بين الحرية والابتذال
الدكتور عبد الستار قاسم
تثير الرسومات الغربية المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين عموما قضية الحرية وممارستها. يقول الغرب إن هذه الرسومات مندرجة تحت حرية التعبير التي تعتبر ركنا أساسيا من أركان الديمقراطية، وإنه من الصعب على المسلمين أن يفهموها ذلك بسبب ثقافتهم التي تقوم على القمع والاستعباد. من العرب والمسلمين من يؤيد هذه الأقوال على اعتبار أن التقدم يعني القفز عن القيم والمبادئ الدينية.
تبرز هنا مسألة تعريف الحرية، ودعوتي قائمة لمن يريد الدخول في جدل أو حوار حول التعريف على صفحات جريدة الخليج إن سمحت. يظن كثيرون ومنهم فلاسفة ومفكرون وأصحاب شعر وأدب أن الحرية تعني قيام الإنسان بما يرى مناسبا من نشاطات، وأن لا قيد على هذه النشاطات إلا ما يفرضه القانون الذي يتم التوصل إليه ديمقراطيا. وهم يرون أن أجواء القمع تؤدي إلى التخلف، وأجواء الحرية تفتح الأبواب أمام التقدم.
أتفق معهم بأن الحرية عبارة عن مقدمة حيوية وأساسية للإبداع والتقدم، وأن المجتمعات التي تقيد حرية أبنائها تبقى غارقة في نمطية التفكير والسلوك، وتبقى بعيدة عن التجديد والسير في ركب التطوير والاكتشاف والاختراع. لكن ما هي هذه الحرية التي نتحدث عنها؟
بالتأكيد، يختلف الفلاسفة والمنظرون وأصحاب المنطق والمعرفة في تعريف الحرية، لكنهم لا يختلفون بشأن الهدف النهائي المرجو تحقيقه من توفير أو توفر الحرية. جميع المتحدثين عن الحرية يسعون إلى تحقيق التكامل الإنساني، أن يكون الإنسان نفسه، مالكا لنفسه، يقدر وجوده ويرى طاقاته تنبثق واقعا. إنهم، وأنا معهم، يرون في الحرية مدخلا نحو تحقيق إنسانية الإنسان، وسموه بذاته ومساهمته الفاعلة في تنمية قدراته والتعبير عن طاقاته، ومشاركته الآخرين في عملية البناء والتقدم الإنساني على مختلف الصعد. إنها الآلية التي تجعل من الإنسان قادرا على إحداث التوازن بين قدراته المادية وطاقاته الجسمانية والذهنية والعاطفية والوجدانية والانفعالية، فيصبح منسجما مع ذاته وهادئا مطمئنا، وراغبا في رؤية ذاته تنبثق عطاء في عالم يتقدم.
الملاحظة هنا أن جميع الذين يتحدثون عن الحرية لا يلصقون بها معان سلبية مثل الكسل والعزوف عن التعاون مع الآخرين والشهوانية الخارجة عن حدود الإشباع الطبيعي، الخ. إنهم يركزون على محاسن الحرية وإيجابياتها العائدة على الذات والجماعة في آن واحد.
ية مثل الديمقراطية والاشتراكية، هل من الحرية أن يتناول المرء الكحوليات فيفقد سيطرته على نفسه، أو على الأقل يلحق الضرر بصحته؟ وهل من الحرية أن يقوم بنشاطات جنسية تنتهي بإنجاب لقطاء؟ أو أن يهجر زوجه فيتسبب بتفسخ الأسرة؟ أو أن يقدم معلومات غير مكتملة للجمهور أو للطلاب فيضللهم؟ أو أن يستعمل خطابا كاذبا ومهيجا لكي يلغي التفكير المتزن لدى مستمعيه؟ كل هذه النشاطات المشمولة في الأسئلة تنتهي بنتائج ضارة بالشخص والمجتمع، وهي لا تتفق بتاتا مع النتائج المرجوة من توفير أو توفر الحرية للإنسان.
إذا كانت النتائج المتوقعة للسلوك الإنساني غير إيجابية (لا تساهم في عملية البناء والتقدم)، فإنه لا يمكن أن يكون السلوك حرا. إذا كان الهدف من الحرية هو تحقيق التكامل الإنساني، فإن كل النشاطات التي تؤدي إلى تمزق الإنسان لا تندرج تحت عنوان الحرية. النفاق، مثلا، ليس من الحرية لأنه يضع الإنسان ضد نفسه: إنه على قناعة بشيء ويمارس نقيضه؛ والتدخين ليس من الحرية لأن المدخن يريد لنفسه صحة جيدة في ذات الوقت الذي يؤذي فيه جسده؛ والزاني ليس حرا لأنه التمزق الاجتماعي يأتي بالويلات على الجميع؛ والمرتشي ليس حرا لأنه يعرض إدارة المجتمع للفساد، فيلحق به ضرر كما يلحق بالآخرين. في كل هذه الحالات، الإنسان ليس منسجما مع نفسه، وإنما يقف ضد نفسه ويوقع نفسه بالكثير من الأزمات المادية والمعنوية.
الحرية عبارة عن قرين للخير وليس للشر، للبناء وليس للهدم، للتقدم وليس للتخلف، للمحبة وليس للكراهية، للجمال وليس للقبح، للتآلف وليس للتنافر. أما عندما تخرج الحرية عن قرينها فهي في الغالب تحررية أو، وفق التعبير اللاتيني، ليبيرالية. هنا يتصرف الإنسان، أو له أن يتصرف، بالطريقة التي لا تتقيد بالضرورة بتكامله الإنساني، أو بهدف البناء الذاتي والمجتمعي. له أن يفقد نفسه وأن يخرج عن الالتزام المجتمعي ما دام لا يخرق القانون المعمول به. له أن يكون عبدا لشهواته ونزواته، وله أن يتزوج من مثله أو أن يهجر أطفاله أو أن يطور الأسلحة التي تساعده على تحقيق أطماعه، الخ. هنا يحول المرء نفسه إلى عبد تحت شعار الحرية. قد يكون على وعي بوقوفه ضد ذاته فيُنعم بما هو فيه، وقد لا يكون فيلحق الدمار بنفسه وبالآخرين.
هذا يقودنا إلى التساؤل حول الحرية الموجودة في الرسومات الغربية حول الرسول الأعظم والمسلمين. لو كان هناك انتقاد للإسلام والمسلمين لاستوعبنا أن الناقد يريد تفسيرا وله حق في ذلك لأن النقد يتضمن حب المعرفة، أما هذه الرسومات فلا تقصد إلا الإساءة. ما الهدف الذي يمكن أن أحققه أنا كاتب هذا المقال إذا صورت، على سبيل المثال، رئيسا يركبه حمار؟ هذا درب من دروب الإساءة ولا يعبر عن أي نشاط ينتظر خيرا أو نتيجة إيجابية.
إذا كانت الحرية تتضمن التفسير الغربي للرسومات المبتذلة فهذا يعني أن العدّ التنازلي لأصحابها والمدافعين عنها قد بدأ.