التطوير الزراعي وتحرير الإرادة الفلسطينية
الدكتور عبد الستار قاسم
يتناول هذا البحث عاملين هامين في استعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، أو في تحرير فلسطين، أو، على الأقل، إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وهما تحرير الرغيف الفلسطيني من قبضة الغير، ودور التطوير الزراعي في بلوغ هذا الهدف. يشير رغيف الخبز هنا إلى الاعتماد على الذات في تدبير سبل العيش، وتشير الزراعة إلى كل تلك الأعمال والنشاطات الخاصة بالتربية النباتية والحيوانية التي تؤدي إلى استقلالية في توفير مواد غذائية أساسية للناس.
يعتبر الاعتماد على الذات قيمة أساسية وجوهرية في استقلال الشخص أو الجماعة أو الدولة، وتأكيد الإرادة الحرة في مختلف مجالات الحياة. المرء أو الجماعة أو الدولة سيدة قرارها عندما تكون معتمدة على ذاتها في توفير سبل معيشتها من مختلف النواحي، وتمتلك إرادة حرة في تقرير سياساتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، الخ. أما الذين يعتمدون على غيرهم، يجدون أنفسهم تحت ضغط الجهة التي يعتمدون عليها، وعليهم مراعاة إرادة تلك الجهة حتى لو تناقضت مع رغباتهم وتطلعاتهم. ويتناسب هذا الضغط مع حدة الاعتماد، فمن تسول من الآخرين لا مفر يتنازل لهم عن إرادته، أو عليه أن يقبل بما يملونه أو يطلبونه منه، ومن احتاج الآخرين في سلعة معينة، ولومن ناحية تجارية، يجد نفسه في موقف ضعيف أمام السياسة التصديرية لهؤلاء الآخرين.
صحيح أن على المرء أن يحسب حساب الآخرين وإراداتهم وتوجهاتهم حتى لو كان مستقلا وصاحب إرادة حرة، لكن حساباته يجب أن تكون مكثفة تبعا لحجم اعتماده على الآخرين. وهذا هو شان الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية الذي يعتمد إلى حد كبير على المعونات الخارجية لتوفير الأموال، وعلى أموال تجبيها إسرائيل على شكل ضرائب وجمارك وتسلمها للسلطة.
تخطيط البحث
يقدم البحث بداية وصفا للحالة الفلسطينية في الضفة الغربية من حيث الاعتماد على الآخرين في توفير لقمة الخبز، ويستند في ذلك إلى الإحصائيات.
شأن الزراعة في تخطيط وسياسة السلطة الفلسطينية
ما يمكن عمله في التطوير الزراعي الفلسطيني
الأهمية الاستراتيجية للزراعة
في جلستها المنعقدة بتاريخ 17 تشرين ثاني 2011، أكدت اللجنة الاقتصادية في الجمعية العمومية الفرنسية على الأهمية الاستراتيجية للزراعة الفرنسية. وقد أشارت اللجنة إلى أن الزراعة الفرنسية تأتي لفرنسا بحوالي 9 بليون دولار كفائض تجاري، وأنها تشغل حوالي 15% من القوة العاملة الفرنسية، وأكدت على الأهمية الاسترانيجية للزراعة لمواجهة الوضع الغذائي غير الآمن على المستوى العالمي. أما رئيس اتحاد الفلاحين الفرنسيين فقال إن قطاع الزراعة مهم لأنه يوفر فرص عمل في وضع عالمي يشهد هبوطا في الأشغال.
أما مؤسسة ليفنغ كانتري سايد Living Countryside البريطانية والتي تعني بشؤون الزراعة تقول إن إنتاج بريطانيا الزراعي انخفض عام 2006 بحيث وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي 58% من الاحتياجات الغذائية. وقدرت أن هذا وضع خطير لسببين: الأول هو أن بريطانيا لا تستطيع التأكد من أن هناك وفرة غذائية في العالم تسهل لها عملية الاستيراد، ومن الممكن أن تسود ظروف عالمية طبيعية أو غير طبيعية تؤدي على تقلص في العرض؛ والثاني هو أن بريطانيا لا تستطيع أن تضمن الحصول على شحنات غذائية من خارجها حتى لو كانت هناك وفرة في العرض لأسباب وظروف متعددة خارج سيطرة بريطانيا.
قال الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون عام 1801، أي بعد استقلال أمريكا بسنوات قليلة، إن تشجيع الزراعة والتجارة يشكل المبدأ الأساسي الذي تتمسك به الحكومة، والذي يجب أن يصيغ شكل الإدارة الأمريكية. وفي إحدى رسائله قال إن فلاحي الأرض هم أغلى المواطنين، وأكثرهم نشاطا واستقلالية وفضيلة. إنهم يرتبطون ببلدهم ويزفون للحرية والمصالح التي تقيم وشائج وثيقة، وما داموا يجدون عملا في هذا المجال فإنه لا يجوز تحويلهم إلى عمال مناجم أو بحارة أو حرفيين، او أي شيء آخر. وجدت الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب الباردة أن دعمها للإنتاج الزراعي المحلي يساعدها في هدفها نحو حصار الشيوعية والاتحاد السوفييتي لأن ذلك يمكنها من تقديم المساعدات الغذائية لدول العالم الثالث. ومن حيث أن المساعدات تؤثر في سياسات الحكومات والدول، فقد عملت أمريكا على تقديم الدعم للفلاح الأمريكي من أجل زيادة الإنتاج الزراعي الذي يؤهلها لتقديم المعونات الغذائية.
يركز الاتحاد الأوروبي على الزراعة على الرغم من أن الإنتاج الزراعي يشكل حوالي 3.3% من إجمالي الناتج المحلي لمجمل الدول الأوروبية. يشكل القطاع الزراعي مصدر رزق لحوالي 20% من سكان دول الاتحاد الأوروبي، ويوفر حوالي 15 مليون فرصة عمل، أو ما يعادل 8.3% من مجموع القوى العاملة. وواضح في سياسة الاتحاد أن الاكتفاء الذاتي الزراعي للاتحاد الأوروبي ليس حيويا فقط لرفاهية السكان، وإنما فوق ذلك لضمان الاستقلال السياسي لدول الاتحاد، ولهذا فإن الأهمية الاجتماعية والسياسية للزراعة تفوق بكثير نسبة مساهمتها في الناتج الإجمالي المحلي.
الأمن الغذائي
يتحقق الأمن الغذائي عندما يتوفر لدى الشعب غذاء بكميات كافية، أو يكون الغذاء بتناول اليد.
يقول آنتوني كامبا Anthony Kamba في مقال له حول دولة جنوب السودان إن الأمن الغذائي يشكل أكبر تحد تواجهه الدولة الجديدة. لقد حققت الاستقلال السياسي، لكنها لم تحقق الاستقلال الغذائي، وهي ليست آمنة غذائيا حيث أنها تعتمد على دول الجوار وتحصل على معونات من دول اوروبية وأمريكا، وعليها تطوير سياسة تؤمن لنفسها الأمن الغذائي.
أشار رئيس غامبيا بقوة إلى أهمية الزراعة في بناء الدولة عندما قال إنه لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في الدولة بدون تحقيق اكتفاء ذاتي في الغذاء، وإن الزراعة عامل حاسم في عملية بناء الدولة. أيده في هذا أحد الكتاب النيجيريين بقوله إن الدولة توصف بالمستقرة اجتماعيا وسياسيا عندما تمتلك قاعدة زراعية مستقرة قادرة على توفير الأمن الغذائي للمواطنين. وأضاف بان الأمن الغذائي يشكل أحد المتطلبات الأولية لإقامة الدولة واستمرارها.
[…] إنتاج زراعي كاف، ولا أمن غذائين، واضطرت أن تسلم نفطها للأمم المتحدة مقابل الحصول على الغذاء، وذلك ضمن برنامج أقره مجلس الأمن عام 1995 وفق القرار 986 باسم النفط مقابل الغذاء. لم تعد العراق بذلك صاحبة سيادة على نفطها لأنها لم تعمل منذ البداية على تطوير الزراعة بكافة قطاعاتها، واعتمدت على استيراد المواد الغذائية. أما إيران فعملت على مدى سنوات وفق استراتيجية زراعية تقوم على مبدأ الأمن الغذائي، واستطاعت أن تحقق إنجازات كبيرة بخاصة في مجالات الإنتاج الحيواني والدواجن. أدركت إيران أن الحصار عليها سيشتد، فقررت ألا تترك نفسها بلا طعام، أو ان تعتمد على الاستيراد في توفير احتياجاتها الغذائية.
معايير التطوير الزراعي
تعيش الضفة الغربية أوضاعل خاصة لأنها تحت الاحتلال، ولهذا تتطلب معايير تطوير زراعي خاصة. من الصعب أن تنطبق المعايير التقليدية التي يمكن اتباعها في دولة مستقة تعيش حالة اعتيادية من الاستقرار على الضفة الغربية، ولا بد لظروف الاحتلال إلا أن تعكس نفسها على المعايير والأدوات والأساليب الممكن اتباعها لتفادي سياسات الاحتلال، ولتكريس وضع يتناسب مع تطلعات الناس في التخلص من الاحتلال. وفي هذا الشأن، تجدر الإشارة إلى بعض الأمور المحورية الضروري مراعاتها من قبل المخطط الفلسطيني:
أولا: التحرر من الاحتلال كهدف أساسي تصب ضمن الرغبة في تحقيقه مختلف الجهود والنشاطات. تحدد القيمة العليا التي يهدف المجتمع أو الأمة إلى تحقيقها مختلف القيم الأدنى، وتوجه مختلف النشاطات في مختلف المجالات نحو تحقيق هذه القيمة. فلو قلنا إن الأرباح هي القيمة العليا التي تحكم المجتمع، لوجدنا أن العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تترتب وفق هذه القيمة العليا السائدة؛ ولو قلنا إن مرضاة الله هي القيمة العليا، لوجدنا أن ترتيب العلاقات يأخذ منحى مختلفا عن المنحى الذي تفرضه قيمة الرباح، وهطذا بالنسبة لقيمة التحرير التي تفترض أن جهود الناس تربويا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا تتوجه نحو الخلاص من الاحتلال كلي يصبح بالإمكان غقامة حياة اعتيادية كما هو الحال بالنسبة للشعوب التي تقع تحت الاحتلال.
هدف التحرير يفترض أيضا وعيا من قبل الأفراد والجماعات بالأدوار المنطة بهم لكي تتكامل جهودهم مع الآخرين. أي أن المدرس يوجه جهوده التربوية نحو غرس قيم التحرير، وكذلك تفعل نقابة المدؤسين والحكومة أو القيادة المسؤولة عن السياسة التربوية، والفلاح يسير على الدرب، والعامل والطبيب والمحامي، الخ. والمعنى أن هدف التحرير يفترض منظمة قيمية غير اعتيادية وتؤدي غلى تحقيق تطلعات الناس.
ثانيا: من مسلمات الوضع في الضفة الغربية أن مهمة الاحتلال تخريبية بقصد الهبوط بمستوى التزام الناس بهدف التخلص من الاحتلال، وإضعاف قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم، وعلى مقاومة الاحتلال. لقد دأب الاحتلال على اتباع سياسات تحد من التطوير الزراعي، ومن اعتمادهم على أنفسهم لتبقى لقمة خبزهم بيده، فلا يستطيعون مقاومته أو تقديم الدعم اللازم لمن يريدون المقاومة. لقد عمل على مصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار وحرق المحاصيل والسيطرة على موارد المياه، الخ، لمنع الناس من تطوير قدرات زراعية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ وعمل أيضا على محاصرة الصناعة والبحث العلمي وغير ذلك. للاحتلال أهداف متناقضة مع فكرة التحرير، وبالتالي يعمل ما يرى مناسبا لهدم الفكرة، وجعل اقتصاد الضفة الغربية ملحقا بالاقتصاد الإسرائيلي.
ثالثا: يفرض الاحتلال وهدف التحرير على الناس نمطا معيشيا غير اعتيادي لأن الحالة تتسم بالتوتر والمشاحنات بين الناس والقوة المحتلة، وربما يتميز بمقاومة شعبية أو مسلحة يقدم الناس فيها تضحيات متنوعة. ويفترض هدف التحرير حشد الإمكانات والطاقات نحو التحريري بحيث تسود عقلية التحريري على عقلية الاستهلاك. العقلية الاستهلاكية وما يتبعها من سلوكيات لا تتمشى مع متطلبات التحرير المعيشية والتي تتسم بالتوفير وربما التقشف، وهي تتطلب السعي نحو الراحة والاسترخاء والتركيز على البضائع الاستهلاكية، الأمر الذي لا ينسجم مع قيم التضحية والفداء. هذا لا يعني أن على الناس أن يتضوروا جوعا من أجل التحرير، لكن يعني الاكتفاء باستهلاك لا يعرض الإرادة الفلسطينية للضرر أو السطو أو السيطرة من قبل آخرين.
رابعا:
المراجع
Minutes of the economic committee, French Senate, Nov. 17, 2011
The French Senate reiterates the Strategic Importance of Agriculture, Momagri, Jan. 16, 2012. http://www.momagri.org/UK/a-look-at-the-news/The-French-Senate-reiterates-the-highly-strategic-importance-of-agriculture_1031.html
Living Country-side, The Importance of Agriculture in UK, 2012. http://www.ukagriculture.com/the_importance_of_agriculture.cfm
Thomas Jefferson, 1st inaugural, 1801
Thomas Jefferson to John Jay, 1785, papers 8:426
Oxford Companion to US Military History, Agriculture and War. http://www.answers.com/topic/agriculture-and-war
Europedia, EU Agricultural Policy, 2011. http://europedia.moussis.eu/books/Book_2/6/21/index.tkl?all=1&pos=297
Anthony Kampa, South Sudan Political Independence soon but Food Dependence still here, May 25, 2011.
Nation Building and Agriculture, March 6, 2009. http://observer.gm/africa/gambia/article/nation-building-and-agriculture
Dehghan, Ahmad, “Agriculture and Food Security in Iran,” Agricultural Planning and Research Institute, 2009.