تحرير أسرى فلسطين
الدكتور عبد الستار قاسم
يصادف 17/نيسان الذكرى السنوية ليوم الأسير الفلسطيني، وتتكرر خلاله في الشارع الفلسطيني النشاطات التقليدية من مسيرات ومظاهرات وندوات وخطابات. ترتفع عادة المطالبات بضرورة التضامن مع الأسرى، ويشدد المطالبون على دور السلطة الفلسطينية في العمل لدى إسرائيل لفتح أبواب المعتقلات.
بداية، أشير إلى أن يوم السجين الفلسطيني يصادف ذكرى أول عملية تبادل أسرى جرت بين المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد الجبهة الشعبية-القيادة العامة، وإسرائيل. لقد أرغمت إسرائيل على فتح أبواب المعتقلات من أجل أن تسترجع أسيرا لها لدى المقاومة الفلسطينية، وأرغمت على الاعتراف بهذه المقاومة كجهة فاعلة في المنطقة العربية وذات تأثير واسع لا يمكن تجاهلها. من هذه الذكرى يمكن استخلاص العبر فيما إذا كان للشعب الفلسطيني أن يحرر أسراه بفخر واعتزاز. ولعل في عمليات التبادل التي تمت بعد ذلك بخاصة مع الجبهة الشعبية-القيادة العامة ومع حزب الله ما يعزز هذه العبر. اضطرت إسرائيل إلى التراجع كثيرا عن مواقفها المعلنة تجاه الإفراج عن أسرى فلسطينيين أمام ضغط جنودها الذين وقعوا في الأسر، وأن تسرح المئات من ذوي الأحكام العالية الذين قاموا بعمليات عسكرية قاتلة ضد أهداف إسرائيلية.
عمليات تبادل
أقامت الجبهة الشعبية-القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل عرسا فلسطينيا حقيقيا بتاريخ 20/أيار/1985 عندما نجحت بتحقيق صفقة ناجحة جدا لتبادل الأسرى. إنني أذكر ذلك اليوم تماما عندما خرجت جماهير مدينة نابلس في فرحة عارمة وعرس وطني بهيج وبمشاعر الفخر والاعتزاز إلى شوارع المدينة واصطفت على شارع رفيديا الرئيسي الذي يتجه نحو سجن جنيد الذي كان يعتبر السجن المركزي في الضفة الغربية لتستقبل الأسرى الأبطال الذين تم الإفراج عنهم. خرج الأسى بعد ساعات من انتظار الجماهير الحاشرة بحافلات وفرها الصليب الأحمر الذي أشرف على تنفيذ الاتفاق وسط زغاريد النساء وتكبير الرجال وهتاف الشباب والشابات.
تم الإفراج في تلك الصفقة عن 1150 أسيرا فلسطينيا من ذوي الأحكام العالية، ورضخت إسرائيل أمام صلابة المفاوض الفلسطيني وقبلت أن تفرج عن معتقلين كانت تقول بأن أيديهم ملطخة بالدماء ولن تفرج عنهم أبدا. خرج أصحاب مؤبدات، وأصحاب عمليات عسكرية نوعية كانت قاسية على إسرائيل.
أثبت المناضل أحمد جبريل في حينه أنه ليس فقط محاربا صلبا وعسكريا استراتيجيا، وإنما أيضا مفاوضا بارعا يتميز بطول النفس والصبر، والقدرة التكتيكية العالية. كان يعي تمام نقاط ضعف إسرائيل، وكان يعي متطلبات النجاح في المفاوضات، وأتقن بامتياز لعبة جر إسرائيل إلى تقديم تنازلات تدريجية في مواقفها إلى أن وافقت على شروط القيادة العامة. وقد ناقشت الجرائد الصهيونية في حينه قدرة جبريل التفاوضية، وحمدت الرب على أن جنود إسرائيل الذين كانوا قد وقعوا في الأسر عام 1983 لم يكونوا جميعا بيد جبريل. ولم تسلم حكومة إسرائيل من انتقادات الإعلام الصهيوني والتعليقات القاسية من قبل الأحزاب الإسرائيلية. لقد وصفت الحكومة بحكومة الهزيمة والتنازل، وصورت رئيس حكومة إسرائيل بالقزم أمام جبريل.
ما كان جميلا وقوميا وعلى درجة عالية من الالتزام بالمبادئ والقيم وقضايا الأمة أن المناضل أحمد جبريل أصر على الإفراج عن معتقلين عرب. لقد تم الإفراج عن معتقلين سوريين من الجولان، وقمت أنا بزيارتهم في بيوتهم ورأيت بأم عيني العرس القومي الذي أقامه أهلنا في الجولان ابتهاجا. وتم الإفراج أيضا عن مناضلين لبنانيين ذلك قناعة من القيادة العامة بأن المصير واحد والدم واحد والعدو واحد.
قام عرفات قبل ذلك بإجراء تبادل مع إسرائيل لقاء خمسة جنود كانوا بيد حركة فتح. لم تكن تلك الصفقة مشرفة بالنسبة للفلسطينيين لأنها تمت على عجل وبدون تدقيق، وبدون الخوض بدقة بتفاصيل الذين كان يجب أن يفرج عنهم. أفرجت إسرائيل عن آلاف الفلسطينيين، لكن غالبيتهم الساحقة كانوا من ذوي الأحكام المنخفضة جدا، ومنهم من كانوا سجناء مدنيين لدى إسرائيل. عموما كانت صفقة فاشلة، ولم تطكن أبدا متناسبة نع التطلعات الفلسطينية.
السلطة الفلسطينية وتسريح الأسرى
قالت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عقب توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل بأنها ستعمل على تبييض السجون (أي الإفراج عن جميع الأسرى في السجون الصهيونية). قامت إسرائيل بتسريح عدد من الأسرى بعد اتفاقية طابا، لكنها استمرت في المماطلة وكثفت من اعتقالاتها في صفوف الفلسطينيين. دعا المفاوضون الفلسطينيون باستمرار إسرائيل للوفاء بتعهداتها غير المكتوبة، لكن إسرائيل لم تكن لتستجيب، وكان واضحا أن المفاوض الفلسطيني مفاوض هزيل لا يملك القدرة على التفاوض، ولا حتى يملك المعرفة الوطنية أو الالتزام الوطني. ومن الماضي الشخصي للمفاوضين، لم نكن نتوقع حقيقة إصرارا على تسريح الأسرى، وتبين لنا أيضا أن السلطة قد التزمت بالاتفاقيات باعتقال فلسطينيين. هذا ما شهدناه، إذ أقدمت السلطة على اعتقال المجاهدين والمناضلين الفلسطينيين وزجت بهم في السجون الفلسطينية. فبدل أن يتم الإفراج عن الأسرى، أصبحت سلطة أوسلو معينا لإسرائيل في الاعتقالات.
لعبت السلطة الفلسطينية كثيرا بأعصاب الأسرى ولم تقل لهم الحقيقة. كانت دائما تعطيهم الانطباع بأن الفرج قريب مما أثر سلبا على أوضاعهم النفسية والمعنوية.
الموقف الجماهيري
يغلب الآن على النشاطات الفلسطينية الدعوات الموجهة إلى السلطة الفلسطينية للإصرار على تسريح الأسرى قبل توقيع أي اتفاق مع إسرائيل، بل ربطت بعض الفصائل الفلسطينية استمرار التزامها بالتهدئة القائمة حاليا بالإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم السبعة آلاف. هناك على الساحة الفلسطينية الآن من يتهم السلطة بالتقصير وأنها لا تقوم بما يجب من أجل القيام بما يسمونه مهامها الوطنية. ولم يتحرج بعضهم من إطلاق النار على سيارة وزير شؤون الأسرى أو على مؤسسات رسمية أمنية.
بالعدد الأكبر بخاصة من ذوي الأحكام العالية الذين تصفهم بذوي الأيدي الملطخة بالدماء. تحدث الرسميون الفلسطينيون بإسهاب حول حرصهم على قضية الأسرى وتقديرهم العظيم لتضحيات المعتقلين، ووعدوا بالقيام بكل ما في وسعهم لتأمين عودتهم إلى بيوتهم. لكن الحقيقة الموضوعية كانت أقوى منهم:
من ناحية، إسرائيل لا تعتبر نفسها ندا على طاولة مفاوضات مع أحد، وإنما ترى أن الآخرين يجلسون معها بهدف طرح طلباتهم التي سيُنظر بها. لم تتعامل إسرائيل مع الطرف الفلسطيني على أنه طرف في المفاوضات بقدر ما تعاملت معه على أنه قاصر قد يستحق الشفقة أحيانا. ولا يغيب عنا استهزاء قادة إسرائيل في كثير من الأحيان بالمطالب التي يتحدث عنها فلسطينيون في وسائل الإعلام، ويعتبرونها جزءا من تمنيات العقل العربي المتخلف. ومن ناحية أخرى، ترى إسرائيل في المعتقلين ورقة ضغط مستمرة على الشعب الفلسطيني تجعلهم أكثر تشنجا وتوترا وتجعل من حياتهم اليومية أكثر صعوبة وتعقيدا. إنها تستعمل الأسرى كوسيلة لمكافأة الفلسطينيين عندما يستجيبون لمطالبها، فتفرج عن عدد منهم مع كل استجابة.
أفرجت إسرائيل عن أسرى فلسطينيين بعد موافقة الفصائل على التهدئة ولكن دون أن تلبي المطالب الفلسطينية بالإفراج عن ذوي الأحكام العالية. أفرجت عن مئات من ذوي الأحكام المنخفضة أو الذين أوشكت مدد اعتقالهم على الانتهاء. وهذه عملية إفراج لا تختلف عن عمليات أخرى كانت تقوم بها إسرائيل من طرف واحد في المناسبات الإسلامية مثل حلول شهر رمضان وعيد الأضحى. أنا نفسي تم تسريحي مع مجموعة من حوالي 400 أسير بمناسبة رمضان ودون أن تكون هناك مفاوضات واتفاقيات.
الحقيقة الموضوعية الأخرى التي يجب أخذها دائما في الحسبان هي أن السلطة الفلسطينية مطالبة من قبل إسرائيل ووفق اتفاقيات مكتوبة باعتقال فلسطينيين يقاومون إسرائيل أو يُشك بنوايا عندهم في هذا الاتجاه. دأبت السلطة الفلسطينية في التسعينيات على مطالبة إسرائيل بضرورة الإفراج عن الأسرى في الوقت الذي كانت تعتقل فيه مئات من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي. المعتقلون لدى إسرائيل هم من المقاومين أو الذين كانوا على وشك خوض التجربة، والمعتقلون لدى السلطة هم من ذات التصنيف، فهل يُعقل أن يكون هناك جدية في تناول موضوع الأسرى؟ هذه الحقيقة المرة ماثلة أمام العالم الآن: السلطة الفلسطينية تعتقل أحمد سعدات ورفاقه، وكذلك ثمانية من المتهمين بانتمائهم للجهاد الإسلامي. اعتقلت إسرائيل عددا من الفلسطينيين بعد آخر عملية استشهادية، وبعد ذلك بساعات قامت السلطة باعتقال عدد آخر. وجهت إسرائيل تهما ضد المعتقلين لديها وسوت قضيتهم، أما السلطة فلم تتخذ إجراءات قانونية ضد المعتقلين لديها حتى الآن.
من أوليات التفاوض بين المتحاربين هو الإفراج عن الأسرى على اعتبار أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولا يجوز أن تكون القضايا الإنسانية موضع تفاوض. هذا لم يحصل في الحالة الفلسطينية، وواضح أن الإفراج عن بعض الأسرى يشكل همّا لكل من السلطة وإسرائيل. لا مانع من التعاطي الإعلامي والخطابي مع القضية، لكن الحقيقة الماثلة تبقى أقوى من كل التمثيليات الإعلامية. أما تبادل الأسرى فيبقى حقيقة تاريخية حية في ذهن كل فلسطيني.
الجندي الصهيوني الأسير
منذ أن تم أسر الجندي الصهيوني في قطاع غزة وتصريحات السياسيين والفصائليين حول صفقة تبادل أسرى لا تنقطع. رئيس السلطة يصرح يوما حول التبادل، وكذلك رئيس الوزراء. تصريحات ينطق بها نائب رئيس الوزراء وقادة فصائل ووزير الداخلية ووزير الإعلام وناطقون رسميون ومعتقلون سابقون وآخرون وهم كثر. التصريحات في أغلبها مطمئنة وتتحدث عن قرب إتمام الصفقة. وتشمل هذه التصريحات أسماء مثل البرغوثي وسعدات، وأرقاما بالمئات تشمل النساء والأطفال.
يبدو أن بعضنا يجد في المسألة لعبة حلوة يمكن أن تضع اسمه على شاشة التلفاز أو تنشر صوته عبر الأثير. وإنني أجد أن هذا التزاحم معبرا عن عدم نضوج وإخلالا بالهدوء الذي تتطلبه المفاوضات حول هذه المسألة، وكأن الأسرى بحاجة إلى آباء وأبوات ليتبنوا قضيتهم.
للتصريحات المتكررة والمتفائلة مردود سلبي على الوضع النفسي والمعنوي للمعتقلين الفلسطينيين. أشد ما يجذب انتباه الأسير هو التسريح، العودة إلى البيت والتخلص من الجدران الصماء والأسلاك الشائكة والعدد (التمام) والتفتيش. معنوياته ترتفع كلما أحس بفرصة للخروج من المعتقل، وهي تتأثر سلبا إذا أتت الأخبار بما لا يسر. هناك تصريحات فلسطينية تنطلق على مدى عدة أشهر تعطي الأسرى آمالا بالتسريح، وفي مقابلها هناك تصريحات صهيونية تؤكد أن الصفقة بعيدة التنفيذ. وبين هذا وذاك يدفع الأسير الفلسطيني الثمن. لقد كنت أسيرا وأعرف تماما أن هذا الصعود والهبوط يشكل خطرا على التكامل النفسي للأسير.
كان من الأجدى أن يقوم الآسرون الفلسطينيون بتكليف جهة واحدة فقط للتفاوض بسرية تامة حول تبادل الأسرى، ليس بهدف السرية وإنما بهدف المحافظة على هدوء الجو بالنسبة للمعتقلين، وأن تحتفظ هذه الجهة بحق التحدث حول المسألة بالطريقة التي تراها مناسبة. حصل سابقا تبادل عام 1985 بقيادة القيادة العامة/أحمد جبريل، وكان تبادلا هادئا وناجحا حقق عرسا فلسطينيا حقيقيا. وهناك تجارب حزب الله التي نعرفها والتي تعبر عن أداء متقن في تحقيق التبادل.
من المهم أن تكون مسألة تبادل الأسرى مسألة أساسية في الاستراتيجية الأمنية الفلسطينية. ما ينفعنا وينفع المعتقلين هو العمل الدؤوب على تحرير أسرانا، وليس استعمال ورقة الأسرى لتحقيق مكاسب شخصية. وبدل الخطابات الكثيرة التي نطلقها في يوم الأسير، علينا أن نفكر في الوسائل والأساليب التي تحرم إسرائيل من إقفال الأبواب على أبنائنا لعشرات السنين.
أحمد جبريل ملك التفاوض
عندما ترى الأمم أن من بينها من يمتاز ويتميز بقدرات معينة فإنها تُمسك بها وتعتمدها لما في جهودها من فائدة عظيمة للجميع. لقد أثبت جبريل بأنه محارب قدير، ومفاوض متمرس، وصاحب مبدأ وإرادة صلبة، وأعتقد أنه جدير بتولي مهمة التبادل فيما يتعلق بالجندي الصهيوني. تشير التجربة أن الفصائل والأشخاص يحاولون بناء أمجاد إعلامية على حساب الأسرى، وأثبتت التجربة أن أنجح الناس من يرى مصلحة الأسرى فوق أمجاده الشخصية. ولهذا يصنع آسرو الجندي الصهيوني خيرا إن سلموا عهدة التفاوض لأحمد جبريل.