انكماش العرب أمام نجاد
الدكتور عبد الستار قاسم
كتبت عام 1979 كتابا بعنوان سقوط ملك الملوك قلت فيه إن العرب سيحاربون إيران لا محالة لأن موقفها من إسرائيل آيديولوجي، وسيبقى الموقف الإيراني محرجا للعرب أجمعين. بالفعل حاربوها بقيادة العراق وبدعم سخي جدا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية. طبعا لم تكن الأسباب الذاتية الخاصة بكل نظام عربي غائبة، لكن الهمّ الإسرائيلي كان على سلم الأولويات. استمرت الحرب سنوات طوال، وتم استنزاف العرب وإيران، ولم ينج صدام من الغدر الأمريكي فشنوا عليه الحروب.
تعود التصريحات الإيرانية من جديد لتؤكد رفض إيران لإسرائيل، لكن لكنة الحرب العربية لم تعد. لقد تغيرت الظروف بحيث حاول الأمريكيون والعرب استغلال ضعف إيران عام 1981، وظنوا أن القضاء على الثورة كان في متناول اليد. الآن هناك أسباب أكثر مما كان عام 1979 للقضاء على إيران، لكن ميزان القوى على مختلف الصعد قد تغير. تقف أمريكا في حيرة من أمرها إزاء البرنامج النووي الإيراني، وأمام دعمها المتواصل لحزب الله وبعض القوى الفلسطينية وسوريا. كانت تشكل إيران في بداية عهد الثورة مصدر إزعاج، لكنها الآن تشكل مصدر قوة وتنزل في القلوب خوفا ورهبة. إنها لا تملك تلك القدرات العسكرية الموازية للدول الغربية، لكنها تستطيع الصمود والقتال والرد العسكري المؤلم بخاصة ضد إسرائيل.
يلاحظ المراقب أن الحكام العرب يلتزمون الصمت في كل مرة تتحدث فيها إيران. إنهم يلهثون وراء الحلول السلمية، ويجهدون نحو التطبيع مع إسرائيل وإدخالها على حجرات الوطن العربي، ويعملون على التنسيق معها أمنيا وعسكريا من أجل محاربة من يسمونهم بالمتطرفين والإرهابيين. فماذا يصنعون أمام كلمات حق ينطق بها الرئيس الإيراني؟ الأفضل الاختفاء وراء حجاب، فلا رؤية ولا كلام.
بلوماسي؛ أما الطالب والفلاح والعامل فلا يرضون على أنفسهم مد يد لإسرائيل مصافحين. العار يأتينا من ذوي “المقام الرفيع،” أما البسطاء فسيبقى الخير فيهم، ولن تنتصر الأمة إلا بهم.
أما أهل الغرب فيكررون تناقضاتهم. لقد كرهوا اليهود فقتلوهم وطردوهم وصدروهم إلى فلسطين. تطور لديهم عشق لإسرائيل وهي بعيدة عنهم، ومن أجلها يشردون الفلسطينيين، ويصرون على ملاحقتهم حيثما ثقفوا. إن من يرتضي طرد شعب من وطنه لحساب آخرين، لا يمكن أن تُقبل منه نظرية أخلاقية أو تصريحات إنسانية. الأوروبيون والأمريكيون يغرقون بدماء الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والأردنيين والمصريين والليبيين والإيرانيين والأفغانيين والسوريين، ولا يملكون حق توزيع الشهادات الأخلاقية. إنهم مدانون ووجههم قبيح، وهم يصرون على ذلك في كل مرة يتحدثون فيها عن حق إسرائيل ويتجاهلون حق الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض المحتلة/48.
ما العار في دعوة الرئيس الإيراني لتخصيص قطعة أرض لليهود في أوروبا؟ الأوروبيون يعشقون اليهود الإسرائيليين، ومن الأفضل جمع شمل الأحباب؛ أما نحن فنكرههم، والأفضل إبعادهم عنا حتى لا تستمر الحروب. المسألة لا تحتاج إلى عبقرية في التحليل السياسي ولا في فهم تآلف القلوب، وهي عبارة عن جزء من مهام الحياة اليومية التي تصادف الأفراد والجماعات. الأحبة يجتمعون، والبُغضاء يفترقون. أوروبا تدفع ثمن باهظا لقاء الحروب التي تندلع في المنطقة، وهي تكلف نفسها عناء السفر في كل مرة تريد تقديم الهدايا. ويبقى من المهم أن يكرم العاشق على أحبته مما يملك وليس مما يملك الآخرون.
منذ عام 1917 والشعب الفلسطيني وأهل الشام وكل العرب والمسلمين يدفعون الأثمان الباهظة بسبب الصهيونية وإسرائيل، ولا أخال أن التاريخ سينقطع وتتحول الدماء والدموع إلى أزهار ننثرها على قبعات بني إسرائيل. وإذا كان الحكام العرب يوالون الغادرين، فإن السواد سيغلف سجلهم التاريخي بأكاليل الذل والصّغار.