مصر وسوريا والسعودية: اجتماعات نمطية

الدكتور عبد الستار قاسم

يعود التنسيق السياسي بين مصر وسوريا والسعودية هذه الأيام إلى وتيرته السابقة بعد أن أصيب بإحباط شديد جراء العدوان العراق. يتفاءل مراقبون ومهتمون على مستوى الوطن العربي بهذه العودة، وتتحدث وسائل الإعلام عن آمال معقودة على هذا الانطلاقة الجديدة. هناك من يرى أن هذه الأنظمة تشكل معا ركيزة عربية قوية يمكن أن تكون مؤثرة بمجرى الأحداث وتشكيلها وتوجيهها بطريقة تتناسب ولو إلى حد ما مع المصالح العربية ذلك لما لها من أدوار على المستويين العربي والعالمي. ويرون أن الحياة قد تبدأ تدب بفكرتي التضامن العربي وإصلاح الجامعة العربية لما يدفع باتجاه تأسيس وضع سياسي عربي جديد يصون للعرب بعض كرامتهم ويسمح لهم بمشاركة ولو متواضعة في القرارات العالمية.

أرى أن هذا التفاؤل ليس إلا مجرد تمنيات لن تجد طريقها إلى الانبثاق عمليا على أرض الواقع وذلك ضمن الوضع السياسي القائم في كل من هذه الدول. لقد سبق لهذه الأنظمة أن قامت بتنسيق جهودها السياسية لكنها لم تفلح بإنجاز شيء ذي قيمة لا على المستوى العربي ولا على المستوى العالمي، ولا أظن أنها قد باتت مؤهلة الآن للعب دور مختلف عن السابق. ذلك لأسباب عدة على رأسها التالي:

أولا: هذه الأنظمة مختلفة أصلا في كيفية تناول المشاكل والقضايا العربية المختلفة، ولكل منها منظارها الذي يختلف في أسسه ومنطلقاته وأدواته وأساليبه عن منظاري النظامين الأخريين. لا يغترن أحد بالقبل والمعانقات على أرض المطار فهذه عادة عربية لا تعني المحبة والوئام والوفاق والاتفاق، ولا إلى التصريحات الإعلامية أو المؤتمرات الصحفية. هناك نظام قومي وآخر قبلي وثالث قطري يجتمعون على الأمن الداخلي ويفترقون على الأمن الوطني وأمن الأمة. صحيح أنها جميعا أنظمة شرطية تقوم على قمع المواطن العربي، لكن لكل طريقته الخاصة التي يعبر من خلالها إلى الوضع العربي والعالمي بأقل الأضرار الممكنة. هذا نظام يستند في شرعيته على الدعم الأمريكي المتنوع، وهذا يستعطي الأمريكيين ولا يجد غير الإذعان للإرادة الأمريكية، وثالث يحاول التمرد بلا جدوى.

ثانيا: من التجارب السابقة، لم تحاول هذه الأنظمة أن تمس جوهر القضية وهو أنها أنظمة فوقية قمعية لا تسمح بالمشاركة الشعبية الفعالة ولا تأذن بإقامة المؤسسات السياسية المختلفة التي تجعل للشعب كلمة. إنها أنظمة شخصية لا تمثل الإرادة الشعبية العربية ولا الطموحات العربية ولا الآمال. إنها أنظمة تسبح مع تيار مختلف تماما عن تيار الشعب العربي وتسخر الأجهزة الأمنية لملاحقة الناس وإرهابهم وتخويفهم من أجل مصلحة القائمين على النظام. أي أن هذه الأنظمة لم تعمل على إحداث التغيير المطلوب والذي يأذن بحماية شعبية لقرارات هامة، فبقيت قراراتها ضمن نمط معين لا يثير الغضب الأمريكي أو الأوروبي.

ثالثا: على الرغم من أن فكرة التضامن العربي عبارة عن فكرة انهزامية أتت لتحل محل فكرة الوحدة العربية التي أساءت لها الأنظمة العربية جميعها، إلا أن التضامن يتطلب اتخاذ قرارات هامة لكي يكون هناك تضامن حقيقي أرقى من التضامن اللفظي الذي يظهر في وسائل الإعلام. يتطلب التضامن مثلا إقامة سوق عربية مشتركة حقيقية وفتح الحدود بين الإقطاعيات العربية وإقامة قوة عسكرية مشتركة والتخلي عن العلاقات مع إسرائيل، الخ. هذه الأنظمة وغيرها غير مستعدة لذلك الآن، وإن استعدت فإنها لن تسعى إلى التنفيذ والالتزام.

رابعا: القرارات العربية سواء على مستوى القمة أو اللقاءات الثنائية والثلاثية لا تجد الاحترام ولا أصحابها يصرون على احترامها. مثلا، ذهبت المبادرة العربية لحل القضية الفلسطينية تحت عجلات جرافة خريطة الطريق الأمريكية ولم يبك العرب مبادرتهم أو يرفضوا المبادرة الجديدة. بل أن الأنظمة قبلت الخريطة التي تعطي إشارة خجولة جدا للمبادرة العربية. يعود بنا هذا حوالي ست وثلاثين سنة إلى الوراء عندما قرر العرب أن لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بإسرائيل وقبلوا بعد شهرين فقط قرار مجلس الأمن 242 والذي يدعو إلى عكس اللاءات. لا تختلف الأنظمة الثلاث هذه عن مجموع الأنظمة العربية حيث سبق أن تخلت عن قرارات خاصة بها لصالح ضغوط أمريكية أو واقع عملي مستجد لم تكن لديها إرادة سياسية على تحديه. ربما يكون لنظام منفرد إرادة على التململ ضد واقع سياسي لكن موقفه يضعف من خلال التنسيق مع أنظمة أخرى.

خامسا: بالنسبة للعراق والموقف من المجلس المؤقت، لا أعتقد أن هذه الأنظمة ستصمد على موقفها القائل بعدم شرعيته. إذا أصدرت الأمم المتحدة غدا قرارا بشرعية المجلس وضرورة التعامل معه على أنه الجسم الذي يمثل العراق مؤقتا لغاية المصادقة على دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات، فإن هذه الأنظمة ستسارع إلى القبول بما تسميه بالشرعية الدولية وتتعامل مع المجلس على أنه الجهة الشرعية التي تمثل العراقيين وستبتلع كل تصريحاتها السابقة وتعتبره قرار دولة لا يرتقي إلى مستوى قرارات الهيئة الدولية.

سادسا: لا يمكن لهذه الأنظمة أن تصدر قرارا يؤيد المقاومة العراقية ويشجعها ويدعو إلى دعمها خوفا من الولايات المتحدة وتأييدا لسياساتها في المنطقة. ربما يتعاطف نظام مع المقاومة قلبيا أو بغض الطرف عن بعض النشاطات التي تجري على الأراضي تحت سيطرته؛ لكن، كمجموعة أنظمة لن تعترف بالمقاومة العراقية كممثل لإرادة الشعب العراقي ولن تتعاطى معها جهارا لأنها على الأقل من زاوية النظامين السعودي والمصري مرتبطة مصلحيا مع الولايات المتحدة. بل من المحتمل أن يطلب من هذه الأنظمة القيام بخطوات من أجل إضعاف المقاومة العراقية مثل التشديد في مراقبة الحدود مع العراق لمنع الإمدادات العربية المهربة من قبل أشخاص ولمنع تسلل المتطوعين الراغبين في مقاتلة الأمريكيين. وليس من الغريب أن تستجيب لأن التجربة تؤكد ذلك. ومثلما أصبح الاستشهاديون الفلسطينيون في الملفات الرسمية للأنظمة انتحاريين والمقاومون إرهابيين ستصبح المقاومة العراقية إرهابا.

باختصار، تشير كل التجارب حتى الآن إلى أن الأنظمة العربية أعجز من أن تدافع نفسها ولا يوجد ما يدعو العربي إلى أن عهدا عربيا جديدا سينشأ أو أن خطوة جريئة سيتم اتخاذها لمواجهة التحديات. هناك بوابة واحدة يدعو عبورها من قبل الحكام العرب إلى نوع من التفاؤل وهي بوابة العودة إلى الشعب. عندما يتوقف الاستبداد ويجري تغيير جذري على أنظمة الحكم بحيث يصبح للمواطن احترامه ولمؤسساته أهميتها يصبح بالإمكان التحدث عن مرحلة جديدة ستقود حتما إلى التقدم في مختلف الميادين. وعندما يصبح القرار بيد الشعب من خلال ممثليه ومؤسساته المختلفة تتطور لدى الناس شجاعة التحدي ومواجهة الأخطار، ولن يكون من السهل على الأمم الأخرى العبث بمقدرات وأمن العرب لأنها تعرف أن الشعب لن يتخلى ولن يلقي السلاح. أما إذا بقيت أجهزة الأمن صاحبة الكلمة العليا والحاكم هو صاحب التفويض الإلهي المقدس فإن هذه الأمة ستبقى تحت شفّ سياط ذوي القربى وذوي البعاد.

اقرأ بلغة English