غزة بين التباكي وحركة التاريخ
الدكتور عبد الستار قاسم
كان من المتوقع أن يبكي العرب والفلسطينيون على وجه الخصوص ما جرى في غزة، ويصعب أن يكون هناك من بين الذين يتميزون بانتماء وطني أو قومي أو ديني من يستحسن ما جرى أو يثني عليه. الاقتتال الداخلي عبارة عن مأساة كبيرة تجلب الأحزان والآلام، وتزرع البغضاء والكراهية، وترفع من درجات الإحساس بالثأر والانتقام. لقد عرفت الأمم معنى الحروب الداخلية، وأدركت أنها أشد وطأة من الحروب الخارجية، وأعمق جروحا، وأبشع وسيلة لبث روح الرعب والخوف بين المواطنين. قد يكون المرء مطمئنا في قتاله لعدو خارجي، وقد يكون فخورا معتزا بذلك، لكنه يتوارى عارا وخجلا أمام الاقتتال الداخلي الذي لا يتمخض إلا عن مهزومين.
عيون كثيرة تبكي ما جرى في غزة، وشعب فلسطين يطأطئ رأسه خجلا مما جرى، وشعوب العرب تأسى على ما حصل عاتبة وكأن الشعب الفلسطيني قد فقد توازنه واتزانه. إدانة ما جرى على ألسنة الغالبية الساحقة من الناس، والتأسي على الدماء الفلسطينية أنشودة حزن تعتصر معها النفوس.
العقل قبل وقوع الحدث
العواطف جياشة، والآلام عامة وطامة، لكن هذا في النهاية لا يجدي نفعا كثيرا. قد يساعد قليلا في التفريغ النفسي، وقد يخفف من الحزن مع الزمن، لكنه لا يضع حلولا تحول دون تكرار ما حدث، وترسم لمستقبل يسوده التعاون المتبادل والعمل الجماعي.
الأمم الحية تفكر بالحلول قبل وقوع الحدث، بل تحاول أن تصيغ الحدث وفق إرادتها وذلك بالتخطيط المسبق القائم على الوعي والتحليل ووزن الأمور بطريقة علمية. تستشعر الأمم علميا الهموم والمشاكل التي قد تعترضها، وتعمل على وضع الخطط والاستراتيجيات من أجل تفاديها، والانتقال بنفسها من أزمة إلى فرج. أما إذا كانت الأمة هائمة على وجهها ولا تؤمن بالعلم والتفكير العلمي والتحليل الموضوعي المستقل عن النزوات والرغبات فإنها تقع في متاهة وتدفع الثمن غاليا دموعا ودماء وخوفا وجوعا.
كنت من المثقفين العرب الذين حذروا مرارا وتكرارا وعبر المقالات وشاشات التلفاز والمذياع وفي الأزقة والشوارع بأن الوضع الفلسطيني يتجه لا محالة نحو الاقتتال، وأن دماء الفلسطينيين ستسيل بأيد فلسطينية لكن لا أحد يريد ان يسمع. وقد كتبت عبر موقع الجزيرة الأسباب التي تدعو حتما إلى الاقتتال الفلسطيني، وتم طرح الحلول المتعددة لتلافي هذا الاقتتال سواء على الصعيد الاقتصادي والمالي أو على الصعيد السياسي والأمني. لم يستجب أحد لأي مشروع أو أي حل سواء صدر من فلسطين أو من خارج فلسطين.
دائما تجربة تطبيق الحلول قبل وقوع المأساة أيسر بكثير منها بعد وقوع المأساة. قبل المأساة، يحاول المرء إبعاد المأساة التي لم تكن قد حلّت بعد، أما بعد وقوعها فالأمر يتعلق بالخروج من ورطة عظيمة تعقدت أجزاؤها. كما أقرأ فكر القيادات الفلسطينية الموجودة حاليا، لا أرى أنه على مستوى عال بحيث يستطيع الخروج من أسر الفصيل والمصالح الخاصة سواء كانت ذاتية أو فصائلية، وهو فكر لا يصلح حقيقة إلا للاقتتال والمناكفات الفصائلية غير اللائقة والتي يشاهدها العربي يوميا على شاشات التلفاز. لا أرى أن العقل يحظى باهتمام كبير على الساحة الفلسطينية، وهو متراجع لصالح الفهلوة والارتجال وضيق الأفق.
أوسلو أصغر من فلسطين
منذ أن وُقّع اتفاق أوسلو وشبح الاقتتال الداخلي قائم. حصل اقتتال داخلي محدود عام 1994، وحصلت اشتباكات بين الأجهزة الأمنية، وقامت السلطة الفلسطينية باعتقال العديد من المتهمين بمقاومة إسرائيل. الأحداث الصغيرة كانت مقدمة للأحداث الكبيرة. اتفاق أوسلو لا يتسع إطلاقا للقضية الفلسطينية، وهو يقفز عن المحرمات الفلسطينية ويقبل بترتيبات أقل بكثير مما قبلت بها اتفاقية كامب ديفيد وروابط القرى الفلسطينية التي أسستها إسرائيل مع بداية الثمانينات. قاتل الشعب الفلسطيني من اجل حقوقه منذ عام 1917، على أقل تقدير، ولم تكن نتائج أوسلو لا على مستوى الدماء التي نزفت ولا على مستوى التطلعات.
إذا كانت القضية الفلسطينية أكبر من اتفاق أوسلو فإن اللباس المخيط لن يغطي الجسد وسيتمزق بالتأكيد. لا يستطيع الخياط (الترزي) أن يحشر العريس قهرا في بزة العرس وإلا فإن العريس سيتوارى من الناس خجلا مما يظهر منه. أوسلو لم يقدم شيئا للفلسطينيين إلا بعض الأشياء التي رفضوها عبر الزمن مثل القبول بالقرارات الدولية والحكم الذاتي ونبذ الإرهاب. حاول أوسلو فرض ما هو غير مقبول بتاتا لدى فلسطينيين، والنتيجة لم تكن غير متوقعة.
ينطبق هذا المنطق تماما على المبادرة العربية التي هي أصغر بكثير من حجم الأمة العربية وتاريخها وحضارتها ودينها وإنجازاتها. المبادرة العربية عبارة عن فأر صادر عن عملاق يمر في ظروف مرضية. مثل هذا العملاق لا يحتمل أن يكون بمثل هذا الضعف والهزال، ولا يمكن في النهاية للمبادرة العربية أن تنجح كأساس للحل مع إسرائيل. (لو) قرأ حكام العرب التاريخ لما طرحوا هذه المبادرة، ولما ظنوا أصلا أن إسرائيل تستحق مبادرات.
نظرية الهزيمة
قامة دولة فلسطينية من خلال طاولة المفاوضات.
غفل هذا الجانب الفلسطيني عن حقيقة أن طاولة المفاوضات تصبح بلا معنى بدون توازن قوى وتفقد معناها وتتحول إلى طاولة استجداء، وغفل عن حقيقة تاريخية وهي أن الذي يقبل الواقع يتنازل عن نصيبه في صناعة التاريخ، ويصبح موضوع الحدث بدل ان يكون صانعه. المنتصرون هم الذين يصنعون التاريخ، أما الذين يقبلون الواقع فيجدون أنفسهم في الماضي ولا علاقة لهم بالمستقبل. الواقع متغير وفق ظروف موضوعية ووفق إرادة القوي أو المصمم على التغيير، أما القابل بالواقع عبارة عن أداة، والأدوات لا حقوق لها إلا تلك التي يرى مستعملها أنه من مصلحته تقديمها لها.
وقع هذا الفريق في مأزق كبير حيث اكتشف أن المفاوضات التي آمن بها عبارة عن مسرحية سخيفة تهدف إلى التسلّي بما لا قيمة فيه. عزز هذا الأمر مواقف الفريق الآخر الذي أصر على رفض الواقع والاستمرار في المحاولة من أجل التغيير. تاريخيا، المتحرك يغلب الثابت في مكانه، وقوى التغيير تتغلب في النهاية على قوى الرتابة. موضوعيا، يعزل الشاب الكهل، مثلما يعزل الكهل العجوز. لا يمكن للماضي أن يهزم الحاضر أو المستقبل، ويبقى الماضي متراجعا مهما نفخنا فيه من البطولات ومهما تغنينا بأمجاده، ذلك لأنه قد مضى. فقط يتمكن الكهل أن يغلب الشاب إذا واكب العصر واستمر في تجديد شبابه بغض النظر عن عمره الزمني.
تراجع حركة فتح في غزة
لم يكن مستغربا أن تسيطر حماس بسهولة على قطاع غزة. بغض النظر عما يتم سماعه عبر وسائل الإعلام عن الانقلاب والانقلابيين، شباب حركة فتح ليسوا مهيئين بتاتا لخوض معارك داخلية دفاعا عن مواقف لا تقنعهم وعن أشخاص لا يُعجبون بهم. كشخص يعيش في فلسطين، أعي تماما أن أغلب الشباب العاملين في الأجهزة الأمنية يهتمون برواتبهم، وليسوا معنيين بتاتا بالدفاع عن الأمن الإسرائيلي أو تنفيذ المتطلبات الأمريكية. وقد سمعتها من العديد منهم مرارا وهم يقولون بأن إسرائيل ترسل لهم أسلحة لمقاتلة حماس.
شباب فتح مستعدون لقتال إسرائيل وهم يستبسلون ولديهم الاستعداد للتضحية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام معضلة أخلاقية ووطنية تحفر آلاما في النفوس. لقد رأوا تطورات لا تسمح لهم بالقفز عن كل ما آمنوا به عبر الزمن، وتتناقض مع رؤاهم الأخلاقية ففضلوا الاسترخاء بالبيوت.
لم يكن غريبا أن قيادات قد هربت حتى قبل أن يبدأ القتال ذلك لأن من يعطي الولاء مقابل المال لا يضحي بالمال من أجل الولاء. اشترت أمريكا من بعض الفلسطينيين الولاء، لكنها لم تشتر الانتماء. أصحاب الولاءات لا يقاتلون، فقط أصحاب الانتماء هم الذين يؤمنون بضريبة الدم من أجل تحقيق الهدف. ولهذا يجب ألا يحاول أحد تجريب عضلاته في الضفة الغربية لأن النتيجة ستكون مشابهة لما حصل في غزة على الرغم من أن التكتيك العسكري سيكون مختلفا. ولهذا على كل الفلسطينيين أن يفكروا مليا وأن يسعوا حثيثا نحو إعمال العقل بدل ركوب الرأس والمعاندة.
مأزق أمريكا وإسرائيل
لا أشك للحظة بأن إسرائيل وأمريكا الآن في لحظة مراجعة شاملة للإجراءات التي تم اتخاذها من قبلهما عبر السنوات السالفة. أهدافهما ستبقى قائمة ولن يجري عليها تغيير، لكنهما سيفكران في إعادة صياغة العلاقات على الساحة الفلسطينية، وربما ايضا على مستوى بعض الدول العربية. من المنطقي أن يفكر السياسي الذي يقدم المال والتدريب والسلاح بطريقة تقديم جديدة وبأعوان جدد إذا كانت كل هداياه قد انهارت في لحظات ولم تعد عليه بأي نفع. لقد استثمرت هاتان الدولتان في الساحة الفلسطينية ظنا منهما أنهما تستطيعان تحقيق ما تريدان فأتت النتائج على غير الهوى.
واضح أن أمريكا تضع أموالها وسلاحها في اماكن تكتشف بعدها أنها وصلت إلى العنوان غير الصحيح أو أنها تستعمل التكتيك الخاطئ. هكذا كان الأمر في العراق، وهكذا هو فلسطين.
عج الإعلام العربي مع سيطرة حماس على قطاع غزة بالتحذيرات من أن القطاع سيجوع، وستشهد حماس أياما صعبة، وبالتفاؤل بأن عباس سيحصل على كل شيء وأن حكومة الطوارئ ستحول الضفة الغربية إلى جنة. كان هذا إعلام غبار، ولم يكن إعلام بحث عن الحقيقة. الذي سيقع تحت المساءلة هو عباس، والأموال لن تعطى لحكومة الطوارئ بسخاء. عباس سيسأل عن أسباب الإخفاق الذي حصل في غزة على الرغم من تفوق الأجهزة الأمنية بالعدد والعدة، وسيسأل عما سيفعله بالضفة الغربية حتى لا تتصاعد قوة حماس. وسيتم تقنين المال وفق النتائج المتربة على تقديمه. تتطلع أمريكا إلى نتائج تخدم سياساتها، وهي ستقدم المال تبعا للتقدم في هذا المجال. أما إذا عجز عباس عن تقديم الجديد فإن المال سيكون عزيز المنال.
أمريكا وإسرائيل تفكران الآن ببدائل، وأرى أن فكرة الحديث مع حماس مباشرة والتواء مطروحة الآن على طاولة التداول بين السياسيين في كلا الدولتين. ولعل مواقف عدد من الدول العربية المعدّلة تشير إلى أن الحكمة تدعو إلى التهدئة والعودة إلى الحوار. لكن ربما تلجأ امريكا إلى المثقفين الذين يعملون معها عبر السنوات من خلال المنظمات غير الحكومية كبديل للعسكر والأجهزة الأمنية. لكن السؤال يبقى: هلى يستطيع المثقفون هؤلاء الذين ينظر إليهم بريبة في الشارع الفلسطيني أن يقوموا بما عجز المسلحون عن القيام به؟