهم بأنها تتفاوض مع إسرائيل بصورة غير مباشرة.
وإزاء البحث عن تهدئة متبادلة مع إسرائيل، رأيت أن إسرائيل لن تقبل تهدئة متبادلة، وإنما تقبل تهدئة من طرف واحد تحت الاختبار ودون أن تتعهد هي بأي شيء لا شفاهة ولا كتابة. وإذا كانت ستقبل بتهدئة متبادلة فلها شروط وهي: الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية ونبذ الإرهاب مع ضرورة مقاومة المقاومة.
كان يظهر معي في وسائل الإعلام قادة فصائل فلسطينية ويجادلون ضد رأيي قائلين بأنهم يريدون إرغام الصهاينة على تهدئة متبادلة، وأن مصالح شعبنا تتطلب الإصرار على تهدئة متبادلة تحفظ لنا كرامتنا وتجبر إسرائيل على وقف اعتداءاتها. ردود فصائلية تقليدية تتميز بالمنفخة الفارغة والمزايدات الخطابية.
الآن وافقت الفصائل على تهدئة من طرف واحد، وأنا لم أقرأ بعد تفاصيل الوثيقة التي تم توقيعها إن كان هناك وثيقة. ولم أقرأ الالتزامات المصرية المصاحبة إن كان قد تم كتابة أي شيء من هذا القبيل. بداية لي الملاحظات التالية:
مصر ليست عنوانا للوساطة بين الفلسطينيين والصهاينة. من المفروض أنها طرف وليس وسيطا، ومن العار علينا أن نقبل بها كوسيط؛
كل الفصائل التي اجتمعت على التهدئة أدانت اتفاقية كامب ديفيد ونعتت النظام المصري بأقذع النعوت. سبق لهذه الفصائل أن تهافتت إلى القاهرة، وها هي تتهافت تحت راية كامب ديفيد.
الفصائل الفلسطينية تقيم مفاوضات سياسية غير مباشرة مع إسرائيل، وعرفات سابقا لم ينج من بيانات هذه الفصائل وألسنتها واتهاماتها. لقد بدأ عرفات في السبعينات مثلما بدأت هذه الفصائل منذ سنوات بالمفاوضات غير المباشرة.
لعب النظام المصري دورا أساسيا في جر منظمة التحرير الفلسطينية إلى مواقف سياسية انتهت باتفاقية أوسلو المشؤومة، ولا أظن أن الفصائل الفلسطينية ترى أن النظام قد تخلى عن دوره.
فصائل فلسطين الثورية تجتمع في حضرة مدير مخابرات عربي مع كل ما تمثله أجهزة المخابرات العربية من قمع وتآمر على الأمة العربية والمصالح الوطنية لكل شعب عربي.
توانى عن القدح المتبادل بعدما يخرج المجتمعون من اجتماعاتهم. ويبدو أن هذه الفصائل لا تستطيع أن تتفق إلا في حضرة من يتمكن من تقليص كلامها الكبير ليلامس الواقع ويتناسب مع حجم أفعالها. يبدو أن عمر سليمان وأمثاله من رجال الأمن القمعيين هم الشخصيات المناسبة لقيادة اجتماعات الفصائل الفلسطينية.
بعد إعلان التهدئة هذا سيحصل التالي:
سيتوجه النظام المصري إلى أمريكا وإسرائيل حاملا إنجازا وطالبا منهما تخفيف الحصار على غزة؛
ستستجيب إسرائيل جزئيا وستخفف من الضغط الغذائي والوقودي على غزة، لكنها ستستمر في العلميات العسكرية.
ستقول إسرائيل لمصر إن إطلاق الصواريخ من غزة قد توقف، لكن فصائل المقاومة تعزز من قدراتها واستعداداتها مما يخالف شروط التهدئة. إسرائيل ستستمر بقتل الناس بوتيرة أقل مما هو عليه الوضع الآن، لكنها لن تقبل باستمرار النشاطات الفلسطينية الخاصة بالمقاومة على اعتبار أنها تشكل تهديدا أمنيا مستقبليا.
بعض فصائل المقاومة سترد على الاعتداءات الإسرائيلية، وستفرط التهدئة.
مصر لن تشكل ضمانة لمنع الاعتداءات الإسرائيلية لأن مصر ليست ذات سيادة ولا تملك قرارها، وقد سبق أن ضمنت مصر تهدئة، ولم تعمل شيئا ضد إسرائيل عندما انهارت تهدئة القاهرة قبل عدة سنوات.
جدلية المعتمدين على مصر ستنهار. هناك من يقولون بأن مصر استعدت للقيام بإجراءات إذا لم تلتزم إسرائيل بالتهدئة ومن ضمنها فتح معبر رفح. هذه جدلية تقوم على أوهام. النظام المصري أعجز من أن يفتح المعبر بصورة كاملة ومستمرة، ولن يبيع الفلسطينيين سوى معسول الكلام حول الأخوة العربية والمصير المشترك. النظام المصري لا يستطيع أن يخرج عن الإرادة الصهيونية والأمريكية، وأنتم يا قادة الفصائل لا تستطيعون السفر أصلا إلى مصر إلا بعد موافقة إسرائيلية.
ماذا نعمل؟ أرى النقاط التالية:
يجب أن نركز على إعادة بناء المجتمع الفلسطيني اجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا. بمثل هذا المجتمع القائم الآن نحن لا نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام، ولا نملك سوى التراجع. المجتمع ليس مؤهلا للنهوض، والفصائل غير مؤهلة، وقادت الشعب الفلسطيني إلى صراع داخلي دموي، وتنازلات سياسية كبيرة؛
علينا أن نفكر بتحرير لقمة خبزنا من أيدي أعدائنا. المسألة صعبة، لكن علينا ألا نفشل قبل أن نحاول. لدي مشروع متكامل حول هذه المسألة؛
علينا إقامة غرفة عمليات مشتركة تشرف على إدارة المقاومة بمعزل عن المستوى السياسي وتكون مسؤولة عن الأمن الوطني؛
يتم تشكيل مجلس إداري من مستقلين وطنيين لا علاقة لهم بالفصائل لإدارة الشؤون اليومية والمدنية للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع؛
نعمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بميثاق جديد وبطريقة يشارك فيها الجميع.
صياغة برنامج ثقافي وفكري يوحد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده؛
العودة بالقضية الفلسطينية إلى حضنها العربي الإسلامي الشعبي.
لا مفر أمامنا إلا العودة إلى أنفسنا. لقد تم تعريض الشعب الفلسطيني إلى استنزاف معنوي ووطني وأخلاقي واجتماعي، وآن الأوان لكي نحمل همومنا بجدية وبطريقة علمية أساسها الاعتماد على الذات.