بين المخابرات الأردنية والإسرائيلية

الدكتور عبد الستار قاسم

يهدف هذا المقال إلى تبيان مدى سخف وتفاهة أجهزة المخابرات العربية، وكيف تعمل هي باستمرار على صناعة أعداء لها وللأنظمة التي تحتضنها. أنا ناشط سياسيا واجتماعيا، وقد سبق أن طردتني المخابرات الأردنية مع خمسة من زملائي من الجامعة الأردنية، وصادرت جواز سفري الأردني. اعتقلتني إسرائيل مرارا، وكذلك فعلت السلطة الفلسطينية. تعرضت لكثير من المضايقات وما زلت أتعرض، وأطلقت علي المخابرات الفلسطينية النار وأصابتني بأربع رصاصات.

جزء من استراتيجيتي في العمل هو عدم إقحام أفراد عائلتي بنشاطاتي حتى ولو بالحديث. لا أريد أن يعرف أحدهم ماذا أصنع وذلك حتى لا يكونوا هدفا سهلا لأجهزة المخابرات. إذا شاء أحدهم أن ينشط فله أن يفعل دون إقحامي أو إعلامي وذلك لذات السبب.

الملاحظ بقوة أن إسرائيل لم تسأل أيا من أفراد عائلتي عن أي شيء يخصني، أما أجهزة المخابرات العربية وعلى رأسها المخابرات الأردنية فتفعل. اعتقلتني إسرائيل أربع مرات ومنعتني من السفر على مدى السنوات، وفرضت علي الإقامة الجبرية، إلى آخره من الإجراءات. قمت وزوجتي ذات مرة بطلب دفتر سفر laissez passer من إسرائيل، زوجتي حصلت على موافقة، بينما لم أحصل أنا. لم يقم اليهود باستدعاء زوجتي أو التحقيق معها أبدا، أو استدعاء أي من أبنائي. أما المخابرات الفلسطينية فاقتحمت منزلي أثناء اعتقالي بدون إذن قضائي وعبثت بمحتويات مكتبي.

أما المخابرات الأردنية لا تترك فرصة إلا وتضايق زوجتي وأقاربي وأصدقائي. طلب مني شخص عبر الهاتف ذات يوم مقالات وأبحاث، ووعد أن يدفع بالمقابل ألف دولار؛ وهو من القلة القليلة الذين يدفعون. اتفقنا وطلبت منه أن يعطي النقود لأحد أقاربي في الأردن. صدف أن اعتقلت المخابرات الأردنية هذا الشخص بتهمة الانتماء لفتح المجلس الثوري. اعترف هذا الشخص بأنه أرسل لي عبر أحد أقاربي ألف دولار. ذاق قريبي الأمرين من المخابرات الأردنية وهي تحقق معه على أنه صاحب علاقات مع صبري البنا. علما أنه لا أنا ولا هو يعرف عن تنظيم هذا الشخص. ويبدو أن الملف قد أحيل إلى إسرائيل بحيث ترفض إصدار تصريح له لزيارتنا في طولكرم.

اصطحبت زوجتي الأولاد منذ حوالي خمسة عشر عاما في زيارة للأردن. وجدت أن اسمها في قائمة الممنوعين من دخول الأردن. قالوا لها على جسر دامية إن الأولاد وقد كانوا قصرا يستطيعون المرور، لكنها يجب أن تعود أدراجها. قمت بالاتصال ببعض الأصدقاء في الأردن وحصلوا لها على الموافقة بالدخول شرط المثول أمام المخابرات. قضت يوما كاملا في دائرة المخابرات وهي تنتظر. سألوها في النهاية عن زوجها ونشاطاته، وطلبوا منها التعاون معهم، أي أن تصبح جاسوسة على زوجها. أنا حريص دائما على عدم اطلاعها على أي شيء له بعد سياسي أو أمني. وهي لا تعلم بالمناسبة عن هذا المقال، وربما تعرف إذا قررت ذات يوم زيارة الأردن من قبل المخابرات الأردنية.

عندما كنت في الأردن، اتهمني رجل المخابرات الذي قابلني لأول مرة بالانتماء لحزب التحرير الإسلامي، وفي المقابلة الثانية اتهمني بالانتماء للحزب الشيوعي. اتهمني أمام قريبي بالانتماء لجماعة المجلس الثوري، وأمام زوجتي اتهمني بالانتماء للقيادة العامة، وأمام أصدقاء لي اتهمني بالانتماء لفتح الانتفاضة. مخابرات تبحث عن انتماء سياسي وتنظيمي.

أما زوجتي فقررت أن تسافر إلى أمريكا لزيارة ابننا الذي مضى على غيابه خمس سنوات. اتصلنا بالأردن فوجدنا اسمها على نقطة العبور. علما أن القنصلية الأمريكية منحتها تأشيرة سفر، وإسرائيل لم تعترض طريقها. كان عليها مقابلة المخابرات. انتظرت طويلا واستمرت المقابلة نصف ساعة، وطلبوا منها العون إن أرادت مساعدة من المخابرات ورفع اسمها من قائمة الممنوعين. سافرت. عند العودة، أوقفوها في المطار وطلبوا منها مراجعة المخابرات. إزاء إصرارها بأنها ستغادر إلى فلسطين سريعا، أعادوا لها جواز سفرها بعد أن حققوا معها في المطار.

هذا اختصار لقصص متنوعة، وهذا وصف لعقلية أمنية متخلفة ستقود قطعا إلى مشاكل أمنية خطيرة تعاني منها كل الأطراف وكل الفئات. الأنظمة العربية الأخرى ليست أحسن حالا.

حتى تستريح المخابرات الأردنية، أقول لهم إن التنظيم ضروري من أجل التخلص من إسرائيل ومن الأنظمة العربية، وعندما أجد التنظيم المناسب فلن أتردد في الانضمام إليه. أنا مؤمن بوحدة العرب والمسلمين، ومؤمن بوحدة الشعبين الأردني والفلسطيني، وسأقاتل من أجل الإبقاء على هذه الوحدة. ابنة أخي متزوجة من أردني عظيم، وابن عمتي متزوج من أردنية سلطية أصيلة. نحن لا تفرقنا المخابرات، ولا تشق صفوفنا أعمال الناشزين. سنبقى شعبا واحدا متحابا صامدا، وبإذن الله ستنتصر الشعوب على كل أجهزة القمع والطغيان.

وما رأي المخابرات الأردنية في أن أطلق أم محمد بعد خمس وعشرين سنة من الزواج لكي يهدأ بالهم؟

اقرأ بلغة English