التشكيك بالثورات العربية

الدكتور عبد الستار قاسم

للهزيمة أصولها، وأهم هذه الأصول يتجسد بنفي الذات والاعتقاد بأن هناك قوى خارجية من الطبيعة أو مما فوق الطبيعة تتدخل بالشأن الإنساني، وتتخذ القرارات بالنيابة عن الإنسان. هناك من هو مقتنع بأنه عاجز، وهو أعجز من أن يقرر مصيره، أو أن يشارك في تقرير مصيره، وأن مصيره ملك لآخرين يقررون بالنيابة عنه ورغما عنه. إنه لا يملك من الأمر شيئا، ولا يستطيع التغيير مهما حاول لأن تلك القوى كبيرة وعظيمة وفوق طاقة الإنسان على مواجهتها، ومن الأفضل له أن يستسلم لها. الاستسلام طريق الحكماء لأنه يوفر معاناة المواجهة التي لا يمكن إلا أن تنتهي بهزيمة. أي عليه أن يفشل قبل أن يحاول، والمحاولة ليست إلا تعبيرا عن غباء.

الذي ينفي ذاته يقول ببساطة إنه لا يملك القوة، ومهما حاول فلن يطاول الأقوياء، فلماذا العناء؟ إنه يرى التاريخ ثابتا عند عجزه، وهو لا يتحرك إلا إذا حركه الآخرون، وهو مؤمن بأنه لا يصنع التاريخ وإنما يصنع الآخرون التاريخ عليه. إنه يعيش في الماضي ويترك المستقبل للآخرين، ويرى في ضعفه وسيلة فعالة للتوسل لدى الأقوياء. هذه هي سيرة اللاهثين وراء حل تفاوضي مع إسرائيل. إنهم لا يرون في مواجهة إسرائيل إلا الهزيمة، ويفضلون الاستسلام بدون هزيمة على الاستسلام بهزيمة. ضعفهم هو قدرهم، وكل محاولة يقوم بها عربي لكسب نفسه وإثبات ذاته لا توصل إلا إلى نتائج كارثية.

جدلية المشككين بالثورات العربية

هناك طابور في كل قطر عربي يشكك بالثورات العربية التي بدأت في تونس على اعتبار أنها مسيّرة من الخارج، ولا تعبر عن إرادة عربية حرة. إنهم يتساءلون عن سبب انفجار هذه الثورات في آن واحد، أو بصورة تتابعية متلاصقة، ويتساءلون عن ذلك السحر العظيم الذي تجسد في عربة محمد البوعزيزي رحمه الله، وعن هذا الزخم الشعبي العارم الذي تدفق فجأة في حين أن الشعوب العربية لم تبد جرأة في مواجهة الحكام حتى في أحلك الظروف والملمات. وأشد ما يركزون عليه هو وجبات الكنتاكي فرايد تشيكن التي أشيع أن المصريين تمتعوا بها في ميدان التحرير، وتصريحات أمريكا المتوددة للشعوب العربية.

هذه الطوابير، أو هذا الطابور المتشعب على طول الأنظمة العربية وعرضها يقول بأن الأيدي الأمريكية والإسرائيلية هي التي تعبث بالشعوب العربية، وتقوم ببعض الحركات التي توهم الشعوب بأن الإرادات الشعبية قد بدأت بالحراك وأن على الجماهير أن تتدفق إلى الشارع لتأخذ حيزها في صناعة التاريخ. تتوهم الجماهير العربية بسبب وسائل الإعلام وقدرتها على توجيه الرأي العام، فتخرج إلى الشارع، في حين أن الذي يحركها هو ذلك الذي تآمر على الأمة على مدى السنوات السابقة. لماذا تتآمر أمريكا وإسرائيل وتدفعان بالجماهير إلى الشارع لتغيير الأنظمة؟ الإجابة بسيطة وهي أن الأنظمة العربية قد استُهلكت، وبقاؤها في الحكم يهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ومن الأفضل استباق الحدث والعمل على تغيير الأنظمة قبل أن تأخذ الجماهير زمام المبادرة فتأتي بأناس لا يؤيدون إسرائيل وأمريكا. أي ان أصحاب هذه الإجابة لا ينفون أنهم عملاء لإسرائيل وأمريكا، لكن استبدالهم يؤلمهم.

ولا ينسى هذا الطابور أن يقول بأن تونس الثورة لم تتحدث ضد إسرائيل بعد، ولم تفتح ملفات تعاون الرئيس المخلوع مع المخابرات الإسرائيلية. أما بالنسبة لمصر فهم يقولون بأن المجلس العسكري قد أعلن أنه يتمسك بالمعاهدات الدولية، مما يدل على انحياز هذا المجلس لإسرائيل. وطبعا يتمسك هؤلاء بتصريحات الولايات المتحدة حول حق الشعوب بالتظاهر السلمي، وحقها في اختيار حكامها كدليل على ضلوع الولايات المتحدة بالمظاهرات العربية.

من هم هذا الطابور؟

يتكون هذا الطابور من مؤيدي الأنظمة العربية التي تخشى التغيير وتمنعه، وهم يشملون بعض الموظفين ورجال الأمن بخاصة من أجهزة المخابرات، والرأسماليين الأثرياء وبعض المثقفين الذين تربوا على النفاق في كنف هذه الأنظمة. أي أنه يتكون من النظام وزبانيته المستفيدين من استمرار وجوده، وأعدادهم قد تصل بالكاد إلى حوالي 10% من الناس. هؤلاء هم الذين يخشون على مصالحهم التي ترعرت على حساب الناس ومن جيوب الناس وعرقهم ودمائهم، وهم المتنفذون الذين يتحكمون بمؤسسات الدول، ويحتكرون القرار، ويتحكمون برقاب الناس ويحرمونهم حرياتهم وحقوقهم الوطنية والإنسانية والاجتماعية والسياسية.

بما أن هذا الطابور هو نفسه المستهدف من الثورات العربية، فإنه من المتوقع أن يقوم بالدعاية المضادة عل وعسى أن يفت من عزيمة الشباب. ربما اشترى بعض الأصدقاء وجبات كنتاكي، وربما اشتروا هامبورغر أو ما شابه، لكنه من غير المعقول أن يقوم السفير الأمريكي بالقاهرة بتموين الشعب المصري بالكنتاكي والهامبوغر. لكن غير المعقول يصبح معقولا أمام فأر محشور لا يدري أين المفر.

رسالة هذا الطابور واضحة تماما وهي أن التغيير لا معنى له إذا كان البديل لعملاء أمريكا وإسرائيل القدامى هو عملاء أمريكا الجدد، وعميل عرفته أفضل من عميل ستتعرف عليه، وفاسد سرق أموال الشعب أفضل من فاسد سيبدأ بسرقة الشعب من جديد. ولهذا مطلوب من الشعوب العربية أن ترضى بعملائها وفاسديها القدامى، بدل أن يأتيها عملاء وفاسدون أشد عمالة وفسادا.

لقد لاحظت في الضفة الغربية أن أصحاب السلطة الفلسطينية وأصدقاءها يروجون الكثير من الشائعات حول الثورات العربية، وهم يبثون الكثير من الأفكار حول تحريك إسرائيل وأمريكا لعملائهما في البلدان العربية من أجل القيام بهذه الثورات. ومن أجل الإقناع، هم يبحثون عن جملة قالها هذا الغربي أو ذلك، أو هذا الصهيوني أو ذاك كأدلة على صدق ما يقولون. وقد سمعت أحدهم يقول إن الرئيس الأمريكي أعلن أن ثورة مصر قد قدمت خدمات عظيمة لإسرائيل، وإن إسرائيل مرتاحة لغياب مبارك وفق ما قاله وزير الصحة الإسرائيلي. ووصل الحد بأحدهم أن سرد قصة عجيبة حول تخطيط أمريكا لحدث عربة محمد البوعزيزي رحمه الله. حسب روايته الفذة، كان البيت الأبيض مشغولا جدا في اجتماعات متواصلة حول تلك العربة، وحول جرّ الشعب التونسي إلى الانفعال والتمرد على حاكمه. طبعا من الواضح أن مقولة فلسطينيي السلطة لا تختلف في جوهرها ومغزاها عن مقولة طابور التشويه في مختلف البلدان العربية.

أمريكا تعزز التشكيك

صمد وانهار النظام الملكي، وخرجت أمريكا مدحورة محسورة. لم يُجْد في حينها وقوفها المتشدد إلى جانب الشاه، ولم تجن سوى المزيد من كراهية الشعب الإيراني لها. مواقفها تجاه الثورات العربية اختلفت الآن، وتصريحاتها تحمل بعض التودد تجاه المتظاهرين والتضامن معهم. فقد أعلنت عدة مرات على ألسنة عدد من مسؤوليها أن للشعوب العربية الحق في التعبير عن نفسها، والحق في المشاركة والحرية.

على الرغم من أن أمريكا تحاول اتخاذ مواقف متناسبة مع مصالحها، إلا أن عربها، أو الطابور الذي يشكك بالثورات العربية، يأخذون تصريحاتها كأدلة على توجيهها لهذه الثورات. ليس من مصلحة الولايات المتحدة معاداة الشعوب العربية بالمزيد، كما لم يكن من مصلحتها عام 1979 معاداة الشعب الإيراني، ومن الأفضل لها ان تتبع خط التودد لا خط معاندة التاريخ. وهذا واضح الآن في مواقفها الخاصة بليبيا والتي تبدو أكثر وضوحا من مواقفها تجاه تونس ومصر، وربما يكون النفط أحد العوامل الرئيسية في مواقفها التي ما زالت غير متشددة تجاه القذافي. لكن المسألة في ليبيا مزدوجة من حيث أن بعض الليبيين المؤيدين للثورة يطلبون بأنفسهم وقوف الدول الغربية مع الثوار ضد القذافي. أي أن هذا يعطي مبررا قويا للمشككين لرفع وتيرة تشكيكهم. هنا لا أريد الدخول بتفاصيل الوضع في ليبيا لأنه يحتاج إلى مقال خاص، لكن أقول باختصار إن الوضع الذي وجدت الثورة في ليبيا نفسها فيه مختلف تماما عن الوضع الذي ساد في كل من تونس ومصر.

أما إسرائيل فعززت الشكوك عندما استمرت في ترداد تصريح المجلس العسكري الأعلى في مصر بانه يحترم مختلف الاتفاقيات الدولية. وقد حمل بعض العرب وعلى رأسهم أصحاب السلطة الفلسطينية وأصدقاؤها دف التشهير بالثورة المصرية على اعتبار أنها ستلتزم باتفاقيات كامب ديفيد لعام 1979، وباتفاقية الغاز مع إسرائيل. ومؤخرا عززت إسرائيل هذا التشكيك عندما أعلنت أن أحد مسؤوليها سيزور القاهرة.

أمريكا وإسرائيل تفضلان اللعب

من غير المعقول أن تدير أمريكا وإسرائيل ظهريهما للأحداث في الوطن العربي، وكأن الأمور لا تعنيهما، فأمريكا لها مصالح متجذرة وكثيرة، ووجود إسرائيل مرتبط إلى حد كبير بوجود هذه الأنظمة العربية التي تتم الإطاحة بها. الدولتان في حالة استنفار، وهما في تفكير دائم حول ما يمكن أن يطرأ من تطورات، وحول السياسات المتنوعة التي يمكن اتباعها مستقبلا من أجل عدم خسران الأنظمة العربية، أو من أجل تقليل الخسائر المتوقعة من استمرار عدم الاستقرار في الوطن العربي. هذا هو المتوقع من دولتين استمتعتا بامتطاء العرب ومص دمائهم على مدى عقود من الزمن.

ولهذا ليس من المستغرب أن تحاول الدولتان التدخل في تونس ومصر وليبيا وغيرها من الدول بطريقة أو بأخرى من أجل حرف الثورات العربية عن مسارها الشعبي والوطني. تملك الدولتان الكثير من العملاء والجواسيس في البلدان العربية وهما قادرتان على إحداث الفتن بطرق متعددة، وعلى تقديم مختلف أنواع الدعم لبؤر الفساد والإفساد التي ما زالت موجودة حتى الآن في البلدان التي تشهد الثورات. وليس من المستغرب أن يكون الاقتتال الذي حصل بين المسلمين والأقباط مؤخرا في مصر من صنع إسرائيل.

أمريكا وإسرائيل لا تستقويان بالشعوب

ليس من سياسة أمريكا وإسرائيل الاستقواء بالشعوب، وإنما تذليل الشعوب. عملت الدولتان بالتعاون مع دول غربية أخرى على مدى عقود من الزمن على صناعة الزعماء العرب لكي يكونوا مطايا مخلصين يطوعون شعوبهم خدمة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية. تقليديا، قامت بريطانيا بتنصيب العديد من الزعماء العرب، وورثت أمريكا المهنة بعد أن أفل نجم بريطانيا. وقد اعتمدت صناعة الزعماء على عدد من العناصر أهمها: الإغراء بالسلطة، تقديم الأموال حيثما كان هناك ضرورة، الإغراق بالمتع الشهوانية، التوريط من خلال المال والجنس، دعم أجهزة الأمن المختلفة للتسلط على الناس، وتوظيف الجيوش للصراعات الداخلية العربية.

لقد عملت الدول الغربية وإسرائيل على قتل الروح المعنوية للإنسان العربي وإذلاله من خلال الزعماء العرب لكي لا يقوى على الحراك مستقبلا. هذه الدول هي التي دعمت الاستبداد، والذي استخدم أجهزة أمنه بخاصة جهاز المخابرات لدب الرعب في قلوب المواطنين العرب. وقد نجحت المخابرات العربية في تخويف الناس وإرهابهم وإرعابهم حتى بات المواطن العربي مخابرات على نفسه يعرف تماما ماذا يقول ومتى وكيف. لقد أصيب العربي في قلبه، وتحول إلى جبان يرتعد عن بعد، ويخشى أن يمس اي شيء قد يكون له علاقة بهذا المستبد الأحمق الذي يطوع الأمة لغيرها من الأمم. فهل يُعقل أن يكون حل أمريكا وإسرائيل لاستبدال عملاء بعملاء بث القوة في قلوب الناس ليخرجوا إلى الشارع يتحدون الأنظمة؟ تكمن مصالح أمريكا وإسرائيل في العربي الجبان والمتشكك والمتردد والمنافق والكذاب الذي لا تهمه إلا مصالحه الشخصية، وليس في مواطن يتحدى الرصاص بصدره العاري.

عندما أغضب الملك فيصل آل سعود أمريكا، قامت بقتله بيسر وسهولة؛ وعندما ملّت من الحبيب بورقيبة، قامت باستبداله بسهولة بابن علي. أما بريطانيا فاتهمت الملك طلال بالجنون ونقلته إلى تركيا عندما حاول المراوغة، وكذلك فعلت في عُمان عندما قررت أن أميرها جامد أكثر من الجمود. ليس من العسير على الدول الغربية تبديل الحكام العرب، وهي ليست بحاجة لثورات شعبية لتحقيق ذلك. وتبديل الحكام بصمت يشكل ضمانا أكيدا بأن الحاكم الجديد لن يكون مشاغبا، فهو لا يتقدم الصفوف إلا بعد أن تكون الدول الراعية قد دمغته.

الحذر مطلوب

على الرغم من ذلك، يجب أن تبقى عيون العرب بخاصة في دول الثورة مفتوحة تماما حتى لا تدخل عناصر حرف الثورات عن مسيرها ومسارها. العابثون بالتأكيد خلف الأبواب، وربما يكونون بين الصفوف ويزايدون على الجميع. الأوضاع في دول الثورة لم تستقر بعد، وسيتطلب الاستقرار وقتا طويلا، وستستغل أمريكا وإسرائيل أوضاع عدم الاستقرار من أجل النفاذ إلى الداخل والعبث بوسائل متعددة. اليقين بأن الثورات شعبية وخالصة من أجل الانتقال بالأمة إلى مستقبل أفضل لا يكفي، ولا بد من فطنة متجددة، واستنفار وثاب حرصا على ما تم إنجازه.

أصحاب الثورة لا يجمعون على رأي واحد، على الأقل من الناحية التاريخية ذلك لأن الثوار يتطلعون إلى المستقبل، وليس إلى الماضي. يتشعب المستقبل وفق تطلعات وتقييمات من ينظرون إليه، لكن الماضي يوحد أصحابه لأنه قد مضى. ولهذا من المهم ألا يُنظر إلى الاختلافات في وجهات النظر بين الثوار على أنها شيئ سلبي، وإنما كجزء من حركة التاريخ التي تنظر إلى المستقبل بأعين متعددة.

اقرأ بلغة English