أمريكا تمهد لاستنزاف إيران والعرب
الدكتور عبد الستار قاسم
يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بما فعلته في الثمانينيات من القرن الماضي من تأجيج للحرب بين إيران والعرب، وما ترتب على ذلك من استنزاف للطاقات الإيرانية والطاقات العربية التي وُظفت لصالح صدام حسين. كان بود أمريكا ومعها إسرائيل ألا تتوقف الحرب حتى تبقى الموارد العربية والإيرانية من نصيب مبيعات تجار السلاح. إنها تحاول الآن صناعة عناصر تأجيج صراع جديد من خلال خلافات تغذيها بين سنة العراق وشيعته.
يلاحظ المتتبع لسياسة الولايات المتحدة في العراق أن الجهود الأمريكية منصبة نحو وضع أسافين متعددة بين الشيعة والسنة عساها تؤدي إلى اقتتال داخلي يستقطب العون من دول الجوار، فتنحاز إيران لأهل الشيعة وتنحاز دول عربية لأهل السنة. تقوم الحرب في العراق، وتوظف الدول مواردها لدعم الأطراف، وتجلس إسرائيل وأمريكا هناك متفرجتين على قادة العرب والمسلمين وهم يبيعون شعوبهم سلعة وطنية جديدة بثوب ديني تحصد الأخضر واليابس. إذا حصل وأن نجحت أمريكا في مسعاها، فهي لن تعترض على دعم السعودية والكويت والإمارات لأهل السنة، وستشجع وقوف إيران مع أهل الشيعة. فضلا عما تتطلع إليه من خلافات على الساحتين السورية واللبنانية، وما ينطوي على الأمر برمته من انبعاث لفتنة إسلامية طائفية جديدة تعبر الماضي لتتواصل مع معركتي الجمل وصفين.
أمريكا تفعل التالي:
أولا: إنها تركز بشكل حدي على أن أعمال المقاومة العراقية التي تسميها إرهابية تنطلق فقط من المناطق العربية، المعروفة بالمثلث السني. هذه معزوفة من شأنها الإيحاء بأن غير السنة ليسوا عربا. وتقول أيضا بأن الذين يقومون بأعمال المقاومة هم أعضاء في حزب البعث ومن فدائيي صدام. إنها بهذا تحاول إبعاد الصفة الإسلامية عن المقاومة أو جزء منها، وإلصاقها بنظام لا يندم أغلب العراقيين على زواله. ولا يعوز أمريكا التبرير إذ تقول أن رجال النظام السابق قد فقدوا الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، ويحاولون من خلال المقاومة استعادة ما فقدوه. أي أنها تحاول صنع انطباعات بأن الشيعة ليسوا عربا، وأن علاقة المقاومة بالإسلام واهية، وأن النظام الاستبدادي يحاول أن يعود من خلال المقاومة، وأن أهداف المقاومة لا تتعدى البحث عن مصالح شخصية يتم تحقيقها على حساب الشعب العراقي.
اليومي في العراق، بل المقاومة هي التي تصنعه، لكن كلماته عندما يتحدث تأخذ أولوية في اهتمامات السياسيين والإعلاميين. وأمريكا لا تتورع عن القول باستمرار بأن النظام السابق كان نظاما سنيا وأنه حكم باسم السنة، ذلك لتحمل السنة كل ما جرى في العراق من قمع واضطهاد وتبذير أموال.
ثالثا: تحاول أمريكا إلصاق المقاومة التي يمكن أن تقول عنها أنها إسلامية بتنظيم القاعدة وبعناصر من خارج العراق. إنها تنقل رسالة مفادها بأن المقاومين هم من منظمة متطرفة ومرفوضة دوليا ومارقة، وأن التعامل معها لا يهدف حقيقة إلى التحرير وإنما إلى قتل الأبرياء من المدنيين. وهي تريد أن تقول أنه لولا العناصر القادمة من اليمن وشبه الجزيرة العربية عموما ومن بلاد الشام لحقق أهل العراق الاستقرار ولانسحبت القوات الأمريكية. أي أن وجود القوات الأمريكية مرتبط بوجود هؤلاء الإرهابيين العرب الذين يعرقلون مسيرة البناء والديمقراطية بهدف الاستيلاء على الحكم بالقوة. هؤلاء بالطبع سنة، وهم الذين يقاومون حتى يبقون سيطرتهم على الشيعة.
ولهذا فإن أمريكا تجعل من الأمر الصغير كبيرا ومن الكبير صغيرا. طرف خيط للقاعدة في العراق يتحول إلى حبل قوي، بل إلى جسر ضخم تعبر من خلاله العناصر غير العراقية إلى العراق؛ في حين تتم التغطية على الأصول العراقية العربية والكردية للمقاومين العراقيين.
رابعا: من يتمعن برسالة أبو مصعب الزرقاوي الأخيرة والتي دعا فيها إلى قتال الشيعة يجد أنها مزورة، ومن المحتمل أنها تحمل البصمات الأمريكية. فحوى الرسالة يصنع الكثير من الأعداء ويبقي على قليل من الأصدقاء، ولا أظن أن قائدا حربيا يحرص على النصر يهتم إلى هذا القدر بصنع العداوة مع الآخرين. وإذا كانت القاعدة وأبو مصعب حريصان على السنة دون الشيعة فلماذا لم يحركا ساكنا طيلة السنين دفاعا عن السنة في إيران؟ لو أراد الاثنان الفتنة بين المسلمين لصنعاها.
خامسا: تحرص أمريكا على تسهيل توظيف الشيعة في الوظائف العامة لتخلق انطباعا لدى السنة بأن الشيعة يتعاونون مع المحتل، ولتصنع الضغائن بين الناس.
سادسا: السياسة الأمريكية بمجملها تهدف إلى تحويل مسار المعركة من مقاومة ضد الأجنبي إلى اقتتال داخلي.
تجاوز الخطر الذي ترسي أمريكا ركائز انبعاثه يعتمد على العراقيين أنفسهم سنة وشيعة، عرب وأكراد. والمبدأ الذي يمكن أن ينطلق منه العراقيون في بلورة تفاهم مشترك أن أمريكا ليست المسيح المخلص الذي يأتي بجيوشه محررا لوجه الله. أمريكا أتت العراق لتبقى، إلا إذا أصبحت غير قادرة على تحمل ثمن البقاء. وإذا كان من بين العراقيين من يظن أنه يستطيع تشكيل حكومة لدولة عراقية مستقلة من خلال الانتخابات في ظل الاحتلال إنما يتراوح ظنه بين الوهم والخيال. أمريكا أتت لتحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل ولتقيم القواعد العسكرية في العراق ولتجعل من البلاد منطلقا جديدا لسياساتها العدوانية ضد العرب والمسلمين، ولتكرس هيمنتها وهيمنة إسرائيل. أما الخطر الذي يتعاظم عن ذلك الذي ترسمه أمريكا فيكمن في العراقي الذي يظن أن أمريكا أتت لمساعدته.