الإرادة الأمريكية ليست قدرا
الدكتور عبد الستار قاسم
منذ زمن طويل والعربي يستمع إلى أحاديث حول القوى العالمية بخاصة الولايات المتحدة وبعض حلفائها وقدرتها على تحقيق ما تريد في المنطقة العربية وفرض سياساتها على العرب والمسلمين. يتردد في المجالس العادية وفي ردهات الحوار والنقاش أن هناك مخططا للمنطقة وأنهم (ضمير الغائب يعود إلى تلك القوى الكبيرة غير الله سبحانه) يعملون على تنفيذها بعناية ودقة. لسان الحال يقول أنهم يتآمرون ومؤامراتهم تتحقق تدريجيا. ويخرج فصيح من بين المتداولين ليقول: “والله لن يحصل غير ذلك الذي يريدون. علينا ألا نشقى وألا نتعب. هم الأقوى ونحن لا طاقة لنا عليهم.” فيخرج فصيح آخر ليقول: “الله أقوى يا رجل.” فيرد عليه: “ونعم بالله. والله مشاكلنا ما لها غير الله، والله وحده الذي يعلم متى تنفرج الأمور.” هذا ليس جدل الناس العاديين فقط، بل هو جدل القيادات أيضا. ألم يطل علينا وزير خارجية عربي بالحقيقة ليقول أنه ليس بوسع العرب سوى استجداء أمريكا؟ وألا يذكرنا قائد إحدى الدول العربية الكبيرة دائما بأنه لا قدرة لنا على الحرب وعلينا أن نبحث عن حل مشاكلنا في الكواليس الدولية؟ وألم يقل زعيم عربي أن الحرب تتقرر في واشنطون ونحن لا قرار لنا؟
على ذات النمط، يتردد في وسائل الإعلام العربية أن هناك مخططات أمريكية لإعادة ترتيب المنطقة، وأن مخططاتها لا بد نافذة. ستعمل أمريكا على إعادة تجزئة المنطقة وستطيح بقادة وستأتي بآخرين. وبناء على ذلك، هناك عشرات الملايين من الناس ينتظرون القدر الأمريكي، وهم جاهزون لاستقباله على اعتبار أن لا رادّ له. ويبدو أن كثيرين مرتاحين لفكرة القدر هذه لأنها تعفيهم من عناء التحدي.
سمع الجيل الأجداد والآباء من بعدهم يقولون أن إسرائيل وأمريكا قويتان وأنهما يستطيعان تحقيق ما يريدان في المنطقة. كواحد من الذين سمعوا، تعلمت مع الزمن أن إسرائيل تبحث بالدرجة الأولى عن الأمن وعن الهيمنة المتشعبة بالدرجة الثانية. أما أمريكا فتعمل على السيطرة حرصا على مصالحها وأمن إسرائيل. عملت الدولتان على إبقاء العرب ضعفاء منقسمين وتابعين متخلفين لما في ذلك من تعزيز لسياستيهما. وقد أبدع القادة العرب في تنفيذ ما أراد الغير لقاء الحفاظ على مصالحهم الشخصية ومصالح قبائلهم إن وجدت.
على الرغم من محاولات الدولتين وأحلافهما، وعلى الرغم من الهزائم التي مني بها العرب عبر الزمن في كافة المجالات وعلى مختلف الصعد لا أجد أن إسرائيل الآن أكثر أمنا مما كانت عليه عام 1948، ولا أجد أمريكا مرتاحة لوضع المنطقة كما اشتهت منذ عام 1945. عملت إسرائيل على مراكمة القوة منذ أن بدأت كحركة صهيونية وحرصت على أن تجري المعارك بعيدا عن التجمعات السكانية اليهودية وفي عقر دار العرب. ورغم هذا الحرص الشديد تدور المعارك الآن في شوارع مدنها. صحيح أنه لا يوجد جيش عربي زاحف، لكن الاستشهاديين استطاعوا التأثير بقوة على نظرية الأمن الإسرائيلية إلى الحد الذي بات فيه اليهودي غير مطمئن إلى أن القنبلة ليست في بيته.
وكذلك لا أجد أن الأمر قد استوى للولايات المتحدة. كانت أمريكا تعتمد في السابق على عصا إسرائيل لتأديب العرب المتمردين، وعلى عدد من الحكام العرب لبث الفتن من أجل إشعال حروب عربية-عربية. لكنها الآن لا تستطيع الاعتماد لا على إسرائيل ولا على الحكام العرب وتجد نفسها مضطرة لحشد جيوشها في المنطقة. كانت أمريكا تهدد في السابق ويستكين العرب، لكن التهديد لم يعد مجديا هذه الأيام. لقد لحقت بها إهانة كبيرة في 11/أيلول، سبتمبر، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الذي جرى، وهي تحشد الطاقات العسكرية الهائلة الآن لمواجهة العراق. علما أنها خائفة من تثوير المنطقة وظهور المزيد من الحركات السرية التي تستهدف الأمريكيين ومصالحهم.
استطاع الشهيد يحيى عياش أن يوقف دولا كثيرة على رؤوس أقدام أصابعها عندما طور متفجرات صنعت فزعا داخل إسرائيل. لم تشفع لإسرائيل كل تلك القوة العسكرية الضخمة التي تملكها، ولم تسعفها قوة الولايات المتحدة علما أن ما استخدمه عياش لم يتجاوز وزنه خمسين كيلوغراما من المتفجرات غير المتطورة. أصبحت إسرائيل في حالة هلع واستنفرت قوى عالمية إلى شرم الشيخ لمناقشة ما أسموه إرهاب حماس. بدأت ملاحقة ساخنة لأفراد حماس وللأموال التي يمكن أن تصلها على أمل القضاء عليها من أجل أن تنام إسرائيل قريرة العين. على الرغم من ذلك لا إسرائيل نامت ولا حماس ضعفت. على العكس، اشتد التيار الإسلامي بكافة مشاربه وأصبح أكثر نضجا من الناحيتين التنظيمية والتكتيكية.
بغض النظر عن الجدل الذي يمكن أن يدور حول مدى جدوى العمليات العسكرية ضد إسرائيل تبقى الفكرة حول هشاشة إسرائيل قائمة. خرجت إسرائيل عن هدوء أعصابها بسبب العمليات العسكرية التي تم تنفيذها في شوارع مدنها، وحشدت كل طاقاتها الدعائية والديبلوماسية والعسكرية والاقتصادية للدفاع عن أمن إسرائيل الذي تهتك واستدعى دموعا مدرارة حزنا وألما. ومن المشروع لكل مراقب للوضع أن يتساءل عن عظمة هذه الدولة التي تئن من عدد محدود من العمليات العسكرية. هل هي فعلا عظيمة وكبيرة، أم أن عيون العرب الذين يصورونها بالأخطبوط لا ترى الأجسام بحجمها الحقيقي؟
ينطبق ذات الشيء على الولايات المتحدة التي فقدت الكثير من رجحان العقل والاتزان وباتت تلوح بالعصا الغليظة لكل من أطاع ومن عصى. هاجسها أسامة بن لادن، ورعبها يستبق تطور حركات سرية جديدة لم تكن من قبل. لقد باتت تصنع لنفسها المخاوف وتتخذ إجراءات قد تكون مبنية على أوهام أو على تسريب أخبار غير صحيحة من قبل تنظيمات تود النيل من أمريكا. لم يعد من الصعب التلاعب بأعصاب الولايات المتحدة ووضعها في حالة استنفار. يكفي أن يكتب أحدهم على أي صفحة من الشبكة الإليكترونية تهديدا أو خبرا وهميا عن نوايا للقيام بعمل عسكري ضد أمريكا ليبقي رأسها بعيدا عن وسادة النوم.
المعنى أن تطورات الأحداث مع السنين أثبتت عدم صحة ما يقال بأن القدر الأمريكي ومعه القدر الإسرائيلي نافذان. أرى أن الصورة التي كانت مرسومة قد بولغ بها كثيرا وصنعت لدى العربي أوهاما صاغت طريقة تفكيره وتصرفاته. لا شك بأن الدولتين تخططان وتتبعان مناهج علمية في عمليات التدبير والتنفيذ، لكن هذا لا يعني نجاحهما التام في كل ما تريدان تنفيذه. تنجح الدولتان هنا وهناك وتصنعان الأحداث وتؤثران على سير أحداث أخرى وتحققان مصالح وتضربان مصالح، الخ، لكن هذا لا يعني أنهما تنجحان في كل شيء أو أنهما تحددان المستقبل وتتحكمان به وتسيطران على تفاصيله.
هناك نجاح للدولتين في منطقتنا العربية، لكن الأمور لم تستتب لهما، ولا يبدو أنها ستستتب. على العكس، الأوضاع تتعقد لكلتا الدولتين وستضطران إلى بذل جهود متزايدة الحدة والكثافة مع الزمن. ربما تحتاج الدولتان الآن إلى جهد مضاعف لتحقيق ما كان يمكن تحقيقه سابقا، وقد لا تستطيعان تحقيقه. ربما يعترض أحدهم ليقول أن هذا غير صحيح لأن العرب يعانون الآن أكثر مما كانوا يعانون سابقا. هذا صحيح، فإنما هذا أيضا عبارة عن مقياس لتطور الأوضاع بطريقة لا تتناسب مع ما تشتهي الدولتان. يعاني العرب الآن أكثر من السابق لأن روح التحدي لديهم تطورت. كانت إسرائيل تقوم بحروب سهلة لأن العرب لم يكونوا يكلفون أنفسهم عناء القتال، وكانت تتربع أمريكا على ثروات الأمة لأن الأمة كانت تستطيب الخنوع. أما الآن فقد وجدت إسرائيل مقاتلين مثل مقاتلي حزب الله والمقاومة الفلسطينية الاستشهادية، ووجدت أمريكا من يتحدى سلطانها سواء على مستوى الدول أو الحركات السرية. ظهر من بين الأمة من أدار ظهره عمليا للهيمنة وما تحاول فرضه من خضوع وقرر التمرد على الإرادتين الأمريكية والإسرائيلية.
فإذا كانت أمريكا تحشد الجيوش فذلك لأن مهمتها في المحافظة على الوضع الذي تريده قد تعقدت، وإذا كانت إسرائيل تلجأ إلى الطائرات والدبابات لمواجهة الفلسطينيين فذلك لأن مهمة السيطرة عليهم قد تبدلت أحوالها. تعلو بعض الأصوات ضد أعمال المقاومة وتحدي الإرادتين الأمريكية والإسرائيلية، لكن هذا العلو سيبقى بدون صدى لأنه يخالف منطق التاريخ. الأمة لا تختلف عن الأمم الأخرى، ولا بد أن تثأر لنفسها. تزداد حدة درجة الثأر مع الزمن ومعها تزداد حدة التصدي الأمريكي-الإسرائيلي. يرافق هذا ارتفاع في حدة المعاناة، لكن في ذلك اقترابا لنهاية هيمنة العدو. أي أن السياسة الأمريكية ليست قدرا لا راد له، وهي ليست عصية على الاستنزاف أو الانتكاس.
سوء أحوال العرب على المستويين الرسمي والحزبي باد للعيان، وهو موضوع تذمر عربي من المحيط إلى الخليج. لكن الوعي بالسوء أرقى بكثير من الجهل به، وكلما تعمّق الوعي بالشيء ازداد احتمال العمل من أجل تغييره، وازداد بالتالي احتمال فشل الأمريكيين والإسرائيليين في تحقيق أهدافهم.