فياض: سيد أم أداة

الدكتور عبد الستار قاسم

الدكتور سلام فياض، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله، لا يرتكز على ماض نضالي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يكن منخرطا يوما بحركة وطنية لا في فلسطين ولا في الأردن، ولا في أي بقعة من بقاع الوطن العربي، ولم يكن متحزبا أو عضوا في حزب من الأحزاب العربية، لكن من المحتمل وفق ما توارد إلي من معلومات أنه قريب من الماسونيين أو المحافل الماسونية في الأردن. إذا صحت المعلومات لدي حول علاقته بالحركة الماسونية، فإن توجهاته السياسية والاقتصادية لن تكون خافية، ولا بد أن تنسجم مع أهداف الحركة الماسونية والتي تنتهي، وفق رئيس محفل الإسكندرية المختفي، بإقامة هيكل سليمان كرمز للمحبة والسلام في هذا العالم.

أنا لست متأكدا من انتسابه للحركة الماسونية، لكنني على وعي بأن بيئته الاجتماعية في الأردن مصطبغة بالحركة الماسونية، وبيئته في فلسطين مصطبغة أيضا، ولو جزئيا بالماسونية. ثم إن عمله في البنك الدولي يلقي بظلال قوية على هذه المسألة حيث أن الوظائف في هذا البنك ليست مفتوحة لمن هب ودب من أصحاب الكفاءات، ومن المفروض أن تتعزز الكفاءات بمواقف أو توجهات سياسية على رأسها القبول بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية والعمل على تنفيذها على المستوى العالمي، والقبول بإسرائيل والاستعداد للعمل معها على مستوى المنطقة. وربما يعطينا حضوره المتكرر لمؤتمر هيرتسيليا السنوي الذي تعقده إسرائيل بهدف تقييم أوضاع إسرائيل الحاضرة والمستقبلية مؤشرا قويا على توجهاته السياسية أو استعداداته لتمرير سياسات تتلاءم مع المتطلبات الإسرائيلية والأمريكية.

للتنويه أشير إلى أن الماسونية أخطر بكثير على العالم من الصهيونية، وهي ذات امتداد في أغلب دول العالم، وتشمل في عضويتها من كل الأديان والجنسيات على الرغم من أنها مقتصرة على الذكور فقط. إنما أعضاؤها هم من أصحاب النفوذ والتأثير في المجتمعات، والعدد الأكبر منهم من أصحاب القرار، وهم لا يصبحون أعضاء إلا بعد تدقيق وتوريط حتى لا يشذوا في النهاية عن السياسة المرسومة أو المطلوبة. هناك عدد من القادة العرب والفلسطينيين أعضاء في هذه الحركة، ولا يستغربن أحد أن العديد من الأنظمة العربية لا تتخذ قرارات أو مواقف يمكن أن تلحق أضرارا بإسرائيل.

الركوب من أعلى

يتم الركوب عادة من أسفل إلى أعلى مثل ركوب الدابة، أو ركوب السيارة أو القطار، الخ. سلام فياض ركب الشعب الفلسطيني من أعلى، ولم يعمل من بين الناس أولا لكي يكون لنفسه مصداقية، أو يجمع حوله بعض المؤيدين والأنصار. فجأة أصبح وزيرا للمالية الفلسطينية في عهد عرفات بقرار أمريكي. وقد أعرب الأمريكيون باستمرار إعجابهم به، وأثنوا عليه مرارا وتكرارا وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي بوش، وأصروا على بقائه وزيرا للمالية. الأمريكيون لا يمتدحون أحدا في منطقتنا العربية لأنه حر أو مجاهد، وهم في تاريخهم لم يمتدحوا إلا الذين يعملون على تنفيذ سياساتهم، ولديهم الاستعداد للقبول بحل مع إسرائيل وفق الرؤية الأمريكية والتي هي الرؤية الإسرائيلية إلى حد كبير.

سقط الدكتور سلام فياض على الشعب الفلسطيني من أعلى، وأصبح مسؤولا وصاحب قدرة على تنفيذ قرارات بين ليلة وضحاها. فلسطين مليئة بالكفاءات التي تفاعلت دوما مع شعبها وعاشت الضيق والمعاناة والآلام، ولديها إحساس عميق بما يجري في فلسطين ومحيطها، لكن صاحب الشأن قرر القفز وحرق كل مراحل الاستحقاق لينصب من يرى مناسبا لسياساته، وأخذ بعد ذلك يتخذ خطوات ميكافيللية من أجل صناعة شعبية تؤهله للاستمرار والترقي. وطبعا سياسة عرفات تتحمل الجزء الأكبر في هذه الدراما الفلسطينية لأنه هو الذي مكن الأمريكيين من رقاب الفلسطينيين من خلال لقمة الخبز، وهو الذي قاد برنامج الفساد في البلاد مما دفع الناس لتمني حاكم عدو على صديق جاهل.

لقد كتبت منذ سنوات، منذ أن تولى الدكتور سلام وزارة المالية قائلا إن وزير المالية سيكون يوما رئيس السلطة الفلسطينية. ها هو الآن رئيس وزراء، وما زال المجال مفتوحا أمامه ليكون رئيسا للسلطة.

ومن المهم القول إن الدكتور سلام فياض لا ينقصه الذكاء ولا سعة الأفق، وهو قادر من الناحية الاقتصادية على أداء رسالة هامة وخدمة الأمة إذا كان صاحب قرار. لكن المشكلة أنه يعاني من ضعف في المعرفة السياسية وتاريخ المنطقة بخاصة بعد الغزو الصهيوني، وحسب تقديري أن المناصب قد أغرته فأقدم على قبول ما لا يجب قبوله.

الضرب على وتر الفساد

العلة الأساسية كانت في سياسات عرفات ومنذ أن تربع على عرش منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تميزت بالشخصانية والاستبداد وتغطية الإخفاقات بالادعاءات. لقد اتبع سياسة مالية وإدارية في الضفة الغربية وغزة بعد قيام السلطة الفلسطينية فاسدة جدا أثرت سلبا على معنويات الناس وأخلاقهم وتماسكهم الاجتماعي، وجعلت من الشعب الفلسطيني مهزلة أمام نفسه وأمام الآخرين. ولهذا لم تجد أمريكا والدول الغربية عموما صعوبة بأن تنتصر لفكرة الإدارة الجيدة وحسن إدارة الأموال من خلال التدخل في تنصيب هذا وذاك. عملت الدول الغربية من خلال خريطة الطريق على إقامة رئاسة وزراء فلسطينية، وأصرت على أن يكون السيد محمود عباس رئيسا للوزراء، وأصرت على أن يكون فياض وزيرا للمالية. وقد قالت للفلسطينيين مرارا إن الأموال لن تُرسل إلا إذا كان فياض هو وزير المالية.

الدول الغربية ليست حريصة حقيقة على تنظيف الضفة وغزة من الفساد، لكنها معنية بتنفيذ سياساتها بأقل درجة ممكنة من الفضائح وبأناس يتمتعون بنوع من المصداقية. الفساد بالتأكيد يخدم سياسات الدول الغربية في المنطقة، لكنه يصبح متعبا عندما يتحول إلى مادة إعلامية، وإلى سبب في انخفاض شعبية القائمين على تنفيذ السياسات وتطبيق الاتفاقيات مع إسرائيل. أصلا الاتفاقيات مع إسرائيل لا يمكن أن يطبقها أناس أسوياء أو مستقيمون، ولا بد من وجود درجة فساد لديهم لكي يكونوا قابلين للتنسيق الأمني مع إسرائيل واعتقال فلسطينيين وتعذيبهم لأنهم يقاومون إسرائيل.

الفساد الذي تريده الدول الغربية هو ذلك الذي يخدم سياساتها في المنطقة بأقل درجة من الضوضاء. وطبعا الفساد ما يزال موجودا حتى الآن، لكن فياض لا يحمل كيس النقود ويوزع كيفما اتفق وعلى هواه الشخصي، وإنما يحمل سياسة مالية تؤدي إلى تحقيق الهدف دون رعونة.

المال في أفواه الناس

تعرض الشعب الفلسطيني على يد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى سياسة الابتذال والاستعطاء ومتاجرة العمل الوطني بالمال. اعتاد الشعب الفلسطيني أن يرى العطايا المالية تُمنح من قبل القيادة، ورأى أن العمل الوطني قد يدر ربحا، ولا مانع في أن يتحول إلى تجارة. لقد كتبت مرارا حول هذه المسألة ومنذ أكثر من ثلاثين عاما، وقلت إن قيادة المنظمة تعمل على القضاء على العمل الوطني، وعلى تحويل الشعب الفلسطيني إلى متسول لكي تتلاشى حقوقه الوطنية.

هذا ما أدركه الأمريكيون والغربيون عموما، ولم يخفوا نواياهم في اتباع سياسات مالية واقتصادية في الضفة الغربية وغزة تطغى على الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني. وقد وجد الأمريكيون لهم أعوانا من المثقفين والأكاديميين الذين حملوا راية الحل الاقتصادي كبديل للحقوق الوطنية، وها هم يتربعون على عروش العديد من المراكز والمنظمات الحكومية التي تعلن أن هدفها هو خدمة شعب فلسطين وإنقاذه من المآزق الاقتصادية والمالية.

استغل الأمريكيون نتائج سياسة منظمة التحرير، وعملوا منذ اللحظة الأولى على صناعة هالة من العظمة حول الدكتور سلام وذلك من خلال وصفه بالمهني المحترف الذي يختلف عن فاسدي السلطة الفلسطينية. استلم فياض الميزانية، وكان من أولى قراراته أن رفع رواتب عشرات آلاف الموظفين، الأمر الذي لاقى استحسانا ومديحا من قبل الموظفين وغير الموظفين. كان عرفات يدفع المال لنفر قليل من الناس، وبخاصة الذين يستعطونه كتابة أو شفاهة، أما فياض فلم ينتظر استعطاء أحد ورفع الرواتب، وهذا كان بمثابة ثورة في التعامل الأخلاقي مع الناس. هذا أمر عزز فكرة المهنية والاحتراف، وسهل لدى الناس عملية القبول بأشخاص يسقطون عليهم من أعلى.

هنا التقت التربية الفاسدة مع المال، وأصبحت الحقوق الوطنية الثابتة للشعب غائبة عن النقاش، أو أصبحت موضع مقارنة بين الحصول على بعض المال الآن، وعدم الحصول على شيء بتاتا. هل نضحي بالمال ولا نحصل على الحقوق الوطنية، أم نحصل على المال والباقي على الله؟ الجواب واضح لدى الكثير من الناس وهو الحصول على المال. ولم تكن الفصائل المؤيدة للصلح مع إسرائيل مختلفة عن الناس، لأنها لم تكن تختلف في هذا أيضا قبل قيام السلطة الفلسطينية. طالما باعت الفصائل مواقف سياسية لقيادة المنظمة لقاء الحصول على مخصصات مالية.

الهدف النهائي المطلوب

الهدف النهائي الذي تعمل إسرائيل وأمريكا على تحقيقه هو تحويل الشعب الفلسطيني إلى مجرد أفراد يبحثون عن لقمة الخبز. إذا نجحوا في ذلك، فإن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني تذوب لأنها لن تجد شعبا يطالب بها. من الضروري قتل التفكير الجمعي لدى الناس في الضفة الغربية وغزة خصوصا، وتعزيز التفكير الفردي بحيث يبحث كل شخص عن حلول لمشاكله لوحده وبمعزل عن الآخرين. هذا أيضا هو هدف الفساد، أو أن الفساد يتم استعماله منذ عشرات السنوات للوصول إلى هذا الهدف.

الفساد المنسجم مع التفكير الفردي المنعزل عن المجتمع يؤدي إلى تحليل المحرمات، ويهبط بالمستوى الأخلاقي بصورة متسارعة ويؤدي إلى التفسخ الاجتماعي. وقد عملت الدولتان من خلال زبائنهما الفلسطينيين والعرب على هدم الصرح الأخلاقي للمجتمع الفلسطيني والذي لم يستطع الاحتلال المباشر هدمه، وعلى تمزيق الناس بحيث لا يهتم أصحاب العرس بجيرانهم الذين يودعون شهيدهم. وإذا ضُرب شعب بنسيجيه الأخلاقي والاجتماعي فإنه يحتاج إلى جهود جبارة وسنين طويلة ليعاود الوقوف على ساقيه. وإذا كان لهذا أن يتأتى، فلا بد من تجنيد فلسطينيين من ذوي الثقافات العالية والمؤهلات العلمية للقيام بالمهمة. والحقيقة أن فلسطينيين من هؤلاء يتزاحمون من أجل القيام بالمهمة، وهؤلاء هم عون كبير لرئاسة وزراء تعمل وفق الإرادة الغربية، ولوزارة مالية تتبع سياسات موجهة غربيا.

لتحقيق الانهيار الأخلاقي والتفسخ الاجتماعي لا بد من أدوات يتم استعمالها بكفاءة، أذكر منها:

اسية على حساب الوطن؛

التركيز على الثقافة الاستهلاكية لكي تتقلص اهتمامات الإنسان إلى جيبه ومعدته، ولكي يتحول إلى مجرد حيوان قادر على التفنن بأساليب الاستهلاك؛

بعث ثقافة الكسل على حساب النشاط والإنتاج، وهذا وارد من خلال توظيف أكبر عدد ممكن من الناس في وظائف حكومية لا ضرورة لها، وتشجيع الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي؛

نزع الثقة من بين الناس من خلال الأجهزة الأمنية التي تعمل على مراقبة الناس وتخويفهم وإرهابهم؛

قهر الناس من خلال الكبت حتى لا يفكر أحد بتحدي الوضع القائم والعمل على تغييره؛

نفي الذات من خلال الاعتماد على الآخرين في البحث عن حلول لهموم ومشاكل الفلسطينيين، والتوجه دائما بالشكاوى إلى ما يسمى بالراعي الأمريكي والأمم المتحدة؛

تشجيع ثقافة النذالة على حساب الشهامة والعزة والإباء. سرعان ما يدق المرء على صدره متحملا المسؤولية، ولا أحد يسبقه في الهروب.

دور سلام فياض

منذ اللحظة الأولى، ذكرنا الدكتور سلام فياض أن المال لن يجد طريقه إلينا إلا من خلاله، وعلى كل من أراد أن يأكل ألا يتمرد على الترتيب السياسي القائم. وقد عزز هذا السيد محمود عباس عندما قال إن الخبز أهم من الديمقراطية؛ أي الخبز أهم من الحرية. لقد ربطنا أهل الغرب من خلال اتفاق أوسلو واتفاقية باريس الاقتصادية بلقمة الخبز، وحولونا عبيدا لها. وربما هذه أول مرة في التاريخ تضع فيه قيادة لقمة خبز شعبها بيد عدوها، الأمر الذي يؤكد نظريتي حول القيادة الفلسطينية والتي تحدثت عنها عام 1979. استلم الدكتور سلام التركة، وعمل على تعزيزها، وتدريجيا تتحول أعداد متزايدة من الشعب الفلسطيني إلى مجرد عبيد للقمة الخبز. وهنا أُبرز النقاط التالية:

الدكتور سلام فياض يعمل أساسا كصراف، وإلى جانب ذلك يقوم بنشاطات هامشية. الشيء الهام الذي يقوم به هو استلام الأموال وتوزيعها وفق معايير عدة منها الرواتب؛

يحاول التخلص من التنظيمات الفلسطينية ما أمكن. طبعا الأجهزة الأمنية بقيادة دايتون تتولى مهمة ملاحقة حركتي حماس والجهاد، أما الفصائل اليسارية فوجودها غير مؤثر، وهي مقربة من السلطة الفلسطينية، ولا يوجد لديها قدرة على التمرد أو التغيير، وتبقى حركة فتح هي العقبة الكأداء. وهنا تبدو المشكلة كالتالي: كم من أعضاء فتح يستطيع سلام فياض استقطابهم إلى جانبه ليصبحوا خارج الحركة ودون أن يستثير الحركة؟ أمريكا وإسرائيل معنيتان بعدم وجود تنظيمات فلسطينية حتى لو كانت موافقة على المفاوضات لأن هذا يتناقض مع فكرة تذويب الشسعب الفلسطيني، لكنهما أيضا معنيتان بدعم فتح للدكتور سلام حتى لا تنهار حكومته والتي لا ينتمي أعضاؤها للحركة. فتح معنية بدعم فياض لأن الغالبية الساحقة من أعضائها يتلقون رواتب منه (أو الدول الغربية)، وفياض معني بالحصول على دعم الحركة حتى لا ينهار، وهو معني بالقضاء عليها حتى يبرز في الساحة على أنه بطل فلسطين ومخلّص الشعب الفلسطيني. المعادلة صعبة، لكنه حقق بعض النجاح حتى الآن.

العمل على تحسين صورته من خلال المزيد من المال، ومن خلال تسهيل الحياة الاستهلاكية للناس. وفي هذا أذكر الأساليب الميكافيللية التي يعمل على اتباعها:

محاولة استثارة الشعب الفلسطيني وشد انتباههم من خلال أعمال تلهيهم مثل أكبر سدر (طبق) كنافة، وأكبر رغيف مسخن (أحد الأطباق الفلسطينية)؛

مشاركة الناس من خلال افتتاح مشاريع صغيرة هنا وهناك، وهو حقيقة يطوف الضفة الغربية باستمرار قاصا لأشرطة الافتتاح وملقيا خطابات حول المستقبل الزاهر والدولة الفلسطينية القادمة؛

مشاركة الناس في أعمالهم الخاصة مثل قطف الزيتون وحراثة الأرض، وغير ذلك؛

التفاعل مع الناس في مناسبات مختلفة مظهرا التواضع والشعور الملتزم بهموم الناس.

الابتعاد عن فساد السلطة الفلسطينية وفضائحها؛

محاولة الابتعاد عن صراعات الفصائل بقدر الإمكان.

هنا أشير إلى أن أعماله هذه أخذت تنقلب عليه لأنه كثفها وأخذت تبدو مصطنعة في عيون كثير من الناس. هذا ما نسميه في علم السياسة نهج ما فوق القتل overkill، والمعنى أن التكرار الممل يقتل الهدف منه حتى لو كان الهدف نبيلا.

الهدف في النهاية هو كسب ود الناس لأن في هذا ما يؤهله لخوض انتخابات ناجحة لرئاسة السلطة، أو لاستلام المنصب كبديل للسيد عباس بطريقة أو بأخرى. وحقيقة من الأفضل لأمريكا وإسرائيل أن يتسلم فياض هذه الرئاسة لأنه لا يقوم بأعمال مشينة، إذا استثنينا البعد الوطني، كالتي يقوم بها العديد من أفراد السلطة. أمريكا تنظر إلى تركة عرفات من الأشخاص على أن مؤهلاتهم الأخلاقية أدنى بكثير من أن تعتمد عليهم، وهم شكلوا فقط جسرا مرحليا نحو هدم وحدة الشعب الفلسطيني وتدجينه، وأصبح بقاؤهم يشكل عبئا على عملية المفاوضات. أي أن أمريكا وإسرائيل تريدان تحقيق هدفهما بوجه أفضل من الوجوه التي قامت عليها السلطة الفلسطينية منذ عام 1994.

من يحكم الضفة الغربية

الدكتور سلام فياض ليس صاحب قرار، وكذلك السيد محمود عباس، وكلاهما حقيقة لا يوجد لديهما من العمل ما يملأ وقت فراغيهما. فياض يستهلك وقته بمحاولات صناعة صورة البطل، وعباس يكاد يغيب من الذاكرة على الرغم من سفرياته المتكررة.

الضفة الغربية محكومة من قبل الثلاثي: المخابرات المركزية الأمريكية CIA، والقنصل الأمريكي في القدس، والمنسق الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين دايتون. هذا الثلاثي هو صاحب القرار، وهو الذي يوجه الإدارة الأمنية للضفة الغربية، وهو الذي يجند الفلسطينيين للتجسس على شعبهم وعلى العرب والمسلمين، وهو الذي يقدر التكاليف والمصاريف والاحتياجات المالية. طبعا هذا الثلاثي لا يظهر على السطح، وإنما يبقى خلف الكواليس مما يعطي انطباعا لدى العديد من الناس بأن القرار فلسطيني. لا، القرار ليس فلسطينيا، والذي يأكل من خير غيره عليه ألا يظن أن قراره بيده. نحن فقط الوجه الفلسطيني للسادة الأمريكيين الذين ينسقون مع إسرائيل. ولهذا فإن الجريمة تكمن في تغطية فلسطينيين على جرائم وسياسات الأمريكيين التي تخدم الإسرائيليين. ومن ثم من يريد دولة عليه أن يتذكر:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربع

هذا الثلاثي تلقى ضربة قوية عندما سيطرت حماس على قطاع غزة، وشعروا بأن مشروعهم قد بات في مهب الريح. ولهذا اتبعوا الخطوات التالية والتي بدت في كثير من الأحيان فلسطينية:

العمل على حصار غزة حصارا تاما من أجل إسقاط الوضع الجديد الذي تطور، وقامت الولايات المتحدة وإسرائيل بتجنيد دول العالم نحو هذا الهدف؛

دعم إسرائيل في حربها على غزة عام 2008/2009 لإنجاز ما فشل الحصار في إنجازه؛

إصدار الأوامر للأجهزة الأمنية لإزالة ظاهرة الزعران من شوارع القرى والمدن في الضفة الغربية لأنها أساءت جدا لصورة السلطة ومهدت الطريق نحو فوز حماس في الانتخابات ونجاحها في طرد الأجهزة الأمنية الفلسطينية من قطاع غزة؛

تكثيف ملاحقة أفراد حماس وتعذيبهم بشدة إلى درجة الموت؛

إلهاء الناس بمزيد من المغريات الاستهلاكية، وصناعة ثقافة الرفاه على حساب المسؤولية الوطنية؛

تجنيد المزيد من العملاء والجواسيس بهدف تحقيق مزيد من الاختراق في الصفوف العربية والفلسطينية، ومزيد من الانشقاقات في الداخل الفلسطيني. وإلى جانب ذلك إقامة المزيد من المراكز الأمنية، والمزيد من الرقابة على عمل الأجهزة الأمنية، وتدريب فلسطينيين ليكونوا ذراعا قوية في ملاحقة ما يسمى بالإرهاب والإرهابيين؛

الحرص على رفع رواتب أفراد الجهزة الأمنية، وتقديم مزيد من الإغراءات لقيادات هذه الأجهزة؛

التأكد من بلادة المنهاج التعليمي الفلسطيني، ومراقبة سير التعليم الجامعي، والتأكد من ابتعاده عن القيم الوطنية واهداف التحرير؛

الإنفاق وفق درجة الطاعة، كلما اطاع الفلسطينيون حصلوا على مزيد من المال؛

إقامة بنية تحتية جديدة للفلسطينيين بحيث يتحقق فصل بينهم وبين مجتمع المستوطنات الذي يتطور بسرعة في الضفة الغربية ومعه بنيته التحتية؛

مطّ المفاوضات وتقديم الوعود بهدف كسب الوقت المطلوب لتحقيق الهدف النهائي وهو تحويل الناس إلى مجرد أفراد يبحثون عن لقمة الخبز.

الإصرار على مزيد من التطبيع مع إسرائيل بخاصة من قبل المنظمات غير الحكومية والراغبة في الحصول على مزيد من الدعم.

السلطة الفلسطينية والحكومة برئاسة سلام فياض ليست بعيدة عن هذا الأمر، وهي لا تستطيع أن تستمر بدون التعاون في هذه الأمور. ومن يقبل التعيين من أحد خارج شعبه لا يستطيع الاستمرار بإرادة حرة، ومن كانت يده اليد السفلى لا بد أن يقبل البقاء في الحفر.

ترتيب الميزانية

هناك من يقولون إن الدكتور سلام فياض ليس فاسدا كغيره ويقارنون برجالات عرفات وعباس. قولهم صحيح من ناحية الشكل حيث أن فياض لا يوزع الأموال على الطريقة العرفاتية، ولا يخضع كثيرا للمتنفذين فيصرف لهم ما يشاؤون من المال. هناك فساد على الطريقة العرفاتية ما زال قائما، وما زالت هناك أعمال فساد قائمة وسوء تصرف بالأموال، إنما ليس لشراء الذمم لأهداف شخصية، وإنما من أجل تقوية الاتجاه نحو اللافصائلية وتغليب المقاربات الأمريكية على غيرها.

الشيء الخطير الذي لا يراه الناس هو ترتيب ميزانية السلطة بطريقة تخدم اعتماد الناس بالمزيد على الرواتب، وبالتالي على أموال الدول المانحة وأموال الهبات التي تأتي أحيانا من أمريكا ودول عربية مثل السعودية، وبطريقة تعزز الخدمات على حساب الإنتاج وترفع من درجة العجز المالي لدى الشعب الفلسطيني. فمثلا يتم تخصيص الجزء الأكبر من الميزانية للأجهزة الأمنية التي في الغالب لا فائدة تُرجى منها، في حين لا تحظى وزارة الزراعة إلا بميزانية هزيلة. لا توجد لدينا أرقام في السنوات الأخيرة، لكن سبق أن أخذت الأجهزة الأمنية حوالي 45% من الميزانية، بينما حصلت الزراعة على 8,.%. وزارة الزراعة هي الوطن بينما الأجهزة الأمنية تنسق أمنيا مع إسرائيل.

ما هو راتب معلم مدرسة ما زال في الخدمة حوالى ثلاثين سنة؟ وما هو راتب لواء في الأجهزة الأمنية ربما ناضل وربما لم يناضل، وله تاريخ في العلاقة مع الإسرائيليين؟ راتب اللواء يبلغ ضعف راتب المعلم. على المعلم أن يخوض معركة إضرابات إذا أراد لراتبه أن يرتفع، أما عامل الأجهزة الأمنية فلا يحتاج إلا لرضا أمريكا. هذا أمر لا يراه الناس، لكنه فساد لعين موجود منذ عهد عرفات وممتد بصورة أسوأ حتى الآن.

الثلاثي المشار إليه أعلاه هو الذي يقرر كيفية ترتيب الميزانية، والدكتور فياض قد يشارك وقد لا يشارك، لكنه في النهاية هو الذي ينفذ.

اقرأ بلغة English