الرد على الملك عبد الله

الدكتور عبد الستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

نشرت إحدى الصحف الفلسطينية بتاريخ 17/نيسان/2004 مقالا للملك عبد الله بعنوان “الإصلاح أولوياتنا.” هذا هو ردي.

تضمن مقال الملك نقاطا هامة على طريق إصلاح الأوضاع في الوطن العربي. من نشر التعليم، إلى تطبيق القانون، إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم إلى الشفافية في التعامل والأداء والتعددية وحرية التعبير. هذه وغيرها مما أورده المقال هامة ومن المفروض معالجتها، وأعتقد أن المواطن العربي ينتظر تغييرا يتيح له التنفس بعض الشيء.

لكن الملك أخطأ الهدف في تجاوزه ركائز أساسية ينطلق منها الإصلاح. لقد وجدت في مقاله مجموعة كثيرة من البنود الهامة، لكنني لم أجد فلسفة أو رؤية متكاملة تحكمها وتنسج منها كلا متكاملا يصنع نظاما جديدا يصيغ الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية والتنموية. قرأت بنودا يتحدث عنها الأمريكيون والجمعيات التي يمولونها منذ زمن بعيد، وهي تحظى الآن بتركيز كبير ضمن رؤية أمريكا للشرق الأوسط الكبير. تبدو هذه النقاط في غياب البعد الفلسفي أو الرؤية الواضحة وكأنها خطوة لخدمة فلسفة غيرنا ورؤيته لما يجب أن نكون عليه وفق مقاييسه.

لم يتطرق الملك عبد الله إلى تغيير في النظام السياسي. النظام السياسي في الوطن العربي متخلف، وينعكس تخلفه على كل نواحي الحياة. صحيح أن النظام السياسي هو ابن النظام الاجتماعي، لكن التغيير الاجتماعي لن يتبلور بنضوج بدون قيادة النظام السياسي. إذا كان النظام السياسي وراثيا، وأنظمة الانتخابات متخلفة ويصعب تنفيذها بنزاهة، ومجالس الأمة لا تقرر سياسة الدولة، ومجلس الوزراء عبارة عن مجرد موظفين كبار، فهل يكبر أمل المواطن بحدوث تغيير جدي أو إصلاح جوهري؟ هل لدى جلالة الملك الاستعداد لأن يغير الوراثة إلى انتخابات، أو إلى تسليم الحكم الفعلي لرئيس وزراء منتخب إذا كان جادا في عملية الإصلاح؟

الإصلاح أساسه الاختيار والمشاركة الشعبية المباشرة وغير المباشرة عبر المجالس النيابية المنتخبة، وإلا فإن الدعوات الإصلاحية ستؤول إلى ما آلت إليه خطط التنمية.

تجنب الملك الحديث عن الاستقلال الوطني وحق تقرير المصير. لا أتحدث هنا عن السيادة التي هي نسبية لدى كل الدول، وإنما عن دول عربية لم تحقق الاستقلال حتى الآن. دول عربية تقتات من الأمريكيين والأوروبيين، وأخرى تقع تحت الاحتلال العسكري المباشر، بينما تستباح ثروات أخرى مقابل منافع شخصية. أنظمة حكم لا تسيطر على نظامها التعليمي، ولا توظف أموالها وثرواتها بحرية، ولا تقوى على اتخاذ قرارات قد تمس مصالح الأجنبي ومصالح إسرائيل. فأي إصلاح سيراه العربي بينما رئيس دولته أو ملكها لا يستطيع أن يقرر لنفسه؟

ترتبط قضية الوحدة العربية مباشرة بالفقرة أعلاه. هل يظن جلالة الملك أن الدول العربية القائمة حاليا دول حقيقية؟ في هذا العالم سريع التغير والتغيير والمتميز بالدول والتكتلات العظيمة، تنتهي البلدان العربية إلى مجرد إقطاعيات تلبي متطلبات حاكميها الشخصية بينما على شعوبها أن تكافح في مواجهة العولمة التذويبية. تجاوز العالم دولة القومية، وتجاوز كل الترهات التي تشخصن الحكم، ونحن ما زلنا ضمن البعد القبلي ظانين أننا صوتنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة يجعل لنا استقلالا وكيانا وحداثة. هذا التمزق العربي هو الوصفة الأفضل لاستمرار التخلف.

أما النقطة الحيوية التي تجاوزها مقال الملك فهي المواطنة في مواجهة أجهزة الأمن وبالتحديد جهاز المخابرات. لم يقل الملك متى سينتهي عهد التجسس على المواطن العربي وملاحقته. المواطن في وطنه غريب، والموظف في موقعه يرتجف، والمدرس يخشى قول الحقيقة. أجهزة مخابرات الحكام العرب تنخر عظام المواطن وتحيله إلى ميت يعيش بلا حياة. يحتاج الإصلاح إلى مواطن يشعر باحترامه الذاتي وبقوته وقدرته على المساهمة في بناء المجتمع، أما هذا المواطن الذي يرتجف من أخيه المتجسس ومن جاره وصديقه فلا يتقن إلا الهزيمة، ولا يقدر إلا على التراجع والاستكانة للخيبة. فهل من برنامج جلالة الملك تحويل جهاز المخابرات إلى جهاز يحرص على أمن المواطن بدل أن يكون الرقيب والمتصنت عليه؟

خلا المقال الملكي من دور الإسلام في عملية الإصلاح. هل هذه الأمة فعلا قادرة على شق طريقها نحو التقدم بدون الإسلام. كأستاذ في العلوم السياسية، لا أعرف أمة تقدمت بالانسلاخ عن جلدها، أو تقدمت بقيم غيرها. الأمم تستفيد من التجارب العالمية، لكن الأمة الحية تحافظ على أصالتها دون أن تبقى في الماضي.

وأين إسرائيل في المقال؟ هل نستطيع كعرب شق طريقنا دون معالجة التحديات التي تواجهنا؟ نحن لا نواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية فقط، وإنما نواجه التحدي الصهيوني الذي ألحق بالأمة الهزائم ويعمل على غزو بلادنا بكل ما لديه من حنكة وقدرة ونهم. فهل نستدخل الهزيمة لتبقى كوابيس تقض مضاجعنا، أم أن الإصلاح يعني أيضا تطوير قدراتنا الدفاعية والأمنية في مواجهة هذا الاحتلال الصهيوني؟ ولماذا يتجاوز المقال حقيقة أن النظام الذي يقوده الملك هو الذي خسر الضفة الغربية عام 1967؟ أليس تحرير الوطن جزءا من عملية الإصلاح؟

مع التقدير للنقاط الهامة التي أوردها المقال، أرى أن الملك لمس القضايا التي تهم الأمريكيين الآن والتي من شأنها تحسين وضع الإنسان العربي قليلا بهدف إطالة أمد الاستبداد العربي والاستغلال الغربي لثروات الأمة والتبعية له، والقضاء على بعض أسباب ظهور الحركات الإسلامية السرية وتكريس هيمنة إسرائيل وتوسيع سطوتها على العرب. هذه النقاط، سيدي صاحب الجلالة، لن تحل المشكلة. التشخيص الأمريكي لوضع الأمة العربية خاطئ في كليته على الرغم من أنه صائب ببعض تفاصيله. فالديمقراطية تبدأ أولا باختيار رئيس الدولة وليس بانتقاد وزير المياه لأن الماسورة مفزورة، والإصلاح الاجتماعي يبدأ بالقضاء على القبلية وليس بالحفاظ على امرأة خانت زوجها أو رجل خان زوجته.

قضايانا الأساسية، حسب تقديري، تبدأ باختيار الحاكم واحترام الإنسان وتحقيق الاستقلال والوحدة ومواجهة التحدي الخارجي. عدا ذلك، أظن أننا نعطي أنفسنا بعض الحقن التخديرية خدمة للتطلعات الأجنبية. علاج الأمة يتم بالقضاء على الأسباب وليس بعمليات التجميل.

على أية حال، للملك التقدير أنه يكتب.

اقرأ بلغة English