بين الانضباط والغوغائية

الدكتور عبد الستار قاسم

من يريد أن يعرف الفرق بين حركة فتح وحركة حماس كان عليه أن يرقب سلوك أفراد وقادة الطرفين ليلة فرز الأصوات الانتخابية. كانت تصرفات الطرفين مثيرة جدا للاهتمام والدراسة، وهي تعطي مؤشرا قويا على الوضع التنظيمي لكليهما، وعلى النمط القيادي الذي يميز كلا منهما، والنظرة تجاه الذات والآخر، وكيفية تلقي الخبر ومن ثم التصرف حياله. وبالطبع ينعكس هذا على الأداء السياسي والاجتماعي والمالي والأخلاقي لكل منهما.

قضيت بعض الوقت ليلة فرز الأصوات في مركز حماس الانتخابي في نابلس، والذي يقع في الميدان الرئيسي للمدينة حيث يتواجد عادة نفر كبير من الناس، وحيث تجري الاحتفالات والمهرجانات وتتركز المسيرات. الأرقام التي كانت ترد من مراكز فرز الأصوات أصابت جميع الحاضرين في المركز بالدهشة، وكادت تكون بعيدة عن التصديق إلى درجة أن أحد الحاضرين قال بأن المندوبين في مراكز الفرز لا يقولون الحقيقة. كانت أرقام حماس تفوق أرقام فتح بكثير في أغلب المواقع في الضفة الغربية وغزة، وكان واضحا أن حماس تسير نحو فوز كبير وأنها ستحرز أغلبية في المجلس التشريعي. بالرغم من ذلك كان الهدوء هو الطابع العام للأجواء داخل المركز الانتخابي.

الوضع خارج المركز الانتخابي حيث تجمع عناصر فتح وأنصارها كان مختلفا. كنا نسمع أهازيج النصر والنشيد الفتحاوي بخاصة نشيد “غلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة.” وكان صوت الرصاص يدوي على مدى الساعات احتفاء بالنصر العظيم الذي ظنوا أن فتح قد أحرزته. خرجت إلى الميدان، فوجدت تجمعات فتحاوية كثيرة، وكل تجمع ينشد ما رأى مناسبا، أو يستمع إلى خطابات النصر. ولم يخل أي تجمع من إطلاق رصاص كثيف. سألت أحد الفتحاويين عما جرى، فقال لي “لقد سحقناهم، حماس مش للناس.” هززت رأسي وربت على ظهره.

تجولت في نابلس لألقي نظرة حول أماكن فرز الأصوات. رأيت طوابير من السيارات التي تطلق العنان لمنبهاتها، ويصرخ من في داخلها من الفتية ابتهاجا وهم يرفعون رايات فتح. رأيت قافلة سيارات واحدة تطلق المنبهات وتحمل رايات حماس. ذات المشاهد تكررت في محيط مراكز الفرز. هناك من كانوا يتابعون الأرقام وهناك من كانوا يحتفلون.

صندوق الانتخابات.

ظهرت على شاشات بعض الفضائيات أسماء فائزين قبل أن تنتهي عملية الفرز. من هؤلاء من بدأ بإقامة الولائم وتوزيع البقلاوة والكنافة، ولم يبخل على مؤيديه بالرصاص الذي أومض في سماء نابلس. في المقابل، قلت لأحد مرشحي حماس بأنه سيفوز كما يبدو من الأرقام، فقال الحمد لله على كل حال، وسننتظر الصباح.

هدأت نابلس عند ساعات الفجر وذلك بعدما ألقت الأرقام بثقلها على المحتفلين المتعبين. لقد أعياهم الصراخ والهتاف والقفز والمزمار والدبكة، وأصبح هناك مجال للاستماع للمداولات الرقمية. أصبح هناك فرصة لدى الناس للتمتع بهدوء لم ينقطع من قبل الذين أيقنوا بأنهم فائزون. سمعت فقط أصوات تكبير وتهليل هادئة لم تكن لتزعج الناس أو تستفز أحدا.

غوغائية وسائل الإعلام لم تكن أقل حدة. وسائل الإعلام العربية الفلسطينية وغير الفلسطينية لم تتوقف على مدى أسابيع قبل الانتخابات الفلسطينية عن بث نتائج الاستطلاعات والتي كانت تعطي حركة فتح الأغلبية. فضائيات عربية كثيرة وهامة كانت تولي الأمر أهمية في صدر نشراتها الإخبارية وعلى الشريط الإخباري ذيل الشاشة. ولم يكن المذيع يتوقف عند سرد الأخبار، وإنما كان يعلق قائلا بأن حركة فتح تتجه نحو نصر كبير. أما فضائية عربية فاستثمرت جزءا كبيرا من احترامها عندما نشرت بثقة أسماء الفائزين الذين ثبت أنهم جروا أذيال الخيبة. ويبدو أن الخلل بين أخبارها والحقيقة الواضحة على الأرض قد أصاب أحد المرشحين بصدمة قادته إلى المشفى.

وسائل الإعلام هذه كما الاستطلاعات لم تكن منصفة من حيث أنها كانت تخصص وقتا ومساحات واسعة لمرشحي ومؤيدي حركة فتح أكثر بكثير من مرشحي ومؤيدي القوائم الإسلامية واليسارية، وتحابي في تعليقاتها المؤيدين لفتح. المشاهد للفضائيات يلاحظ بقوة ووضوح الانحياز في وسائل الإعلام حتى هذه اللحظة.

كنت أدرك قبل الانتخابات أن استطلاعات حماس الخاصة وغير المعلنة تفيد بأن الحركة ستكسب الانتخابات. لكن كل الأفراد والقادة الذين كانوا على اطلاع التزموا الصمت والهدوء. وحتى لا يحصل ارتباك أو تعطيل لعملية الاقتراع والفرز، رأى عناصر حماس أن يقولوا للمستطلعين إنهم انتخبوا فتح. لم يكن ذلك لخداع الاستطلاع وإنما لخداع أتباع فتح الذين ساد ظن بأنهم سيحرقون صناديق الانتخابات إن شعروا بأن الهزيمة ستلحق بهم وذلك بسبب عدم انضباطهم. لم تكن مراكز الاستطلاع دقيقة قبل الانتخابات، وعدم دقتها ازدادت يوم الانتخابات. وهكذا يكون الانضباط قد انتصر على الفوضى.

اقرأ بلغة English