تمويل إقامة الوطن القومي اليهودي

الدكتور عبد الستار قاسم

مقدمة

ظهر بين اليهود في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كتاب كثر واتجاهات متعددة نحو حل ما كان يعرف بالمشكلة اليهودية. ونتيجة للتفاعل بين مختلف التوجهات في الدول الأوروبية تبلور في النهاية اتجاهات رئيسية ثلاث وهي:

أولا: الاتجاه الاندماجي

طرح أصحاب هذا الاتجاه فكرة اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية والعيش في المجتمع الأوسع. أي أن يخرج اليهودي من الغيتو ويبحث لنفسه عن مكان بين الناس ويصبح فردا عاديا كما الآخرين دون تمييز. جادل هؤلاء بأن الاندماج يلغي وجود عنوان لليهود يكون هدفا للهجوم ويتحول اليهود عموما إلى أفراد عاديين يصعب تمييزهم أو الحقد عليهم بصورة جماعية. لكن هذا الجدل وجد معارضة شديدة من قبل رجال الدين الذين قالوا إن هذه الأفكار تذيب المجتمع اليهودي ومن المحتمل أن تلغي الديانة اليهودية برمتها.

ثانيا: الاتجاه التحرري

لم يوافق أصحاب هذا الاتجاه على الاندماج لما فيه من إلغاء للهوية والثقافة وإنما رأوا ضرورة الانفتاح على المجتمع الأوسع والمشاركة في النشاطات العامة وإقامة العلاقات الاجتماعية الواسعة مع عموم الناس. رأوا أن المشاركة في المناسبات العامة ضرورية كما أن فتح الأبواب اليهودية أمام المسيحيين للتفاعل الاجتماعي حيوي أيضا لما في ذلك من تأليف للقلوب وإزالة انطباعات سلبية مسبقة. لكن هذا الطرح لم يحظ أيضا بموافقة رجال الدين خوفا على انبهار البعض بالمجتمع الأوسع مما قد يؤدي إلى رحيل متزايد عن المجتمع اليهودي وإلى زيجات متبادلة تتناقض مع المبادئ اليهودية.

ثالثا: الاتجاه القومي

قال أصحاب هذا التيار إن الحل الوحيد أمام اليهود هو البحث عن وطن قومي يكون لهم بعيدا عن القوميات الأخرى. وقد حاز هذا على موافقة وتشجيع رجال الدين الذين حرصوا على التأكيد بأن فلسطين هي الموقع المطلوب. انصب اهتمام كبير على هذا الاتجاه والذي أخذ يكتسب قوة مع مرور الأيام. تبنى العديد من الكتاب والمفكرين هذا الاتجاه وساهموا في بناء رأي عام في أوساط اليهود يتبنى الفكرة. علما أن كتابا مسيحيين من إنكلترا وفرنسا وغيرهما تبنوا الفكرة أيضا وروجوا لها. والجدير بالذكر أن الغلبة كانت لهذا الاتجاه على الرغم من أنه يعبر عن طموح كبير يتطلب التضحيات، وعلى الرغم مما يتطلبه من أموال. وعى أصحاب هذا الاتجاه بأن المتطلبات المالية المترتبة على خيارهم ليست سهلة، وأن عليهم تجنيد طاقات هائلة لجمع المال اللازم.

جمعيات يهودية تأسيسية قبل الصهيونية

هناك ظن لدى العديد من الناس بخاصة على المستوى الشعبي بأن الاستيطان في فلسطين قد بدأ مع قيام الحركة الصهيونية. هذا ظن خاطئ لأن العديد من المستوطنات قد أقيمت قبل الصهيونية، وتم العمل على تمويلها وتبنيها من قبل حركات يهودية وأثرياء يهود. وربما إذا نظرنا إلى بداية تشكيل الحركة الصهيونية، نرى أن الحركة الاستيطانية قد تم كبحها مؤقتا لأسباب تتعلق في تغليب البعد السياسي على البعد العملي.

كانت جمعية الألينس (Alliance) التي أسسها أثرياء فرنسيون ريادية في دعم اليهود ماليا فيما يتعلق بنشاطاتهم في فلسطين. أقامت الجمعية عام 1870 أول مدرسة زراعية (وهي مكفيه إسرائيل، رجاء إسرائيل) في يافا لتدريس أبناء اليهود المقيمن في فلسطين فنون الزراعة. أقيمت المدرسة على أرض مساحتها 2600 دونم من أراضي قرية اليازور تم استئجارها من السلطان العثماني. ساهمت هذه المدرسة فيما بعد بدعم الاستيطان الصهيوني بسبب قدرتها الفنية على اختيار المناطق المناسبة للزراعة التي كانت الاهتمام الأول لليهود.

قامت في بريطانيا عام 1891 جمعية اسمها شركة الاستيطان اليهودية المعروفة ب (يكا) (JCA) من أجل مساعدة يهود روسيا الذين كانوا يعانون من اضطهاد شديد لتهجيرهم إلى الأرجنتين. لكنها بدأت مع عام 1900 بدعم النشاط الاستيطاني في فلسطين، وتعهدت بدعم المستوطنات التي كانت قد أقيمت من قبل جمعية أحباء صهيون الاستيطانية، والتي توقف روتشيلد عن دعمها.

نظام الحالوكاة (توزيع المساعدات)

نشط اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين على مسؤولياتهم الشخصية وخارج إطار الجمعيات في جمع الأموال من بلدانهم الأم وذلك ليستطيعوا الاستمرار في الحياة في فلسطين. كانت ترسل كل جماعة من بلد معين مبعوثيها من أجل جمع التبرعات، وكانت تكتفي الجماعة بالدعم وتعزف إلى حد بعيد عن العمل. وقد كان للمتدينين نصيب مالي أفضل من غير المتدينين مما شجع العديد على تديين أبنائهم وتزويجهم وهم صغار السن. وقد لوحظ أن هذا النظام قد أوجد فروقات كبيرة في المعيشة بين اليهود الذين أتوا من بلدان ثرية، وأولئك الذين أتوا من بلدان فقيرة مما أحدث انقاسامات فيما بينهم، وبين المتدين وغير المتدين.

المهم في هذا النظام أن اليهود فضلوا الكسل على العمل، ولم ينتبهوا إلى حياة الزراعة والتطوير. ولم يكن من زعما يهود إلا أن حرضوا على وقف هذا النوع من المساعدات، وشجعوا الناس على العمل في الحقول إذا أرادوا الاستمرار في الحياة. كان هذا النظام مدمرا إلى حد كبير.

الثري مونتفيوري

كان الثري البريطاني موشيه منتفيوري مهتما بهجرة اليهود إلى فلسطين، وقرر توظيف بعض أمواله لخدمة هذا الغرض. زار فلسطين عدة مرات خلال القرن التاسع عشر وأقام العديد من المنشآت التعليمية لليهود في فلسطين، ودعمهم ماليا بخاصة في المجال الزراعي الذي رآه المجال الأفضل لحياة استيطانية يهودية. حصل عام 1855 على إذن من السلطان العثماني لشراء أرض خارج أسوار القدس لبناء مشفى، لكنه أقام بيوتا استيطانية بدلا من ذلك وبدعم ديبلوماسي من القنصل البريطاني. شكل هذا البناء أساس الاستيطان اليهودي في القدس، والذي تمدد ليصبح الجزء الغربي من المدينة. على الأثر أقام اليهود بعد وفاة مونتفيوري صندوقا تخليدا لذكراه سمي (مزكيرت موشيه)، والذي مول ثمانية أحياء سكنية في القدس غرب.

الصحفي سلومون

نشط صحفي يدعى يوئيل موشيه سلومون في فلسطين إعلاميا واستيطانيا. أنشأ أول صحيفة عبرية اسمها الزنبقة سنة 1870، وشن من خلالها حملة كبيرة ضد نظام الحالوكاة. تمكن من جمع أموال كثيرة واشترى مساحات واسعة من أراضي قرية ملبس بلغت 13375 دونما من تاجرين فلسطينيين هما القصار والطيان. تم عام 1878 إقامة مستوطنة “بتاح تكفا” على هذه الأرض. في ذات الوقت، حصل يهود صفد على تمويل اشتروا فيه نصف أراضي قرية الجاعونة البالغة 4000 دونما والتي أقيمت عليها مستوطنة “روش بينا”.

أحباء صهيون

نشطت هذه الجمعية في جمع التبرعات وبناء المستوطنات في فلسطين. مول أحد أثرياء اليهود الروس شراء قطعة أرض مساحتها 3340 دونما من أراضي عيون قارة كان السلطان العثماني قد عرضها للبيع بسبب عجز الفلاحين عن الوفاء بالتزاماتهم. تم إنشاء مستوطنة “ريشون ليتسيون” على هذه الأرض. وجمعت الجمعية مالا اشترت به 6000 دونما من أراضي زمارين الواقعة جنوب حيفا والتي كان يملكها مواطن فرنسي. واشترت 2600 دونما بالقرب من قرية ملبس، و 2500 دونما بالقرب من بحيرة الحولة والتي كان يملكها قنصل فرنسا، و2000 دونما من مالك ألماني، و 3750 دونما جنوب الرملة. وفي ذات الفترة تمكنت شركة يكا التي أنشأهات الثري اليهودي هيرش من شراء ما مساحته 31500 دونما من عائلة سرسق بالقرب من طبريا.

روتشيلد

اشتهر البارون روتشيلد الثري الفرنساوي بدعمه للهجرة اليهودية إلى فلسطين، ودعم عملية الاستيطان بخاصة قبل قيام الحركة الصهيونية. تبرع البارون بأموال كثيرة لجمعية الأليانس، واتخذ من أحد الحاخامات مستشارا له في سياسة دعم الاستيطان وشراء الأراضي في فلسطين. خلال عامي 1882 و 1883 تبنى روتشيلد 3 مستوطنات ماليا وباشر بإقامة رابعة بنفقات وصلت في حينه إلى 4,5 مليون فرنك فرنسي. وبهذا افتتح حركة استيطان نشطة قبل قيام الحركة الصهيونية، واستطاع بأمواله أن يؤسس نقاط ارتكاز متعددة لتوسيع الاستيطان في فلسطين.

تعاون روتشيلد مع شركة يكا التي أقامها البارون هيرش من أجل دعم الاستيطان في فلسطين، وقد استكمل الطرفان بناء عدد من المستوطنات ما بين أعوام 1905 و 1919.

استطاع اليهود إقامة 17 مستوطنة في فلسطين قبل قيام الحركة الصهيونية: 9 منها في شمال فلسطين و 8 في وسطها. بلغ عدد سكانها 3867 مستوطنا، ومساحتها جميعا 139,230 دونما. كما صرف روتشيلد على الاستيطان حوالي 40 مليون فرنكا، وصرفت جمعية أحباء صهيون 2 مليون فرنكا. لا يغيب عن الذهن أن دعم روتشيلد للاستيطان كان استثماريا، إذ خدم المستوطنين وخدموه.

مرحلة هيرتسل والمنظمة الصهيونية

ذكر هيرتسل في كتابه دولة اليهود أنه من المهم إنشاء الشركة اليهودية التي تقوم بالإجراءات العملية لما تخطط له جمعية اليهود والتي أصبحت تعرف بالحركة الصهيونية. ركز على جمع الأموال، وقال إنه من الخطأ الاعتماد على أثرياء اليهود، بل يجب الاعتماد على الفقراء الذين سيكونون على استعداد للهجرة وتقديم ما يستطيعون من أجل تحقيق الهدف. وقد تعزز موقفه هذا بعدما قابل كلا من هيرش وروتشيلد ووجد منهما الخيبة. تبلور لديه موقف ضد أثرياء اليهود لامتناعهم عن دعمه، وقد دعم رأيه موقف هؤلاء الأثرياء عندما قررت المنظمة الصهيونية إنشاء مصرف مساهم لدعم الهدف الصهيوني، إذ قرر هؤلاء عدم المساهمة، ومنعوا المصارف الأخرى من تولي بيع أسهم المصرف الصهيوني.

قررت المنظمة الصهيونية مع بداية إنشائها خطوات هامة من أجل جمع المال اللازم لتحقيق الأهداف، وهي تتلخص بالتالي:

أن الاشتراكات المالية الشهرية شرط للعضوية في المنظمة. فرضت على أعضائها حصة مالية يقدمونها كاشتراك من أجل تحقيق الهدف، وأن التخلف عن التسديد يعني الحرمان من العضوية.

تحدثت عن التبرعات كعامل ثان في دعم النشاطات الصهيونية، وشجعت الأعضاء على البحث عن تبرعات بخاصة من الميسورين.

إقامة المصارف أو الصناديق المالية الخاصة بتمويل نشاطات المنظمة المختلفة.

خاض هيرتسل معركة إقامة مصرف مساهم آخر في بريطانيا، لكن القائمين على بيع الأسهم أخفقوا بسبب معارضة الأثرياء. وضع هيرتسل كل ثقله من أجل بيع الأسهم، ولم يستطع إلا جمع 1/8 المبلغ المطلوب لمباشرة العمل وذلك بعد سنتين. جمع ربع مليون استرليني من مجموع رأسمال المصرف المقترح والبالغ 2 مليونا.

أنشأ هذا المصرف الصهيوني البريطاني بعد فترة وجيزة من عمله شركة سماها الشركة الإنكليزية- الفلسطينية (Anglo-Palestine Company)، والتي أقامت لها فرعا في فلسطين تحت اسم البنك الإنكليزي-الفلسطيني، والذي أصبح بعد قيام الدولة بنك لئومي.

بعد المصرف، أقامت الحركة الصهيونية شركة الصندوق القومي (كيرين كاييمت) عام 1901 بهدف شراء الأراضي في فلسطين ومحيطها (بلاد الشام عموما) وتأهيلها. ركز هذا الصندوق على التشجير فاقام غابة هيرتسل الموجودة حاليا، وأقام أول كيبوتس في فلسطين وهو داغانيا بالقرب من طبرية. تحول الصندوق إلى شركة بعد قيام إسرائيل وهي ما زالت تعمل حتى الآن، وتؤجر الأرض فقط لليهود ولمدة 49 عاما.

هذا يجب ألا يعطي الانطباع بأن المنظمة الصهيونية كانت ثرية مع بداية إنشائها وأن الأموال قد تدفقت عليها من كل جانب. كانت تحصل على بعض المال أحيانا وكانت تعاني من قلتها أحيانا أخرى، لكن الأهم من المال هو الإصرار على المواصلة والعمل الدؤوب. تميز هيرتسل ومعاونوه ومعارضوه بتصميم كبير إلى درجة أن هيرتسل كان يرفض الحصول على راتب، وكان يرفض في أغلب الأحيان تناول الطعام في مطعم أو النوم في فندق. عنصرا الإصرار والانتماء كانا حاسمين في استمرار الحركة الصهيونية من الناحية المالية.

نشطت المنظمة الصهيونية في شراء الأراضي، فاشترت حوالي 80,000 دونما حتى عام 1900 لتصبح المساحة التي تملكها اليهود 220,700 دونما؛ ولتصبح عام 1914 420,600 دونما توزع شراؤها كالتالي:

حوالي 242,000 دونما اشترتها شركة يكا ومجموعة روتشيلد؛

حوالي 159,000 دونما اشترتها مؤسسات خاصة؛

حوالي 17,000 دونما اشترتها الكيرن كاييمت.

وتم بناء 23 مستوطنة جديدة حتى عام 1914، ليصبح عدد المستوطنات عشية الحرب العالمية 40 مستوطنة.

وركزت شركة تطوير أراضي فلسطين على شراء أراض لأهداف تجارية مركزة على المدن العربية الرئيسية. اشترت أراض شمال يافا وبنت بيوتا ازداد عددها لتصبح تل أبيب بعد سنين؛ واشترت على جبل المشارف (سكوبيس) في القدس حيث أقامت الجامعة العبرية فيما بعد؛ واشترت في حيفا على جبل الكرمل حيث أقيم معهد الهندسة التطبيقية (التخنيون) عام 1912. الكثير من هذه الأراضي كان يملكها غربيون من ألمانيا وبريطانيا. وقد خصصت الشركة أموالا للنواحي الأمنية حيث أقامت عام 1909 منظمة (الحارس) هاشومير لحراسة المستوطنين والمستوطنات من العرب.

بعد الانتداب البريطاني

التأمت شركة يكا ومجموعة روتشيلد بعد إقرار الانتداب البريطاني لتشجيع الاستيطان وبناء البنى التحتية اللازمة، وأسستا شركة جديدة باسم بيكا (Palestine Jewish Colonization Association, PJCA). عادت شركة يكا للعمل بعد انتفاضة عام 1929 والتي أخرجت اليهود من الخليل، وشاركت صندوق الطوارئ في فلسطين (Emergency Fund for Palestine) عام 1933 بإنشاء شركة جديدة باسم أميكا والتي عملت في مجال دعم الصناعة والزراعة والثقافة.

تم إنشاء الصندوق التأسيسي (كيرين هيسود) عام 1920، والذي اعتبر الركيزة الأساسية في دعم الاستيطان ودعم الاقتصاد. أقيم بداية في لندن، وانتقل عام 1926 إلى القدس. تخصص هذا الصندوق في البناء الاستيطاني على أن تبقى مهمة شراء الأراضي بيد الصندوق القومي وبتخصيص 20% له من ميزانية الصندوق التأسيسي. وقد ساعد في بناء شركة الكهرباء، وفي إقامة مصنع البوتاس على البحر الميت.

ازدات الأراضي التي امتلكها الصندوق القومي من 16,366 دونما عام 1920 إلى 627 ,278 دونما عام 1930، وإلى 936,000 دونما عام 1948.

تم إنشاء كوفر هيشوف عام 1938 وذلك من أجل جمع الضرائب من اليهود لأغراض الدفاع. في عام 1940 بدأ الصندوق يجبي ضرائب طوارئ، وعام 1942 ضرائب إنقاذ.

أمر التمويل بات سهلا بعد صدور وعد بلفور، وبعد صك الانتداب على فلسطين عام 1922. بات واضحا أن الحركة الصهيونية قد حققت إنجازا تاريخيا كبيرا، وأن ذلك التخوف من فشل المشروع الصهيوني الذي كان يكبح آمال الناس والأثرياء منهم خاصة قد تبددت. لقد تبنت الدول العظمى المشروع الصهيوني، وأصبح من المضمون توفير الحماية الأمنية والقانونية لليهود المهاجرين إلى فلسطين والبناء الاستيطاني والحماية الاقتصادية. ولهذا أقبل الناس على الهجرة وعلى التبرع، واضطر العديد من الأثرياء اليهود إلى اللحاق بالركب وأخذوا يتبرعون بسخاء.

خلاصة

المال هام وضروري لتحقيق أهداف كبيرة تتعلق بالناس وهمومهم. ولهذا ركز الصهاينة بعد إقامة المنظمة الصهيونية على جمع المال. وجدوا صعوبات، لكنهم أصروا على المواصلة. وضعوا أمامهم عددا من المعايير لتحكم طريقة صرف الأموال وهي: شراء الأرض وبناء المستوطنات وإقامة القاعدة الاقتصادية بتركيز كبير على الزراعة لأنها أساس الاعتماد على الذات. ثم بناء المؤسسات التعليمية لأنها قاعدة الانطلاق في عملية البناء على أسس علمية ومنهجية. أقاموا مدرسة زراعية وخصصوا عددا من المستوطنات في مختلف مناطق البلاد للتدريب على الزراعة، وأقاموا معهد رحوفوت للبحث العلمي، ومعهد التخنيون والجامعة العبرية.

في مسيرتهم المالية ركزوا على الاشتراكات لأنها تشكل أساس البناء المالي الذي لا ينضب، ولأنها مقياس للانتماء للقضية. وركزوا أيضا على المبادرات الفردية في الهجرة والاستيطان، وكان أهم ما تمخض عن هذه المبادرات مستوطنات “اليشوف”؛ ثم استبعدوا تماما فكرة المعونات المجانية للأشخاص والعائلات. المعونة بقيت مرتبطة بإقامة البنية التحتية لجميع المستوطنين، وبالعمل الذي يقوم به الأشخاص. ولهذا شنوا هجوما كبيرا على نظام الحالوكاة، واشتروا أعدادا هائلة من الفؤوس وأدوات الزراعة وربوا الدواب مثل البغال والحمير والخيول.

إصرار الصهاينة كان العنصر الحاسم في تحقيق الهدف. أصروا على استغلال كل مواردهم وطاقاتهم، ومراقبة كل عمليات الصرف والإنفاق. وكان واضحا أن موقفهم كان يعرّف السياسة على أنها الإصرار على ما هو ممكن، وليس فن الممكن.

اقرأ بلغة English