حماس والأردن

الدكتور عبد الستار قاسم

تركز هذه الورقة على العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والنظام الأردني، بخاصة بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية وتشكيلها لحكومة فلسطينية. أخذت هذه العلاقة مناح أمنية وسياسية متوترة إلى حد ما، وشابها اتهامات واتهامات مضادة واحتكاكات إعلامية، وتأثرت بعوامل إقليمية ودولية. انعكست هذه العلاقة على مجمل القضية الفلسطينية وبالتحديد على مكانة الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية، والاستعداد لقبولها وتطبيقها وفق رؤية الرباعية الدولية، والقوى التي ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في توقيع الاتفاقيات.

تكتسب العلاقة الأردنية مع أي جهة فلسطينية رسمية أو غير رسمية أهمية خاصة بسبب خصوصية العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني اللذين يُنظر إليهما من قبل العديد من الجهات السياسية والأكاديمية والاجتماعية على أنهما شعب واحد. ينعكس التوافق الرسمي الأردني مع مختلف الجهات الفلسطينية وبالذات الفصائل الكبيرة إيجابا على علاقات الناس اليومية والاعتيادية، والعكس صحيح؛ وإذا ظهرت بوادر التوتر في العلاقات فإن الشعب على ضفتي النهر يدفع الثمن. وحيث أن حماس عبارة عن تنظيم واسع الانتشار وذي تأثير واسع، فإن نتائج علاقتها مع النظام الأردني تظهر جليا على سير الحياة اليومية للناس.

العلاقة الجدلية

لا يمكن للتحليل السياسي أن يصيب نسبيا كبد الحقيقة إلا بفهم واستيعاب العلاقات الجدلية بين مختلف الأطراف والكيانات السياسية ذلك لأنها تشكل النبراس العام الذي تهتدي به السياسة العامة اليومية وبعيدة الأمد للحزب أو الدولة أو الكيان. العلاقة الجدلية تحدد مسبقا التوجه العام للسياسات حتى لو بدت ظرفيا متناقضة، وتعطي تصورا مسبقا عن مختلف المواقف المتوقعة حول مختلف القضايا المطروحة والمتوقعة.

ليس من السهل، مثلا، على صاحب سلطة مستبدة أو متفردة أن يقبل نظام تعليم ينمي لدى المواطن حب الحرية والرغبة في انتزاعها لأنه بذلك يساهم مباشرة في تدمير حكمه. العلاقة الجدلية بين الاستبداد والتعليم هي التلقين بحيث يبقى أفق المتعلم منحصرا في زاوية معينة تبجل المستبد على اعتبار أنه الأب الحنون الذي تضيع البلاد ويجوع العباد في حالة غيابه.

حماس عبارة عن حركة تغيير لأنها حركة مقاومة، وهي تعتبر التفاوض مع إسرائيل حراما شرعا، وتتمسك بفلسطين من البحر إلى النهر، وترى أن الأنظمة العربية الحالية ليست أنظمة تحرير، وإنما أنظمة تتصالح مع إسرائيل وتطبّع العلاقات معها. حماس تتطلع نحو تغيير الأوضاع في الوطن العربي، أما إسرائيل فتعمل جاهدة على المحافظة على استقرار الأنظمة العربية. الأنظمة العربية لا ترغب في التغيير وتقاوم كل من يحاول ذلك. جدليا، إسرائيل على وئام أو تحالف أو عدم خصام مع الأنظمة العربية، وحماس على النقيض من ذلك، وترى أن التغيير في الساحة العربية ضروري من أجل تغيير الحقائق القائمة في فلسطين. أي أن حماس على تناقض جدلي مع أغلب الأنظمة العربية إن لم يكن كلها وبالأخص مع الأنظمة العربية المحيطة بإسرائيل وتقيم علاقات معها.

المعنى أن النظام الأردني، جدليا، لا يمكن أن يقبل حماس، ومن المحتمل أن يساهم في الحرب عليها من أجل التخلص منها؛ وإذا بدت العلاقة أحيانا غير منسجمة مع هذا الجدل فذلك لأسباب ظرفية سرعان ما تتبدد مع تبدد الظرف.

خلفية تاريخية

الحاضر لا ينفصل تماما عن الماضي، ومحاولة التنبؤ بالمستقبل لا تكون ناجحة إن انفصلت عن التطور التاريخي للظواهر الاجتماعية والإنسانية. العلاقة الحمساوية الأردنية لا تنفصل عن علاقة الإخوان المسلمين بالأردن، وهي أيضا تبقى ضمن معايير النظام الأردني لما يجب أن تكون عليه الأمور على الصعيدين المحلي والإقليمي. ولهذا أشير هنا باقتضاب إلى العناصر العقائدية وشبه العقائدية (القبلية) التي بُنيت عليها العلاقات المتبادلة:

النظام الأردني

النظام السياسي الأردني عبارة عن نظام قبلي استمد شرعيته من الأصل القبلي للنظام الهاشمي، ومن رضا الاستعمار البريطاني الذي عمل مع الآخرين وبالتحديد فرنسا على ترتيب الأوضاع السياسية في بلاد الشام والعراق، وهو نظام ترعاه الآن الدول الغربية بالأخص الولايات المتحدة من ناحية الاستقرار السياسي والمالي وتحافظ على استمراره. إنه نظام يتمسك بالقيم القبلية التي تضمن له إلى حد ما استمرارية الحكم، ويتساوق غالبا مع عمومية السياسة الغربية في المنطقية، وأحيانا كثيرة مع خصوصيتها.

يحاول النظام الأردني أن يوفق بين القيم القبلية وقيم التحديث المؤسساتي والسياسي. فهو لا يريد أن يظهر أمام العالم بأنه نظام قبلي بحت لا يتبنى الأسس الديمقراطية في الحكم، ولا يرغب في دمقرطة الدولة حتى لا يخسر سيطرته وربما استمرار حكمه. إنه يسمح بإجراء انتخابات، إنما ضمن معادلة تضمن للنظام القبلي الاستمرارية، ويعمل على تحديث المؤسسات لكنه يحرص على أن تتشكل إداراتها من الموالين للنظام. وبصورة عامة، النظام يعتمد في بقائه على الولاء وليس على الانتماء.

حماس

حماس عبارة عن حركة مقاومة منبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، لكنها تختلف في أنها تعتمد المقاومة لاستعادة الحقوق الفلسطينية. حركة الإخوان المسلمين، إجمالا، ليست حركة صدامية، وهي تعتمد إصلاح الفرد ومهادنة الأنظمة بقدر الإمكان من أجل الوصول إلى دولة الإسلام. للحركة هدف استراتيجي وهو إقامة حكم الله في الأرض، مما يتطلب إقامة دولة إسلامية حيثما أمكن. شذت حماس في اعتمادها المقاومة كأسلوب في مواجهة إسرائيل لأسباب ظرفية وليس لأسباب عقائدية أو منهجية، أي أن وجود إسرائيل قد حتّم ظهور حماس، واعتمادها لهذا الأسلوب لا يعني أن حركة الإخوان المسلمين قد غيرت من منهاجها نحو تحقيق الأهداف.

التنافر والتجاذب

مثلما تتطلع حركة الإخوان المسلمين إلى إقامة دولة إسلامية، يتطلع النظام الأردني إلى استمرارية حكمه؛ أي أن كل طرف ينفي الآخر على المستوى الاستراتيجي. مثلما ترتبط حركة حماس بجماعة الإخوان المسلمين، يرتبط النظام الأردني بمن أوجده ويوفر له الحماية وهو الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل. الدولة الإسلامية عبارة عن نفي لكل الأنظمة العربية بما فيها النظام الأردني، وإسرائيل ضمانة كبيرة للكثير من الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام الأردني، ولذلك لا صعوبة هناك في الاشتقاق بأن العديد من الأنظمة العربية ومن ضمنها النظام الأردني يتحالف بطريقة أو بأخرى مع إسرائيل التي تحاول حماس استعادة الحقوق الفلسطينية منها.

على الرغم من التنافر الاستراتيجي بين النظام الأردني وجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم حماس، إلا أن العلاقات اليومية والظرفية تتأرجح صعودا وهبوطا تبعا للقضايا الآنية المطروحة. فمثلا، حظيت جماعة الإخوان المسلمين بسماح النظام الأردني لها بالعمل في الساحة الأردنية عندما كان عمل الأحزاب في الأردن ممنوعا، وذلك في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي. كان لجماعة الإخوان المسلمين مكاتب مفتوحة في الأردن، ولم يكن النظام الأردني يلاحقها، ووصل الأمر إلى تبوء أعضاء في الجماعة أو مقربين منها مثل الدكتور إسحق الفرحان مناصب هامة في الدولة. وحظي النظام الأردني أيضا بدعم الإخوان المسلمين في الخمسينات عندما تعرض النظام لضغط شديد من قبل حزب البعث كاد أن يهدم أركانه. خرج الإخوان المسلمون إلى الشارع الأردني في مواجهة ضد حزب البعث ودعموا النظام.

فضلا عن أن مرحلة الخمسينات والستينات قد جمعت الإخوان المسلمين والنظام الأردني في مواجهة جمال عبد الناصر والحركة القومية العربية بصورة عامة. النظام الأردني عبارة عن نظام قطري يعادي القومية والوحدة العربية على الرغم من أنه يعلن باستمرار حرصه على التضامن العربي غير المعرّف، والإخوان المسلمون كانوا يقفون عقائديا ضد الفكرة القومية. تضارب الأهداف لم يمنع الوقوف معا ظرفيا.

النظام الأردني ليس نظاما دينيا أو يتطلع نحو تطبيق أسس الدين الإسلامي في الحكم، لكنه لا يعادي الدين ما دام يدور في حيز الكهنوت والرهبنة. لدى النظام الاستعداد لأن يقرب رجال الدين من البلاط، وأن يساهم في بناء المساجد الفخمة، وأن يقوم أركانه ببعض الصلوات العامة وترتيب مآدب الإفطار الرمضانية، لكن لا يوجد لديه الاستعداد لمهادنة متدينين يحاولون تسييس الفكرة الإسلامية لتكون منهج حياة للدولة. ولهذا عمد النظام إلى ملاحقة الذين يخرجون عن النطاق الكهنوتي (أي إقامة الشعائر وحمل السبحة والتمتمة المستمرة بالأدعية) حتى لو كانوا من الإخوان المسلمين مثل الشيخ عبد الله عزام الذي طرد من عمله كأستاذ في كلية الشريعة/الجامعة الأردنية.

اصطدم الإخوان المسلمون مع النظام الأردني بعدما قرر النظام إجراء انتخابات تشريعية عامة. قرر الإخوان خوض الانتخابات ببرنامج إسلامي، وحصلوا على عدد لا بأس به من المقاعد البرلمانية. لم يكن النظام غافلا عن الأمر، وعملت أجهزته الأمنية على مضايقة أعضاء البرلمان من جماعة الإخوان، وتعرض عدد منهم للملاحقة مثل الدكتور عبد المنعم أبو زنط. الأهم من ذلك أن النظام عدل النظام الانتخابي بطريقة يحد من عضوية الفلسطينيين والإسلاميين في المجلس، ويدعم التواجد العشائري أو القبلي الأردني. تجاوز النظام حدود الأسس الانتخابية في هذا النظام، ووجد تفهما من قبل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

أنتجت الخطوة الرسمية الأردنية سياسيا بحيث توسع حضور القبليين في البرلمان على حساب الثقل والحضور الشعبيين اللذين تحظا بهما جماعة الإخوان المسلمين التي أصبح اسمها جبهة العمل الإسلامي. وقد صعّدت الجبهة من عدم ارتياح النظام لها عندما أعربت عن تأييدها لنشاط حماس العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي. طبعا لا يستطيع النظام أن يبوح بهذه المسألة علنا، لكنه يعي تماما أن مثل هذا الموقف إنما يصب في خانة مقاومة من يقفون معه. قامت حماس بعمليات استشهادية عديدة، واستطاعت مع قوى فلسطينية أخرى أن تصد اتفاق أوسلو، وأن تؤثر بصورة كبيرة على تعاون فلسطينيين مع إسرائيليين.

الموقف من إسرائيل

احتفظ النظام الأردني بعلاقات جيدة مع الحركة الصهيونية، ومن ثم مع إسرائيل منذ قيام إمارة شرق الأردن حتى الآن. زار عدد من قادة الحركة الصهيونية الأمير عبد الله قبل عام 1948، ووصفوا الأمير بأنه مضياف. بقي الملك حسين وفيا لهذه العلاقة، واعترف في وقت متأخر بأنه كان يزور إسرائيل بين الحين والآخر. وأذكر أن أحد زملائي في الجامعة الأردنية قد سجن في يوم ما لأنه نشر مقالا في صحيفة الرأي الأردنية منقولا عن صحيفة فلسطينية يشرح فيه زيارات الملك لإسرائيل. لقد عاقبوا الأستاذ الجامعي المتخصص في الاقتصاد لأنه نشر مقالا يزخر بالكذب ويشكك بالملك. لكن الملك اعترف في التسعينات بما كان يقوم به، ولا أعلم فيما إذا اعتذر النظام لزميلي الدكتور ودفع له تعويضا.

وسوريا ستشنان حربا على إسرائيل، لكنه قال بأنه لم يبلغ عن الموعد الدقيق للحرب. طبعا لم يكن يعرف ذلك الموعد. هذا ولم يخل الأمر من زيارات إسرائيلية سرية للأردن للقاء مسؤولين أردنيين وآخرين عرب.

بدأ النظام الأردني عملية التطبيع مع إسرائيل مبكرا جدا وذلك من خلال علاقات في مختلف المجالات على رأسها المجال السياسي. وقد بادر بعض ملاك الأراضي الكبار في الأردن استيراد المواد والتجهيزات الزراعية مثل الدفيئات من إسرائيل في وقت مبكر، وطالما دخلت البضائع الإسرائيلية السوق الأردنية تحت عناوين فلسطينية. وقد سارع النظام بعد اتفاق أوسلو إلى توقيع اتفاقية صلح مع إسرائيل على الرغم من أنه المسؤول عمليا وأخلاقيا عن سقوط الضفة الغربية عام 1967.

تنسجم علاقة الأردن مع إسرائيل مع ما ذكرته أعلاه من أن النظام يرتكز في أمنه واستمراره على الدول الغربية وعلى إسرائيل التي طالما أعلنت أنها لن تسمح بسقوط النظام في الأردن. هذا أمر موضوعي وعلاقة استاتيكية لا تحتاج إلى تفكر أو تمحيص. لا يوجد في الساحة الدولية من يقدم المال والحماية المستمرين مجانا، ولا بد لصاحب اليد السفلى أن يقدم المقابل. إسرائيل تريد الصلح مع العرب والاعتراف والتطبيع، ومن ثم توطين اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم بالقليل عما لحق بهم من أضرار. إسرائيل وأمريكا تدعمان كل نظام عربي يسير على هدي المطالب الإسرائيلية وتعاقبان كل من يشذ.

بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، لم تعامل إسرائيل الجماعية بعدائية عندما كانت جماعة مسجد وليس جماعة جامع. كانت الجماعة مقبولة تلقائيا ولم تتعرض لمضايقات عندما كانت كهنوتية تهتم فقط بالشعائر والأدعية، لكن عيون الاحتلال الإسرائيلي تفتحت عليها عندما انبثقت منها أو عنها حماس. سبق للاحتلال الإسرائيلي أن اعتقل عددا من قيادات الإخوان قبل حماس مثل الشيخ أحمد ياسين، لكن ذلك كان عبارة عن ملاحقة لأفراد وليس ملاحقة لتنظيم.

شعر الاحتلال بنوع من الخطر مع ظهور حماس كقوة كبيرة على الساحة الفلسطينية عام 1987، لكنه غض بعض الطرف عن نشاطاتها على أمل أن يؤدي ظهورها إلى صراع بينها وبين حركة فتح. أقدم الاحتلال على اعتقال عدد من أفراد الحركة، لكنه لم يكن قاسيا، وفتح المجال الميداني جزئيا أمامها لتنافس حركة فتح. أمل الاحتلال هذا تبدد بعدما قامت حماس بعمليات عسكرية ضد إسرائيل ومنها خطف جنود إسرائيليين وقتلهم، وقامت بإبعاد أكثر من 400 شخص من قيادات حماس والجهاد عام 1992، إلى جنوب لبنان. استمر التوتر بالاشتداد بين حماس وإسرائيل إلى أن وصل ذروة العمليات الاستشهادية عام 1996.

جمعت أمريكا اثنتين وثلاثين دولة عام 1996 في شرم الشيخ في مصر من أجل التداول في أنجع السبل لحصار حماس والجهاد الإسلامي. حضرت عدد من الدول العربية ومن ضمنها الأردن المؤتمر، ووافقت على تصنيف حماس كحركة إرهابية، وعلى ملاحقة أفرادها والأموال التي يمكن أن تتسرب إليها. ساهم النظام الأردني مساهمة مباشرة في حصار أبناء حماس، وعمل على ملاحقة الداعمين لها والتضييق عليهم، وشدد من الرقابة على حركة الأموال عبر المصارف الأردنية.

قام النظام الأردني بعد ذلك بالهجوم على قيادات حماس الموجودة في الأردن، وقرر طردها حيث استقبلتها دولة قطر. كان للنظام ذريعة وفق القانون الأردني وهي أنه لا يجوز أن يكون أردني مثل خالد مشعل عضوا في تنظيم غير أردني وهو حركة حماس. لكن هذا القانون يتم تطبيقه انتقائيا وليس بالمطلق. فمثلا الحركة الماسونية ليست حركة أردنية، لكنه يجوز للأردني أن يكون عضوا فيها ويمارس نشاطه علنا على الأراضي الأردنية. كما أنه من المعروف أن المخابرات المركزية الأمريكية تنشط في الأردن، وقد اعترف الملك بأنه قدم لها خدمات لقاء أموال كان يحتاجها الشعب الأردني.

في المقابل، أصر الملك حسين على إسرائيل ضرورة إرسال مصل مضاد للمادة الكيماوية التي حُقن بها خالد مشعل في الأردن من قبل رجال المخابرات الإسرائيلية، وأصر على تسريح الشيخ أحمد ياسين من السجن الإسرائيلي لقاء تسريح رجلي المخابرات المتورطين في حقن مشعل. هذا النوع من الخطوات التكتيكية ليس غريبا عن النظام الأردني الذي رأى فيه عملا يغطي على المواقف الإستراتيجية من إسرائيل والقضية الفلسطينية. يحظى عادة مثل هذا التكتيك بتغطية إعلامية واسعة جدا مليئة بالحديث عن حرص النظام على أهل فلسطين وعلى الالتزام بمتطلبات العلاقات الصادقة مع الأشقاء الفلسطينيين.

بعد فوز حماس

لم يكن من الصعب بتاتا على أي محلل سياسي متابع لأسس انبثاق النظام الأردني ومقومات استمراره أن يستنتج بأن النظام لن يرحب بفوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وأنه سيعاديها بهدف إسقاط حكومتها والعودة بالساعة الفلسطينية إلى حكم حركة فتح. حركة فتح تحمل المشروع الأمريكي-الصهيوني الذي لا علاقة له بمشروع منظمة التحرير الفلسطينية ولا بأي مشروع آخر يجتهده أي فصيل فلسطيني، وهي قادت الشعب الفلسطيني نحو القبول بالطرح الإسرائيلي المتمثل بإقامة سلطة فلسطينية مرتبطة أمنيا بإسرائيل، وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية لأناس يبحثون عن لقمة الخبز. مشروع حماس كما هو وارد في ميثاقها متناقض مع السياسة الأردنية وسياسة أغلب الأنظمة العربية.

ربما لا يكون بمقدور المحلل السياسي أن يتنبأ بتفاصيل الإجراءات الأردنية اليومية والمعبرة عن رفض النظام الأردني لنتائج الانتخابات، لكن يستطيع التنبؤ بدون شكوك بمنحى السياسة العامة. رفض النظام الأردني استقبال هنية، وأخرجت المخابرات الأردنية من الأدراج مسألة تهريب حماس لأسلحة إلى الأردن قائلة إنها كانت ستستخدم ضد النظام، ومنعت العديد من المسؤولين في حكومة حماس من السفر إلى الأردن أو عبور الأراضي الأردنية، وساهمت في الحصار المالي المضروب على حكومة حماس، واستقبلت مسؤولين إسرائيليين ومن رئاسة السلطة الفلسطينية. وفي خضم هذا العداء، وكما هي عادة أغلب الأنظمة العربية، عمد النظام إلى تغليف تدخله المعادي لحماس بإرسال معونات غذائية وطبية للشعب الفلسطيني، وأعطى هذه المعونات، كما هي العادة أيضا، حيزا إعلاميا واسعا، وكرر بأنه يفعل ذلك بسبب التزامه القومية وحرصه على الأشقاء الفلسطينيين الذين يعانون.

من ناحيتها، أدركت حماس بأن أغلب الأنظمة العربية لن ترضى عنها إلا إذا قبلت بشروط الرباعية الدولية المتمثلة بالاعتراف بإسرائيل والتخلي تماما عن المقاومة وقبول الاتفاقيات والقرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وأن الضغوط عليها ستبقى قائمة ما دامت تتمسك بميثاقها وخطوطها الإستراتيجية. ولذلك حاولت الالتفاف بقدر الإمكان. فمثلا ظهر إسماعيل هنية ووزراؤه يوم أداء القسم أمام رئيس السلطة بربطة عنق حمراء اللون وببزات رسمية غربية. شكل هذا رسالة للعالم الغربي وإسرائيل وأتباعهما من العرب مفادها أن حماس لديها الاستعداد لدخول الردهات والكواليس الدبلوماسية، ومن المطلوب أن يتعامل العالم معها. هذه لفتة لم تجد نفعا، ولا مثيلها من اللفتات.

كررت حماس موقفها من أنها لا تعترض طريق عباس في مواصلة المفاوضات، وأنه يمثل شرعية فلسطينية، ولا اعتراض البتة على مواصلة ما بدأه هو وصحبه في مدريد ومن ثم في أوسلو، وقالت بأنها ستنتبه إلى القضايا الداخلية، وتخلي الجو السياسي الخارجي لرئيس السلطة الفلسطينية. وكررت أيضا مناداتها بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حركة فتح وغيرها من الفصائل الفلسطينية.

قبلت حماس وثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني على الرغم من أن الوثيقة تنتهك ميثاق حماس من ناحية التأكيد على درب المفاوضات وقبول الاتفاقيات الموقعة، وخاضت جولات حوار طويلة من أجل أن تشارك فتح في الحكومة. وتوجت دعواتها بقبول اتفاق مكة الذي نص على قبول القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، وقبول الاتفاقيات مع إسرائيل.

أثنى النظام الأردني على اتفاق مكة الذي وقعته كل من فتح وحماس وأكد على احترام حماس للقرارات الدولية والاتفاقيات المتوقعة مع إسرائيل. أيد النظام حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عن الاتفاق وأعلن بأنه سيدعمها، وسيحاول رفع الحصار الدولي عنها. لكن هذه الحكومة لم تمش خطوة واحدة إلى الأمام بسبب تحفظ إسرائيل والدول الغربية عليها، وعدم قدرة العرب على اتخاذ خطوات تعزز من التوافق الفلسطيني. كان التحفظ الغربي-الإسرائيلي أقوى بكثير من كل عبارات الترحيب العربية التي لم تستند إلى قرارات سياسية حازمة.

بعد سيطرة حماس على غزة

رفض النظام الأردني ما قامت به حماس من سيطرة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، وسيطرتها، من ثم، على مجمل القطاع. اعتبرت الصحف الأردنية التي تعتبر صدى للنظام أن ما قامت به حماس عبارة عن انقلاب على الشرعية، وطالبت الحركة بالتراجع عما قامت به على اعتبار أن الرئاسة الفلسطينية تشكل رأس الشرعية الفلسطينية وليس المجلس التشريعي. لكن النظام دعا إلى ضرورة العودة إلى الحوار لفلسطيني-الفلسطيني كبديل عملي لجو الاقتتال والخلافات الدموية.

من الناحية العملية، كان واضحا أن النظام يقف بقوة ضد حركة حماس لصالح الرئاسة الفلسطينية. بوابة القصر الملكي الأردني بقيت مفتوحة أمام الرئيس الفلسطيني وموصدة تماما أمام قادة حركة حماس، وبقي الأردن مشاركا في الحصار المالي المضروب على قطاع غزة، ونشط الدبلوماسيون الأردنيون مع الدبلوماسيين المصريين في الاتصال بإسرائيل والولايات المتحدة باحثين عن خروج من مأزق جديد تقع فيه المسيرة التفاوضية. والأهم من ذلك أن حديثا قد راج حول احتمال استقدام قوات بدر الفلسطينية المتواجدة في الأردن إلى الضفة الغربية من أجل المساهمة في حماية الرئاسة الفلسطينية وملاحقة حركة حماس. صحيح أن القوات فلسطينية، لكنه من المعروف أنها تخضع لمزاج النظام وقياداتها مقربة من أجهزة الأمن الأردنية. أي أنها لا تملك قرارا مستقلا عن إرادة النظام. لم تستقدم القوات حتى الآن، ولا أظن أنها ستنتقل إلى الضفة الغربية لأن هشاشتها التنظيمية والقتالية مشابهة لهشاشة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولا يمكن أن تصمد في وجه حركة حماس.

هذا ومن المحتمل أن يقوم النظام بإرسال مواد تموينية وأدوية إلى القطاع تحت شعار الأخوّة والمصير المشترك كما هي العادة. النظام حريص على تغليف مواقفه الإستراتيجية بمواقف تكتيكية حتى لا يبدو وكأنه ينسق خطواته مع إسرائيل، أو يتلقى أوامر من الولايات المتحدة.

خلاصة

حماس عبارة عن حركة إسلامية تريد إقامة حكم الله في الأرض، لكنها ليست مستعدة لاستثارة العالم بخاصة في البلدان العربية ضدها، وهي تحاول دائما أن تلبس ثوب الاعتدال من ناحية قبول الآخر والتمسك بالخيار الديمقراطي. إنها تتمسك بتكتيكات من أجل الوصول إلى الهدف الإستراتيجي. من هذا المنطلق، لم تعمل الحركة الأم ضد النظام الأردني، ولم تعمل حماس ضده. لكن النظام الأردني لا يمكن أن يتسامح مع إستراتيجية التغيير التي تتمسك بها حماس، كما أن البلدان الحامية له وعلى رأسها إسرائيل وأمريكا لا يمكن أن يسمحا له بالتسامح. النتيجة عبارة عن صدام لا مفر منه، وقد يكون جدليا، أو دمويا، أو ضاغطا.

اقرأ بلغة English