الإفساد بين الأردنيين والفلسطينيين

الدكتور عبد الستار قاسم

ربما يتفق القارئ معي بأن النظام الأردني لا يميز بين أردني وفلسطيني، وإنما بين موال له وغير موال. لكن هذا لا يمنع من استخدام الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء كأدوات لإطالة عمر النظام ولبقائه سيدا. إنه يبث الفرقة والفساد بين أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة حتى لا تزعجه وحدتهم فيطالبون بحقوقهم ويصرون على انتمائهم للأمة وقضاياها المصيرية. لقد أثبت النظام قدرته على القيام بهذا الدور ونجح في صنع أجواء من التوتر والكراهية بين الفلسطيني والأردني. في هذا المقال، أتناول سياسة الإفقار والإثراء التي اتبعها ليبقى كل طرف يرى في الولاء للنظام منجاته.

الأردن بلد غير مستقر على الرغم من الشكل الأمني الذي يظهر عليه، ولولا هذه الحقيقة لما كان النظام نظاما أمنيا يوظف جزءا كبيرا من ميزانية الدولة لأجهزة الأمن وبالذات المخابرات. هذا هو شأن كل الدول العربية، بما فيها سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، التي لا تستطيع أنظمتها الصمود والبقاء بدون إرهاب وإرعاب الناس بالأجهزة الأمنية. ولهذا يرى النظام ضرورة اللعب على مسألة أردني-فلسطيني ليحافظ على نفسه، وربما بعد قليل سيلعب ورقة عراقي-أردني.

منذ البدء، عمل النظام على إزاحة الفلسطينيين من الوظائف العامة وفتح باب التجارة أمامهم، وفتح باب الوظائف أمام الأردنيين وحاول إبعادهم عن حياة الثراء. هذا من أجل صناعة ثقافة نعرفها نحن في العلوم السياسية وهي ثقافة الخوف على والخوف من. أي أنه اتبع سياسة تجعل الفلسطينيين يخافون على أموالهم، وتجعل الأردنيين يخافون من خسران الوظيفة، وبذلك يكون قد ربط الطرفين بذاته وضمن ولاءهم القائم على الخوف. طبعا الولاء القائم على الخوف ليس فضيلة، لكن النظام لا يملك بديلا بسبب وقوفه باستمرار ضد قضايا الأمة ونهبه لأموال الشعب.

وفق هذه السياسة، أصبح الأردني وحده هو الجندي، وهو الموظف في الدوائر والمؤسسات العامة، وهو الشرطي، وهو المتواجد في الأجهزة الأمنية وبالذات المخابرات. أصبح الأردني موظفا يعتمد على الراتب، وابن الراتب عادة ضعيف أمام راتبه، وضعيف عموما في حياته اليومية بسبب ضيق العيش. الراتب وحده لا يكفي ولا يسد الحاجة، وهو في النهاية محدود. تكاليف الحياة باهظة وترتفع باستمرار. ما الحل؟ كثير من الأردنيين ملاك الأراضي قرروا تحسين أوضاعهم ببيع أراضيهم. لمن؟ للفلسطيني.

ر إلى عمان الغربية وتفحص تلك البنايات الفخمة لوجد أن أغلب مالكيها من الفلسطينيين. هناك أردنيون يملكون، لكننا هنا نتكلم عن نسب.

هؤلاء الفلسطينيون اشتروا الأرض من الأردنيين وأقاموا عليها المشاريع الصناعية والتجارية. أما الأردني الذي قبض ثمن الأرض فأنفق الأموال على مستحقات يومية كثيرة فقد بات في الغالب بلا أرض وبلا مال. في الغالب لم يستثمر الأردني المال ليس لأنه لا يعرف الاستثمار ولكن لأن ارتباطه بالوظيفة العامة قد حال دون توفير الوقت اللازم. الأردني ذكي وقادر على شق طريقه والمحافظة على أرضه وزراعتها واستثمارها، لكن النظام حاصره ببطء وتدرج حتى أصبح عبدا للراتب.

لا يجد الأردني دخلا أفضل من الراتب، وعليه أن يحافظ على ولائه للنظام ولو من دون قلب حتى لا يجد نفسه في الشارع بلا وظيفة. أما الفلسطيني فأصبح صاحب مصالح اقتصادية كبيرة يخاف عليها ويعمل على المحافظة عليها. ولهذا كان عليه أن يبقى مواليا للنظام لأن السلطة قادرة على تخريب المصالح الاقتصادية لمن يعاديها.

هذا لم يكن كافيا، بل كان لا بد من زرع الأحقاد بين الأردنيين والفلسطينيين مما يعرقل عملية الوعي بسياسات النظام. قامت المخابرات الأردنية ببث الفرقة والفساد والإفساد بين الطرفين على مدى عشرات السنين حتى بات كل من الطرفين لا يطيق الآخر ويرى فيه عدوا مرعبا. حيثما ذهبت في الأردن تسمع الناس يتحدثون بمسألة فلسطيني وأردني وكأن الشعب عبارة عن جزأين كل جزء يحاول منع الحياة عن الآخر.

(لو) راجع كل أردني وكل فلسطيني نفسه عن أسباب هذه الكراهية لاكتشف أنه سخيف وتافه وأنه مجرور إلى مواقف لا مبرر لها. ما هو المبرر لكي يكره الأردني الفلسطيني، والفلسطيني الأردني؟ هناك أردنيون محترمون وطيبون، وهناك فلسطينيون محترمون وطيبون. وهناك مصارف في كلا الطرفين. الأردنيون ليسوا ملائكة، ولا الفلسطينيون أنبياء بأثواب بيضاء ناصعة. الخبيثون والطيبون موجودون في كل مكان وفي كل شعوب الأرض وعلى مر الزمن.

أراد النظام تكريس الكراهية، وهو يدرب رجال المخابرات على طرق جهنمية من أجل أن يقتنع الفلسطيني بأن الأردني قبيح. وهو يزرع في الأردنيين فكرة أن الفلسطينيين يريدون الاستيلاء على الأردن. هذا أمر مقيت ومشين ويجب محاربته. الفلسطينيون والأردنيون شعب واحد ويجب أن يبقوا كذلك.

يجب رفض سياسة فرق تسد، ويجب الوعي بالسياسات الخبيثة للنظام وأسياده. يجب أن يبقى الجميع يدا واحدة لتكون الحياة أكثر تعاونا وأكثر محبة وتعاونا. يد الله مع الجماعة، وبالجماعة يتحقق الأمن والسؤدد للجميع.

اقرأ بلغة English