القتال من أجل الهزيمة

الدكتور عبد الستار قاسم

ليس من السهل أن يحقق المرء الهزيمة، بل عليه أن يكدّ ويتعب من أجلها؛ إنما كدّ وتعب من نوع خاص. على المرء أن يتمتع بقدرة عالية على الكسل والتكاسل والتواكل، وأن يتصف ببراعة التمغيط ( تأتي من دودة الأرض التي نسميها أبو مغيط) والتمطيط. وعليه أن يكون فاسدا ومفسدا، ويمتلك مهارة في التفريق بين الناس وصنع العداوات فيما بينهم، وذلك ليتأكد أن الشعب عبارة عن سبحة منفرطة تهيم حباتها بلا اتجاه أو هدف. ومن المفروض أن يكون قادرا على سرقة أموال الناس وتبذيرها، وأن يكثر من أعداد الموظفين الذين لا عمل لهم سوى قبض الراتب، وأن يجند الآلاف في الأجهزة الأمنية التي لا همّ لها سوى مراقبة الناس وتهديدهم وابتزازهم، وأن يستعمل الأساليب الإدارية التآمرية والاستزلامية التي تخدم الولاء الشخصي على حساب الانتماء للشعب والوطن.

ليس كل شخص قادر على التمتع بهذه الميزات الفظيعة، أو على تطوير هذه القدرات الفريدة. كل منها عبارة عن فن يتطلب طاقات غير إنسانية هائلة نحو إتقانها، وتتطلب السهر والتفكير المستمر في أفضل الوسائل والأساليب نحو التمزيق والتفتيت والإضعاف والإذلال والإركاع والإخناع. مثلما يجب أن يتميز القادة العظام الذين يحققون الانتصارات بميزات خاصة، يتميز قادة الهزيمة بخصوصية متميزة. قائد الهزيمة متمكن من السقوط الأخلاقي، ومتمتع بدنو نفس وعجرفة وابتذال وفهلوة. إنه يفرق ولا يجمع، يبذر ولا يوفر، يظلم ولا يعدل، يدمر ولا يعمر، يجهّل ولا يعلم، يحقد ولا يحب، يطعن ولا يواجه، يتآمر ولا يخطط، يفسد ولا يؤلف، يدعي ولا يبين، يفرط ولا يحرص، يكذب ولا يصدق، يخون ولا يؤتمن؛ عون للأعداء وسيف على رقاب الأصدقاء. قائد الهزيمة مستغرق بالحقارة والدناءة، وهو يعشق الظلام والعيش أبدا بين الحفر؛ وكلما ارتفع عن عنقه حذاء طفق مهموما يبحث عن انحناء.

دود. إنه يتجاوز حدود الطاقات الإنسانية ليستسلم نهائيا للشهوة التي تغلي بداخله.

هكذا هم أغلب حكام العرب الذين آثروا شهواتهم على أنفسهم، واستمسكوا بالذل كبديل للحياة. لقد قادوا الأمة من هزيمة إلى أخرى، ومن ذل إلى آخر، ومن مصيبة إلى مآسي وآلام. مرغوا أنف الأمة بالتراب، واستمتعوا بنعال الصهاينة تدوس المقدسات والديار والأعناق، مدوا الأيدي إليهم مصافحين حاضنين. فتحوا أبواب الوطن لكل البغاة، ووقفوا في زاوية يشتهون.

انتقل قادة الهزيمة الآن إلى مرحلة الدفاع عن الهزيمة بعد أن ظهرت علامات شعبية على الانعتاق. انتصر حزب الله عام 2000، وأخذت المقاومة الفلسطينية تتطور بوسائلها وأساليبها، وظهرت تنظيمات تتحدى وبصورة موجعة مثل القاعدة، وبرزت إيران كقوة إقليمية تكبر وتزدهر، وأثبتت المقاومة العراقية مقدرتها على مقارعة الأمريكيين. تبعا لذلك، هربت إسرائيل من جنوب لبنان، وبدأ قادة إسرائيل بتغيير تفكيرهم بالشأن الفلسطيني، وأدرك الإسرائيليون أن النار التي كووا بها الفلسطينيين قد أخذت تكويهم، وأن الاتفاقيات مع دولتهم لن تحميهم من نيران المقاومة المتصاعدة. تم ضرب الأمريكيين في عقر دارهم، وها هي قواتهم في العراق تندحر. وها هي الانتخابات تأتي بقوى تتمسك بهوية الأمة. إيران تنهض ومعها قوى عربية لا يستهان بقدرتها على الصمود والرد على العدوان. وإذا كان لإسرائيل وأمريكا أن تندحرا أمام هذا المد الزاحف نحو الانتصار، فماذا سيكون مصير حكام العرب ومن والاهم؟

حكام العرب يلوذون بصمت رهيب إزاء المقاومة الفلسطينية، وإزاء حزب الله وتصريحات أحمدي نجاد والظواهري والمقاومة العراقية. إنهم يعلمون أن المديح لا تقبله نفوسهم، والذم لا يأتيهم إلا بمزيد من مشاعر الانتقام. الآن هم يطالبون إسرائيل بتقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية من أجل تحسين صورتها أمام الجمهور، ويطالبون الدول المانحة بسعة اليد مما يمكّن السلطة من استقطاب الدعم الجماهيري. لسانهم يقول إن البديل هو التطرف وهيمنة فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس. وهم يطالبون الولايات المتحدة بالاستجابة لقرارات مؤتمرات القمة العربية وتطبيق خريطة الطريق وإزالة الاستيطان، ذلك ليس حبا بفلسطين بقدر ما هو محاولة للخروج من مأزق ازدهار الباحثين عن النصر والعزة والكرامة.

يرتعش قادة العرب أمام سقوط الهزيمة لأنها تعني زوالهم. هم سيحشدون الطاقات وسيجمعون الحلفاء وسيحرضون أمريكا وإسرائيل من أجل ملاحقة المتمردين. هؤلاء قادة لا يمكن أن يتعظوا لا بقرآن ولا بأحاديث ولا بمواعظ وفلسفات ولا بسير الذين سقطوا من قبلهم، لقد رهنوا أنفسهم لشهوات ونزوات يأبى العز إليها طريقا. سيدافعون عن حاناتهم بكل ما يتوفر لديهم من جبروت وقوة؛ لكن قول ربك سيحق عليهم بإذن الله.

اقرأ بلغة English