حماس وانتخابات التشريعي

الدكتور عبد الستار قاسم

قالت حماس عام 1995 أنها لن تشارك في الانتخابات الفلسطينية التي جرت مطلع عام 1996 لأن اتفاق أوسلو كان قد شكل سقفا لها، وأن كل من يشارك إنما يوافق سلفا على الاتفاق، وأن كل من يفوز سيجد نفسه مضطرا للعمل وفق مقتضيات الاتفاق. أما بخصوص انتخابات الرئاسة التي جرت عام 2005، لم تكن الأسباب التي دعت حماس إلى عدم المشاركة واضحة على الرغم من أن أحد قياديي حماس قال على شاشة التلفاز بأن “هذه الانتخابات مفصلة لأبي مازن.” أما بخصوص الانتخابات التشريعية القادمة، فقد أشار ممثل حماس في مؤتمره الصحفي المنعقد بتاريخ 12/آذار/2005 إلى أن الحركة ستدخل المعترك الانتخابي انطلاقا من حرصها على مصلحة الشعب الفلسطيني. في إجابته عن سؤال حول سقف أوسلو، قال الممثل أن أوسلو قد تم تجاوزه وأن هناك حقائق جديدة ولدتها الانتفاضة المباركة.

ارتفعت أصوات عام 1996 تطالب حماس والحركة الإسلامية عموما بخوض الانتخابات علما أن الظروف الداخلية والخارجية حينئذ لم تكن تسمح بفوز كبير على حساب حركة فتح. انطلقت المطالبة من عدة مبررات: تمثل الأول في أن عضو المجلس التشريعي غير ملزم بتأييد أوسلو حسب قانون الانتخابات، وغير ملزم بدعم أوسلو أثناء المداولات والتصويت؛ وتمثل الثاني في أن خلع عرفات والسلطة الناجمة عن أوسلو لن يكون ممكنا إلا بقوة السلاح، الأمر المرفوض فلسطينيا، ومن الأفضل البحث عن منابر سياسية تدعم منابر المقاومة المسلحة؛ أما المبرر الثالث فاستند على السيرة التاريخية للمعارضة الفلسطينية وهي أنها تلهث وراء القيادة الفلسطينية بالبيانات النقدية والمعترضة والتخوينية وتقبل بعد فترة ما رفضته. رفضت حماس المبررات كما رفضتها كل فصائل المعارضة الفلسطينية.

من الملاحظ أن اليسار الفلسطيني لم يتلكأ كثيرا في القبول العملي لاتفاق أوسلو وما ترتب عليه من اتفاقيات، وقبلت أغلب الفصائل الانخراط بالسلطة من طرف خفي على المستوى القيادي ومباشرة على مستوى الوظائف العامة المخصصة حصصيا للفصائل. أما الحركة الإسلامية فاتخذت من السلطة الفلسطينية وسيطا تفاوضيا مع إسرائيل فيما يتعلق بالهدنة أو التهدئة. وقد عجزت كل فصائل المعارضة بمختلف أطيافها الاجتماع على برنامج واحد بديل لأوسلو، ولم تكن قادرة على الاجتماع بفاعلية إلا على طاولة السلطة.

لت تعاني من الركود. اتفاق أوسلو ما زال موجودا، وكل المبادرات التي طرحت خلال الانتفاضة منبثقة عنه حيث أنه عبارة عن مجموعة مبادئ عريضة يمكن أن يبنى عليها الكثير من التفاصيل. خريطة الطريق التي أعلن السيد محمود عباس مرارا أنه يتمسك بها ملتزمة بمبادئ أوسلو وباتفاقية طابا وتدعو صراحة إلى العمل على تفكيك البنى التحتية للإرهاب، أي للفصائل الفلسطينية المقاومة. المعنى أن أوسلو موجود نصا وروحا ودعما دوليا وتطبيقا، وواهم كل من لا يرى ذلك.

فضلا عن أن أوسلو أمام ناظرينا، هناك نقاط جوهرية من المهم أخذها بعين الاعتبار عند التفكير بالمجلس التشريعي الفلسطيني:

أولا: هذا المجلس هو بالحقيقة المجلس الفلسطيني المسؤول أولا عن تنفيذ الاتفاقيات مع إسرائيل، وله صلاحيات تشريعية. مشاريع قوانينه لا تصبح قوانين إلا بتوقيع رئيس السلطة الفلسطينية بغض النظر عن المدة التي يمكثها مشروع القانون في درجه. عرفات لم يوقع إلا عددا قليلا من المشاريع بسبب مخالفتها للاتفاقيات مع إسرائيل أو تحديها لسلطته الفردية. علما أن هناك لجنة قانونية فلسطينية-إسرائيلية مشتركة تشكل مرجعية للبت في أوسلوية مشاريع القوانين.

ثانيا: للمجلس التشريعي الآن سطوة على رئيس الوزراء، لكن لا سلطة له على رئيس السلطة. هذه السطوة ستذهب أدراج الرياح إذا قررت أمريكا إلغاء رئاسة الوزراء. أمريكا صنعت للفلسطينيين رئيس وزراء من أجل تجاوز عرفات وبالتحديد لصالح محمود عباس، والآن لم يعد هناك مبرر لهذا المنصب.

ثالثا: لا يملك المجلس التشريعي سلطة الإشراف على الأجهزة الأمنية التي من المفروض أن تلاحق المقاومين وفصائل المقاومة. تتبع هذه الأجهزة لرئيس السلطة مباشرة ولا تخضع لثقة المجلس التشريعي، وسبق أن قام أعضاؤها بضرب أعضاء في المجلس التشريعي ولم يحاسبهم أحد. فماذا تصنع الفصائل المعارضة التي ربما تسيطر على المجلس التشريعي ولا تسيطر على الأجهزة الأمنية التي تنفذ الاتفاقيات الأمنية مع إسرائيل؟

رابعا: رئيس السلطة الفلسطينية وحده هو الذي يسيطر على موضوع التفاوض مع إسرائيل وبدون إشراك المجلس التشريعي. وإذا شاء رئيس السلطة أن يُكسب ما يتوصل إليه من اتفاقيات مع إسرائيل شرعية فإنه سيستخدم أجهزة ومؤسسات منظمة التحرير.

الخلاصة هي أن من يريد خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية إنما يحاول أن يكون له صوت يُسمعه لمختلف الأطراف وبالذات للشعب الفلسطيني. لكن إذا أرادت جهة أن تتخلص من أوسلو وتبعاته عبر الطرق السلمية فالوسيلة الوحيدة أمامها هي السيطرة على رئاسة السلطة الفلسطينية. وجود أغلبية في المجلس التشريعي سيكون لها أثر على الصعيدين الداخلي والخارجي، لكنه لن يكون كبيرا إلى درجة صنع معادلات جديدة تتخطى أوسلو. رئيس السلطة يستطيع أن ينهج سياسة جديدة مختلفة عن أوسلو تعود بالشعب الفلسطيني إلى الحقيقة وتوقف الاستنزاف المعنوي والعاطفي الناجم عن التلاعب بمشاعر الشعب الفلسطيني وآماله وطموحاته. سيكون لأغلبية في المجلس التشريعي إمكانية توضيح الحقائق أمام الشعب، وإمكانية حشده لتحقيق منعطفات في المسار الفلسطيني العام مما سيساهم في التخلص من اتفاقية أوسلو؛ هذا إن رأت تلك الأغلبية أنها لا تريد أوسلو.

اقرأ بلغة English