أمريكا ستخسر معركة لبنان

الدكتور عبد الستار قاسم

وجدت أمريكا في اغتيال رفيق الحريري فرصة قوية لإركاع لبنان، ولطرح سوريا الأرض. تحول لبنان بعد ظهور حزب الله إلى قاعدة انطلاق عربية-إسلامية نحو التحرر من النير الغربي ونحو مواجهة مستقبلية فعالة ضد إسرائيل. لقد أثر حزب الله بصورة ملموسة جدا على الميزان الأمني في المنطقة، على الرغم من أن انقلابا في الميزان العسكري لم يحصل. عملية المفاوضات الدائرة في المنطقة منذ عام 1991 مهددة بعدم الاستمرار، وإسرائيل تتجرع أحيانا إهانات ميدانية لم تعتد عليها. هذا يهدد المشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة وهو ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير.

حزب الله عبارة عن رأس سهم تطول قصبته حتى طهران. سوريا ظهير قوي لحزب الله، وساعدته مع إيران على تحقيق نوع من الاستقلال في إنتاج الوسائل القتالية على الأرض اللبنانية لضمان قدرته على الاستمرار في الصدام العسكري تحت أسوأ الظروف. إيران دولة لها أنياب وليس من السهل إلحاق هزيمة بها حتى لو ضربت مواقعها النووية. انتهجت طهران طريق الاعتماد على الذات من الناحية العسكرية، وحرصت على التربية القتالية العقائدية التي تتبنى الإقدام المخطط دون وجل، وهي قادرة على إلحاق أذى بإسرائيل دون زحف عسكري ميداني. سوريا تنتهج نهجا تفاوضيا يطيل أمد التفاوض، وإيران تقدر لها محاولاتها كسب الوقت عسى لميزان القوى في المنطقة أن يتبدل. الدولتان على وعي تام بأن العدو (إسرائيل وأمريكا) يدرك بأن تهديد حزب الله حقيقي ويشكل عامل ردع قوي للتحرشات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية. والأطراف جميعها تدرك أن المعادلة قد أصبحت أكثر تعقيدا، وأشد مرارة بالنسبة لأمريكا وإسرائيل مع إنجازات المقاومة العراقية ضد القوات الأمريكية.

وعليه، وجدت أمريكا أن سياسة “اضربهم بأيديهم” هي الأقل تكلفة والأقل مخاطرة. اغتيال الحريري كان الحصان الذي اعتلته أمريكا وتدفع به إلى داحس وغبراء جديدة. لقد دفعت بثقلها الدولي نحو إجراء تحقيق، وأصرت على ملاحقة سوريا متدخلة بذلك عنوة في مجريات التحقيق. وهي تدفع الآن بعناصر استخباراتها وأجهزتها الأمنية المختلفة إلى لبنان لترتيب شؤون المناهضين لسوريا في حال أصبح الاقتتال الداخلي اللبناني ضرورة. تحاول أمريكا الآن كسر الإرادة السورية وابتزازها فيما يتعلق بالورقة الفلسطينية والمفاوضات مع إسرائيل، وبورقة حزب الله. إذا لبت سوريا المطلبين، فإن أمريكا ستدوس على دماء الحريري، وإلا فإن القميص سيبقى غاليا وتُذرف عليه الدموع.

را على سوريا وتعاقبها اقتصاديا، لكن هذا سيؤذي أصدقاءها في لبنان بدرجة كبيرة بسبب الحدود البرية المطْْبقة. وربما تقوم بضربات عسكرية ضد سوريا، لكنها بذلك تغامر بضربات عسكرية ضد إسرائيل من قبل حزب الله تشمل الثلث الشمالي من مساحتها. أما رد الفعل الإيراني سيكون محكوما بقوة الضربة ضد سوريا، وقد يعني التدخل بعمل ضد إسرائيل إذا تجاوزت الضربات الأمريكية قدرة الامتصاص السوري.

ربما تختار أمريكا العودة إلى الحرب الداخلية اللبنانية ودعم الأطراف المعادية لسوريا لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد. أظن أن هذا سيكون معقدا ولن يحقق أهدافه وذلك بسبب المعادلات السائدة في لبنان الآن. المسيحيون منقسمون على أنفسهم الآن، وسيكون من الصعب على أصدقاء أمريكا حشد قوى مسيحية بذات التآلف الذي تم خلال السبعينيات والثمانينيات، أما الشيعة فموحدون ويشكلون القوة العسكرية الرئيسية في لبنان. السنّة ممزقون ولا قيادة لهم، ولا يمتلكون قدرة عسكرية تذكر. أما الدروز فيبقون قوة صغيرة حتى لو توحدوا خلف وليد جنبلاط. الجيش اللبناني لن يبقى متماسكا في حال نشوب قتال، وستعود كل فرقة إلى حجر مذهبها الديني. الفلسطينيون سيتحالفون مع حزب الله وبالأخص أنصار الله والجبهة الشعبية-القيادة العامة وفتح الانتفاضة وجزء من حركة فتح. تحالف حزب الله سيبقى هو الأقوى على الرغم من أن أسلحة ستتدفق على الطرف الآخر من أمريكا وإسرائيل. سيحصل كل طرف على دعم خارجي، لكن الغلبة ستبقى للخبرة والتنظيم واللذين يميلان بوضوح لصالح أعداء أمريكا.

إذا أقدمت أمريكا على ضرب اللبنانيين بعضهم ببعض، فإنها ستغامر بورقة أخرى وهي الورقة العراقية. عندها لن تقوم سوريا بدور حرس الحدود الذي يمنع المقاومين من العبور، وستسود فوضى في لبنان تؤدي إلى فتح الحدود عبر سوريا أمام المقاتلين العرب للتدفق إلى كل من لبنان والعراق، وربما تفتح إيران حدودها، وتحرض الشيعة في العراق ضد أمريكا. هذا ناهيك عن أن البعد الداخلي الأمريكي لا يعمل لصالح الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة.

هذا لا يعني أن سوريا وإيران ولبنان لن يعانوا. المعاناة ستكون شديدة لكل الأطراف، لكن أمريكا لن تحقق ما تريد. وواضح أن الولايات المتحدة لا تقرأ التطورات في المنطقة جيدا، ولا ترى أن عهد الجبن العربي قد انحسر لصالح أناس لا يهابون الموت.

يبقى الأمر الأهم بيد سوريا: هل ستصمد سوريا أمام الضغط والتهديد وربما القصف؟ أمريكا في وضع حرج إذا توفر الصمود، وستنال الكثير مما تشتهي إذا ترنح السوريون. ترجيحي أن سوريا ستصمد.

اقرأ بلغة English