توقف الحرية الأكاديمية عند رئيس جامعة النجاح
الدكتور عبد الستار قاسم
قمت بنشر مقال بتاريخ 21/آب/2011 بعنوان “بين إدارة النجاح والقضاء الفلسطيني”، تناولت فيه مشكلة طلاب طردوا من الجامعة بسبب شغب حصل في الجامعة. قررت محكمة العدل العليا عودة الطلاب مؤقتا إلى مقاعد الدراسة، لكن رئيس جامعة النجاح الأستاذ رامي الحمد الله رفض تنفيذ القرار، ومن ثم أخذ يبحث عن مبررات لعدم التنفيذ. فحوى المقال أنني انتقدت رئيس الجامعة على عدم التنفيذ، وقلت إن الأمة التي لا تحترم القانون وقرارات المحاكم مصيرها إلى الهلاك. لقد كتبت أن عمل رئيس الجامعة يسيء للجامعة ولهيئتها التدريسية التي يوصي أعضاؤها الطلاب دوما بضرورة احترام القانون إذا كان للمجتمع أن يسوده الاطمئنان.
يتهمني الأستاذ رئيس الجامعة أنني شتمته، وأنا أتحدى إن اتحتوى مقالي أي شتيمة أو إهانة أو تشهير.
صدر ضدي بيان بتاريخ 23/آب/2011 مليء بالشتائم والسباب وموقع من نقابة العاملين المؤيدة لإدارة الجامعة والمكتب الحركي لفتح ومجلس الطلبة غير المنتخب. لم يتناول البيان موضوعا، ولم يحمل سببا، وكل ما فيه شتائم وسباب. فمثلا نص البيان على “ويعتبر الدكتور عبد الستار قاسم أحد أكثر الأشخاص الذين برعوا في محاولة اغتيال إنجازات جامعة النجاح الوطنية من خلال إطلاق نيران حقده الأسود على كل شيء يرتبط بها وينتمي إليها. فقد شكك في المستوى العلمي والكفاءة الأكاديمية لأساتذتها وقذف بكرات حقده على كرامتهم حين وصفهم في أكثر من موقع بالعبيد والأقنان والموالي. وأطلق على حصادهم وجوائزهم البحثية و العلمية لقب المهزلة ضاربا بعرض الحائط تقارير أكبر المؤسسات العلمية العالمية.
وعمد إلى تصوير طلبة الجامعة بالطابور الخامس الذين يعملون على خدمة أجهزة عميلة ( لا سمح الله ) : الأمن الوقائي والمخابرات الفلسطينية. ويشاركون في التضييق عليه ومصادرة طموحه في أن يصبح زعيما وحيدا للشعب الفلسطيني. وهو المناضل الذي تنقل وانتمى لجميع أطياف الحركات والأحزاب الفلسطينية من اليمين إلى اليسار ومن السنة إلى الشيعة. ولم يقاتل سوى بسيوف الشتائم والتخوين.”
إلى النيابة والمحكمة
استدعاني وكيل النيابة أو الادعاء في نابلس يوم 25الخميس الموافق /آب/2011 وحقق معي بخصوص المقال. قال إن رئيس الجامعة قد اشتكاني، ويتهمني: بالقدح والذم والتحقير بحق رئيس الجامعة، وبتعطيل سير القضاء بسبب ذكر أسماء قضاة محكمة العدل العليا، وبالعمل على إحداث فتنة اجتماعية لأنني كتبت عن أولاد “المقاطيع” وأولاد السادة. وكأنه يوحي بأنه لا يوجد أولاد مقاطيع وأولاد سادة في فلسطين، وأن العدالة الاجتماعية سيدة الموقفن ولا وساطات أو محسوبيات أو اختلاسات.
عجز وكيل النيابة عن تثبيت أي تهمة ضدي، وكنت واضحا في إجاباتي. حاول وكيل النيابة أن يستند إلى تحليلات، لكنني أشرت مرار إلى أن القضاء لا يأخذ بالتحليلات وإنما بالنصوص. وبالرغم من ذلك تم إيقافي أو احتجازي في السجن. كان واضحا لي أن الادعاء يبحث جاهدا عن إدانة، وأنه نمعني بذلك، وأنه سيعمل على توقيفي بخاصة أن التحقيق استمر حتى وقت متأخر من دوام يوم الخميس. لم يكن اختيار يوم الخميس عبثا، وإنما متعمدا من أجل احتجازي بالسجن الخميس والجمعة والسبت.
انفصلت عن المحامي لأن الشرطة احتجزتني في زنزانة النيابة. تم نقلي بعد حوالي نصف ساعة إلى المحكمة، فرأيت المحامي هناك. مثلت أمام القاضي الساعة 14:05، وطلبت النيابة توقيفي لمدة خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق. جاء دور المحامي للرد، لكن القاضي أوقفه لأنه لم يجد توكيلي له في الملف. فوجئنا أن وكالتي للمحامي ليست في الملف، إذ تم سحبها. فطلب مني القاضي التكلم، فاعترضت على طلب النيابة، لكن القاضي قرر توقيفي خمسة عشر يوما.
تم اقتيادي إلى السجن، أما المحامي فهرول باحثا عن الوكالة فوجدها في مكتب وكيل النيابة. جهز طلب إخلاء السبيل على وجه السرعة، لكن القاضي رفض التوقيع، وقال إنه سيوقع يوم الأحد. ولهذا قضيت ثلاث ليالي في سجن المدنيين المنتن والمكتظ. قدم المحامي طلب إخلاء السبيل يوم الأحد، لكنه فوجئ أن ملف التحقيق ليس موجودا في الملف، إذ تم سحبه. أجل القاضي القضية لليوم الذي يلي. بات واضحا أن الأطراف المختلفة تحاول إبقائي في السجن إلى ما بعد عيد الفطر.
الضجة الإعلامية والتدخل السياسي
في هذه الأثناء، كانت الضجة الإعلامية تتسع وتأخذ مداها. اهتمت وسائل إعلام متعددة في الداخل والخارج، عربية وغير عربية بالأمر وأصابعها موجهة نحو السلطة. بثت وسائل إعلام كثيرة نبأ توقيف أكاديمي لأنه انتقد رئيس الجامعة، وتناولت وسائل أخرى الأمر بالتحليل، وأغلبها وجه أصابع الاتهام للسلطة الفلسطينية.
تدخل الدكتور سلام فياض لدى رئيس الجامعة لإسقاط الدعوى، لكنه رفض، فقام السيد محمود عباس بإصدار امر بإخلاء سبيلي، وذلك الساعة 23:40 من يوم الأحد الموافق 28/آب/2011. بثت وسائل إعلام فلسطينية نبأ إخلاء سبيلي بقرار سياسي، لكن النائب العام أحمد المغني نفى ذلك قائلا إنني خرجت من السجن بقرار قضائي، وأن رئيس السلطة الفلسطينية لا يتدخل في القضاء. والحقيقة أنني خرجت من السجن بقرار سياسي، وحضر المحامي إلى المحكمة يوم الاثنين 29/آب/2011 وقدم للقاضي طلب إخلاء سبيل. اتصلت بي المحكمة لحضور الجلسة لكنني لم أذهب.
حصل في السابق وذلك عام 2000 أن قررت محكمة العدل العليا الإفراج عني حيث كنت معتقلا، لكن عرفات رفض تنفيذ القرار، أما هذه المرة فالقضاء شابته تساؤلات فقرر المستوى السياسي التدخل.
الإيقاف عن العمل
وجدت في البيت كتابا موقعا من قبل رئيس الجامعة بوقفي عن العمل، والمثول أمام مجلس تأديبي. لقد خصمت الجامعة من راتبي لشهر آب حوالي 1200 دولار، ولم يعد لي راتب الآن. أرفق نسخة من القرار الذي لا يحدد مدة ، ولا يشير إلى تاريخ معين.
كتبت إلى رئيس الجامعة بتاريخ 5/أيلول/2011 أفند ادعاءه وفق النظام المعمول به في الجامعة. وما زلت أفكر برفع قضية ضد الجامعة على الرغم من أن الثقة بالقضاء متضعضعة.
تقدمت بتاريخ 25/آب/2011 بشكوى ضد الذين أصدروا البيان ضدي بتاريخ 23/آب/2011، وهذا كان فحصا لعمل النيابة التي لم تستدع المشتكى ضدهم. كان استدعائي شبه فوري عندما اشتكى علي الأستاذ رئيس الجامعة، لكن استهلاك الوقت كان واضحا بالنسبة لشكواي.
الحملة الإعلامية
خرجت من السجن لأجد حملة إعلامية واسعة ضد إدارة جامعة النجاح الوطنية. نالني نصيب من الحملة الإعلامية، لكن أغلب الأسهم كانت موجهة ضد إدارة الجامعة. وجدت شبكة الإنترنيت بخاصة الفيسبوك مليئة بالتعليقات وردود الفعل. لقد فتحت لصالحي سبع صفحات على الفيسبوك، وفتحت ضدي صفحة واحدة. لكن الفارق كان كبيرا من حيث نوعية التعليقات. انهمكت الصفحة المناوئة لي بالسباب والشتائم، بينما انهمكت الصفحات المؤيدة بالتعليق على المعلومات الواردة. من بين من وقفوا معي من استعمل الشتائم، لكنهم وجدوا موقفا واضحا من أغلب الذين أيدوني وذلك بضرورة عدم الشتم.
امتدت الحملة الإعلامية إلى جمعيات حقوق الإنسان الفلسطينية وغير الفلسطينية، ولم أجد جمعية واحدة تقف في صف إدارة الجامعة وذلك لأن مقالي الذي انتقدت فيه إدارة الجامعة لم يخرج عن الأصول، والتزم بسرد الوقائع. وتقديري أن إدارة الجامعة ومن ساندها لم يقدروا تماما الحشد الإعلامي والحقوقي الذي يمكن أن يتسنى لي.
الحل
قام المستشار أسامة حسن الطوري، رئيس موسوعة التميز العالمية ومقرها باريس بوساطة، وانتهت وساطته إلى اتفاق هذا نصه:
نظرا لسوء الفهم الذي حصل بين الدكتور عبد الستار قاسم وجامعة النجاح الوطنية في الأيام الأخيرة وما أعقب ذلك من إصدار بيانات مختلفة في وسائل الإعلام ومحاولة بعضهم استغلال سوء التفاهم هذا وتضخيم المشكلة والتلاعب بها.
وبناء على تدخل كريم من سعادة المستشار أسامة حسن الطوري، الأمين العام لموسوعة التميز والحضارة العالمية ومقرها باريس، وحرصا على مصلحة الجامعة الأكاديمية والإدارية فإن الدكتور عبد الستار قاسم يعلن وقف وإنهاء كافة الحملات الإعلامية والبيانات السابقة واللاحقة، وبناء على ذلك ستحل كافة الإشكالات والخلافات التي نشأت ضمن الأنظمة والقوانين المعمول بها.
انطوى الاتفاق على ضرورة التراجع عن خطوات عملية قد تمت. اقوم انا بوقف الحملة الإعلامية وسحب الشكوى ضد أعضاء نقابة العاملين، وتقوم الجامعة بالتراجع عن خطولتها بشأن عملي في الجامعة، ويقوم الأستاذ رئيس الجامعة بإسقاط الشكوى التي قدمها ضدي. قمت فورا بتنفيذ ما هو مطلوب مني، لكن إدارة الجامعة لم تقم بأي خطوة مترتبة عليها حتى الآن. وما زلت أنتظر خطوات الجامعة.