أسباب تراجع حماس الانتخابي

الدكتور عبد الستار قاسم

أظهرت نتائج المرحلة الثالثة من انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية والتي جرت في 29/أيلول/2005 تراجع نصيب حركة حماس عن ذلك الذي حصلت عليه في المرحلتين السابقتين. تفوقت في المرحلتين الأولى والثانية على حركة فتح، لكن حركة فتح تفوقت بشكل كبير في المرحلة الثالثة. فما الذي اختلف حتى تحصل حماس على النسبة المتدنية؟ الأسباب قد تكون كثيرة، لكنني أبرز منها هنا التالي:

أولا: أعطت حماس في الأشهر الأخيرة الانطباع لدى عدد كبير من الجمهور الفلسطيني بأنها تراجعت إلى حد ما عن برنامجها المقاوم على الرغم من إطلاق صواريخ نحو المستعمرات الصهيونية في جنوب فلسطين. لقد كثفت لقاءاتها مع الجانبين الرسميين الفلسطيني والمصري، وبدت على أنها تفاوض إسرائيل بصورة غير مباشرة حول شؤون عسكرية وأمنية . أي أنها ظهرت أمام الجمهور كما ظهرت حركة فتح باحثة عن وسيلة للتفاوض مع إسرائيل في السبعينيات. فإذا كانت حماس ستسير على هدي خطى فتح القديمة، فلماذا عناء تبديل الخيارات؟

ثانيا: صدرت عن حركة حماس تصريحات تؤكد بوضوح رغبة الحركة في إقامة علاقات مع الولايات المتحدة، وأنها تحاول أن تلحق بالجوقة الرسمية العربية في حجيجها إلى واشنطون. كأن حماس تريد أن توصل للأمريكيين رسالة بأنها تمثل الإسلام المعتدل الذي يختلف عن إسلام الآخرين المتطرفين الذين يمارسون “الإرهاب”. عززت حماس هذا الاستنتاج الذي أخذ ينتشر في الشارع الفلسطيني بتقاربها الواضح مع الأنظمة العربية ومع السلطة الفلسطينية.

ثالثا: عانت حماس في الأشهر الأخيرة من ازدحام التصريحات المتناقضة أحيانا وفاقدة البوصلة أحيانا أخرى. قالت إنها تريد هدنة لكنها وقعت على تهدئة مع السلطة الفلسطينية دون أن تكون ملزمة لإسرائيل؛ وقالت إن ردودها على العدوان الإسرائيلي ستكون مزلزلة، لكن زلزلة لم تحصل. تارة تقول إن أعمال إسرائيل تعني انتهاء التهدئة، وتارة أخرى تقول إنها ملتزمة بالتهدئة؛ وتارة تستنكر الانفلات الأمني في حين أنها تمتشق السلاح وتخرج مستعرضة في الشارع. لقد وقعت في تناقضات مع نفسها أعطت الإنسان العادي انطباعا بالفوضى وعدم وضوح الرؤية.

رابعا: أكثرت حماس من استعراضاتها العسكرية التي لا تحظى بشعبية في الشارع الفلسطيني. لسان حال الشارع يقول إن السلاح في ظل الاحتلال ليس للاستعراض أو للتنافس الفصائلي، وإنما يجب أن يكون في مواجهة الاحتلال؛ وكلما كان السلاح سريا كان أكثر فاعلية في تحقيق الهدف. الاستعراضات العسكرية وإطلاق الرصاص في الهواء يثير الاشمئزاز في الشارع الفلسطيني بخاصة أنه يؤدي إلى سقوط ضحايا وإلى كشف بعض القضايا الأمنية أمام العدو.

حماس ثمن الانفجار الذي حصل أثناء مهرجانها في مخيم جباليا والذي سقط فيه قتلى وجرحى. عزت حماس الانفجار إلى قصف صاروخي إسرائيلي، لكن يبدو أن النسبة الكبيرة من جمهور الشعب الفلسطيني مقتنعة بأن الانفجار حصل من الداخل ودون تدخل الطيران الإسرائيلي. فشلت حماس في توضيح الأمر، وفتحت مجالا أمام السلطة لاستغلاله.

سادسا: لم تستطع حماس التحرر من عقلية الإخوان المسلمين التي ترفض الأصدقاء وتوسيع النشاطات خارج إطار أعضائها. إنها تتعامل مع الناس بمنطق من ليس معنا لا يستطيع أن يكون شريكنا. إنها تتصرف بالطريقة الفتحاوية التي لا تتذكر وجود فصائل أخرى على الساحة إلا وقت الأزمات، وهي بذلك تعكس عقلية تعصبية عانى منها الشعب الفلسطيني.

سابعا: تتعرض حماس لحملة قوية من الناحيتين الإعلامية والعسكرية من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية. تضغط أمريكا وإسرائيل ودول عربية على السلطة من أجل القيام بحملة عسكرية ضد حماس بهدف تجريدها من السلاح وتحويلها إلى مجرد حزب سياسي غير مقاوم. اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات ومبادرات تطلب من السلطة ملاحقة ما يسمى بالإرهاب، وخريطة الطريق التي تعتبر الإنسان نبراس الحل السلمي تنص صراحة على ضرب البنى التحتية لحركات المقاومة الفلسطينية. هذا ما تركز عليه كل من إسرائيل وأمريكا في محاولاتهما لاستئناف المفاوضات. بل أن الدولتين ودول غربية أخرى تربط استمرار الدعم المالي للسلطة الفلسطينية بما تقوم به من إجراءات ضد حماس وباقي فصائل المقاومة.

تندرج الاعتقالات الأخيرة ضد قادة حماس تحت باب إضعاف الحركة وإفقادها قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية والعامة وسلبها من طاقاتها القيادية التي يمكن أن تخوض الانتخابات بكفاءة.

لخدمة هذا الغرض، تشن السلطة الفلسطينية حملة إعلامية واسعة ضد حماس بهدف تشويه صورتها، وتستغل بعض النشاطات الحمساوية للتشهير والتنديد وصد التأييد الجماهيري، ومن ثم لتبرير الملاحقة. وقد لوحظ هذا في تركيز السلطة على انفجار جباليا، علما أن ما اقترفته السلطة من أخطاء وخطايا مثل التنسيق الأمني مع إسرائيل والتغطية على الإسمنت المهرب من أجل تمكين إسرائيل من بناء الجدار يتطلب طواقم أمنية وقضائية كثيرة للتحقيق وإصدار الأحكام.

هناك أقطاب عدة معنية بإضعاف حركة حماس، وهي لا تدخر جهدا في البحث عن أكثر الوسائل فاعلية وضغطا مهما أبدت حماس من حسن النوايا. لكن المهم أن تكون حماس حذرة في تعاملها مع الشارع الفلسطيني لأنه هو في النهاية الذي يقول الكلمة الفصل. أخطاء حماس الأخيرة لم تكن عاملا مساعدا وأثرت على امتدادها الشعبي، وربما تشكل دروسا يستفاد منها.

اقرأ بلغة English