في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا
الدكتور عبد الستار قاسم
مر اثنان وثلاثين عاما على واحدة من أبشع المجازر ضد الشعب الفلسطيني وهي مجزرة صبرا وشاتيلا. تآمر قادة إسرائيل مع بعض قادة المليشيات اللبنانية في نهاية الحرب الصهيونية على لبنان وسُمح لمسلحين مليشياويين بالدخول إلى مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين وإعمال القتل الجماعي بكل من تواجد في المخيمين من فلسطينيين ولبنانيين. بدأت المجزرة مساء السادس عشر من أيلول/ 1982 واستمرت لمدة ثلاثة أيام، وقتل فيها الأطفال والنساء والشيوخ ورجال بدم بارد وبلا ذنب اقترفوه. كانت منطقة المخيمين في حينه تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وبات واضحا من التحقيقات التي جرت في إسرائيل أن وزير الحرب الإسرائيلي في حينه أريئيل شارون، ورئيس أركانه رفائيل إيتان قد سمحا لمليشيات حزب الكتائب اللبناني بقيادة آل الجميل بدخول المخيمين بهدف القتل وسفك الدماء. دخلت المليشيات بقيادة إيلي حبيقة، القائد العسكري للمليشيا، وقتلوا الناس بلا رحمة وبلا تردد. اختلفت التقديرات حول عدد الشهداء الذين سقطوا في المجزرة، وتراوحت الأرقام بين حوالي 400 و3200. لم يتوفر إحصاء دقيق للشهداء حتى الآن.
بشاعة المجزرة
تعرض الشعب الفلسطيني للعديد من المجازر منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن لم تحصل مجزرة بهذا العدد من الشهداء ولا بهذه الغزارة من الدماء، ولا حتى على أيدي الصهاينة. امتلأت شوارع المخيمين بالجثث، وكذلك البيوت الصغيرة التي تميز المخيمين، ولم تنفع مع المجرمين القتلة الصيحات والاستغاثات. لقد أعملوا القتل بكل حقد وكراهية وسوداوية، فرأينا جثث الأطفال والنساء ملقاة في أزقة المخيمين، وكذلك جثث الرجال والشيوخ. لقد نجا هؤلاء الشهداء بأنفسهم من جرائم الصهيونية ليلاقوا حتفهم على أيدي عصابات عربية متعاونة مع الصهاينة.
منعت وسائل الإعلام في حينه من دخول المخيمين وذلك لكي لا توثق الأعمال الهمجية الإجرامية التي جرت ضد المدنيين، وأعمل المجرمون القتل بهدوء تام بعيدا عن وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لكن الإعلام دخل المخيمين بعد انتهاء المجرمين من حفلتهم وسماح الجيش الإسرائيلي لهم بالدخول. نقلت وسائل الإعلام صورا أذهلت العالم، ووضعت الفلسطينيين أمام مأساة مرعبة جديدة جعلتهم منسحقين تحت وطأة الحرب على منظمة التحرير ووطأة دماء الأبرياء النازفة، في حين لم يكونوا قادرين على صنع شيء لمد يد العون أو ردع المجرمين. لقد مر الشعب الفلسطيني أنذاك بأسوأ مشاعر الضعف في تاريخه. لقد رأووا أبناءهم جثثا هامدة دون أن يكون بإمكانهم أن يحركوا ساكنا. لقد دمرت إسرائيل البنية التحتية للمنظمة وضربت الفصائل عسكريا، ولم يعد يتواجد في المخيمين من يدافع عنهما. على الرغم من إسرائيل ومن معها أشاعوا في حينه أن حوالي 1500 مقاتل فلسطيني يختبئون في المخيمن. لقد ثبت أن المخيمين كانا خاليين من الأسلحة والمسلحين وأن الإشاعة كانت تخدم فقط النية المبيتة في قتل الفلسطينيين.
التحقيق
كانت إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي فتحت ملف تحقيق بالمجزرة، ومن المعروف أن إسرائيل لا تتلكأ في فتح تحقيق في قضايا من هذا القبيل وذلك تبعا للظروف الدولية. لا تحاول إسرائيل إغماض عينها تماما حول مسائل من هذا القبيل لكنها تسير بالتحقيق بالطريقة التي لا تودي بها إلى إدانة قوية أو إلى مساءلة قادتها على الساحة الدولية. أي أنها تحاول إرضاء بعض الدول المحتجة، لكن دون أن يصيبها أذى. وجدت لجنة تحقيق كاهن الإسرائيلية أن وزير الحرب الإسرائيلي ورئيس أركانه لم يقوما بما يجب لمنع تسلل المليشيا اللبنانية إلى المخيمين. لم تشر لجنة التحقيق الإسرائيلية إلى تآمر شارون مع ميليشيا الكتائب من أجل دخول المخيم وقتل الناس، ولم تشر إلى دور رئيس الأركان في تشجيع المليشيا على القيام بالعمل الإجرامي.
مثل أمريكا والاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا فاكتفت أيضا بالشجب والاستنكار. مرت السنين، ولم يتم فتح تحقيق دولي حتى الآن، ولا يوجد من الفلسطينيين والعرب من يدفع باتجاه فتح الملف.
غياب التحقيق أبقى الباب مفتوحا أمام الثأر، أو البحث عن قادة القتلة والانتقام منهم. لقد اتهم بشير الجميل في حينه بتوجيه إيلي حبيقة للقيام بهذه المهمة بخاصة أنه كان يكره الفلسطينيين بشدة، وكان ينتظر اليوم الذي تقوم به إسرائيل بغزو لبنان والقضاء على التنظيمات الفلسطينية. بشير الجميل قتل، لكن لا يوجد أي مؤشر أن الفلسطينيين قد قتلوه. أما إيلي حبيقة فقد تم اغتياله، وهناك شكوك بأن الجبهة الشعبية القيادة العامة قد اقتصت منه. هناك أسماء أخرى يشار إليها في الاشتراك الفعال ولا تظهر على السطح بسبب خوفها من الانتقام.
معادلة البغضاء والكراهية
هناك في لبنان كما في فلسطين والأردن ومصر من يرون مصلحتهم مع إسرائيل، وهم مستعدون دائما للتحالف معها والقتال إلى جانبها إذا اقتضى الأمر. وقد استطاعت إسرائيل مع الزمن أن تقيم جيشا اسمه جيش جنوب لبنان ليقاتل إلى جانبها، واستطاعت أن تقيم سلطة فلسطينية تقاتل من يرغب في قتالها من الفلسطينيين، وجيرت جيوشا عربية لتكون حارسا على حدودها مثل الجيش الأردني. هؤلاء الذين يستظلون بمظلة إسرائيل يناصبون الشعب الفلسطيني العداء بخاصة الذين يريدون مقاومة إسرائيل. مقاومة إسرائيل تشكل عملا عدائيا بالنسبة لهم لأنها تتعدى على مصالحهم الخاصة. ولهذا لا نتوقع أبدا من هذه القوى أن تؤازر أي نوع من أنواع المقاومة العربية ضد إسرائيل. إنها ضد المقاومة من ناحية المبدأ ولديها الاستعداد الدائم للتحالف مع أعداء المقاومة تحت شعارات وطنية كاذبة. ولهذا كان للمقاومة الفلسطينية أعداء قبل أن تدخل المقاومة إلى لبنان. هناك في لبنان من ربطوا أنفسهم منذ الأيام الأولى للاستقلال بإرادة الدول الاستعمارية بخاصة فرنسا ومن بعدها أمريكا ولهم الاستعداد الدائم لخوض معارك الدول الاستعمارية ضد الباحثين عن الحرية والاستقلال.
أما إسرائيل فدائما معنية بالاقتتال الداخلي العربي من أجل تأجيج العداوات الداخلية. إنها معنية بكراهية متبادلة بين الفلسطينيين واللبنانيين، واللبنانيين والسوريين، والفلسطينيين والأردنيين، الخ. إسرائيل سعيدة بتفتت العرب وبصراعاتهم الداخلية. ولهذا فتحت الباب أمام لبنانيين لقتل فلسطينيين.
بالإضافة إلى الكراهية المسبقة للفصائل الفلسطينية والفلسطينيين عموما، لم تنتبه الفصائل الفلسطينية إلى أهمية التصرف بحكمة داخل المجتمع اللبناني. لقد قام فلسطينيون بتجاوزات كثيرة أساءت للبنانيين مثل تخريب جامعة بيروت العربية وقتل رؤوس خيل بريئة، وتجاوزوا احترام الناس. يبدو أن بعض قيادات منظمة التحرير كانت معنية بتشويه صورة الفلسطينيين لدى الشعوب العربية لكي تخرج القضية الفلسطينية من ثوبها العربي لصالحه ثوبها الفلسطيني الضيق. ولهذا تطور موقف سلبي عربي تجاه منظمة التحري في الأردن ولبنان والكويت وتونس.
وتبعا لمجريات سلوك القيادة الفلسطينية هناك احتمال أن هذه القيادة كانت معنية بقيادة الشعب الفلسطيني من إحباط إلى إحباط ومن فشل إلى فشل لكي تبرر فتح مفاوضات مع إسرائيل. هناك قراءات تاريخية واضحة حول هذه المسألة، ولا تبرئ القيادات الفلسطينية من هموم فلسطينية. وهنا يتساءل بعضهم: لماذا تركت القيادة الفلسطينية المخيمين بدون حماية؟ أو لماذا لم تصر على الحصول على ضمانات لحماية المخيمات الفلسطينية قبل أن توافق على مغادرة بيروت؟