حماس وخطى منظمة التحرير

الدكتور عبد الستار قاسم

بداية ألاحظ أن حماس عبارة عن حركة مقاومة فلسطينية منبثقة عن حركة الإخوان المسلمين، وهي حركة عقائدية ذات قواعد إيمانية لا تستطيع أن تتجاوزها، لكنها تناور داخلها أو من خارجها بطريقة لا تتناقض مع هذه القواعد. هذه القواعد الإيمانية تختلف جوهرا عن قواعد القناعات الدنيوية لأنها في الأساس ليست ملكا لشخص أو من إبداعات شخص أو جماعة، ولأنها تعتبر وحيا مقدسا أنزل بالحق. هذا ما يدعونا إلى الحذر في التعميم عندما تتشابه خطوات سياسية حمساوية مع خطوات سبق أن قامت بها منظمة التحرير.

حماس الآن في أوج نشاط سياسي على مستوى المنطقة العربية الإسلامية، والاهتمام بهذا النشاط يمتد وراء المنطقة ليشمل أوروبا والولايات المتحدة. تزخر وسائل الإعلام بأخبار حول الحصار على غزة وردود أفعال حماس على ذلك، وتنقل أخبار البحث عن تهدئة بين حماس وإسرائيل. حماس الآن في واجهة البرامج الإخبارية ليس فقط حول أعمال المقاومة وإنما أيضا حول قضايا الدبلوماسية. مثلما كنا نسمع حول دبلوماسيين يذهبون ويجيئون ويجتمعون ويصرحون ويصافحون ويبتسمون ويصدرون البيانات المشتركة أو يعقدون المؤتمرات الصحفية، نسمع الآن ذات الشيء عن حماس.

الضغط يولد الدبلوماسية

القوي الذي يرى في الواقع القائم مصلحة له يدافع دائما عن الاستقرار والهدوء، وإذا استشعر التحدي فإنه لا يتوانى في اتخاذ الإجراءات القمعية، وإن لم يفلح فإنه يركز على ما يسمى بالتعامل الحضاري والعقلانية. يفضل القوي في النهاية الحوار بخاصة ذلك الذي يتم وراء الكواليس حتى لا يسمع الناس تجبره وشروطه القاسية وعباراته الفظة وتهديده. للقوي دوائر للعمل، وهي تتدرج وفق تدرج التحدي القائم. دائرته الأولى الحفاظ على الاستقرار؛ أما الثانية فهي التشكيك بالآخر والإساءة إلى سمعته لإبعاد التأييد الشعبي؛ والثالثة تقوم على إجراءات قمعية لينة مثل الطرد من الوظيفة أو السجن قصير المدى، أو تعطيل مصالح؛ ثم تأتي الرابعة التي تعتمد الإجراءات القاسية مثل القتل وتدمير البيوت والاعتقال الطويل والتعذيب الشديد. وإذا لم تنجح كل هذه الدوائر فالعقلانية والحضارية المغمستان بالدماء وآلام الناس وأحزانهم تصبحان أولوية. والهدف في النهاية هو تجريد الخصم من قوته لكي يبقى الميزان على حاله.

دول كثيرة وأنظمة عديدة مرت بتجارب هذه الحلقات أو الدوائر، ونحن العرب لسنا بعيدين عنها. أمريكا مثلا عملت على تثبيت الاستقرار في المنطقة العربية الإسلامية على مدى سنوات طويلة من خلال عدد من الإجراءات منها دعم أنظمة موالية لها. وجربت أيضا الضغوط الهادئة على عدد من الدول مثل العراق وليبيا والسودان وإيران، ورفعت حدة هذه الضغوط ضد الدول التي لم تستجب، وشنت حروبا ضد الذين استمروا بالتحدي. استعملت أمريكا الضغوط لتحصد نتائج سياسية من خلال الدبلوماسية. نجحت مع ليبيا مثلا، ومع دول أخرى غير عربية مثل باكستان في حربها على طالبان أفغانستان.

استعملت إسرائيل الضغط من أجل حصد نتائج سياسية أيضا. فمثلا في حربها ضد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982 ركزت ضرباتها الجوية على بيروت الغربية بهدف إقناع منظمة التحرير بالخروج من لبنان؛ وهي دفعت بجيشها غربي قناة السويس عام 1973 لتقنع مصر بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات، وقصفت قرى الجنوب اللبناني وقتلت المدنيين اللبنانيين بهدف تحقيق ضغط جماهيري يُفشل حزب الله. الأمثلة كثيرة.

إسرائيل ومعها الولايات المتحدة وأنظمة عربية تستعمل الضغط ضد حماس بهدف الوصول إلى نتائج سياسية مرغوب فيها. حاولت إسرائيل ومعها من يؤيدها من بلاد العرب والفرنجة

وأد حماس وإلحاق الهزيمة بها بوسائل عدة ذلك نحو إزالة العراقيل من أمام ما يعرف بالعملية السلمية. بقيت حماس صامدة، واستطاعت أن تحدث اختراقا كبيرا عندما فجرت الحدود مع مصر وتدفق الناس إلى سيناء. هنا أتى دور الدبلوماسية التي يمكن أن تحقق شيئا لم تستطع القوة العسكرية والحصار المشدد أن ينجزاه.

المتتبع لنشاطات قادة حماس في هذه الفترة يرى نوعا من الحمى الدبلوماسية الخاصة بالتهدئة مع إسرائيل من خلال مصر. المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط المصري جارية على قدم وساق، وإسرائيل لا ترى في ذلك ما يدعوها إلى السيطرة على معبر رفح ومنع قادة حماس من السفر. أما مصر فتفتح المعبر لعبور القادة، لكنها لا تفتحه من أجل عبور رغيف الخبز. السبب هو أن رغيف الخبز هو الذي دفع بقادة حماس إلى طلب العبور لإجراء محادثات. الرغيف وما شابهه هو الضغط، والرحلة عبر المعبر هي الاستجابة.

الدبلوماسية تليين للنفوس

الدبلوماسية عبارة عن أسلوب ناجع في تليين الأحوال النفسية وتغييرها بخاصة عندما تتم بين متخاصمين ومتحاربين، وهي تلعب دورا تدجينيا مهما. تبدو في العادة الجلسات الأولى متوترة، لكن النفوس تبدأ بالهدوء مع تكرار اللقاءات. وهناك فلسفة في الدبلوماسية تقول بأن على القوي أن يفتح المجال أمام “المشاكسين والمشاغبين” لاحتلال مقاعد على طاولات الحوار لأن في ذلك ما قد يؤدي إلى اتقاء شرورهم. هذا بالتحديد ما ترمي إليه جهات عدة من خلال زج حماس في معارك الحوار واللقاءات غير العلنية والمحادثات التي توصف بأنها بناءة.

لى الساحة الفلسطينية ولا يمكن تجاهلها، وعلى المهتمين بصناعة السلام في المنطقة أن يعترفوا بدورها وإشراكها في النشاطات الدبلوماسية. هذه أقوال إغرائية إذ تبدو من ناحية واقعية، وتبدو من ناحية أخرى استدراجية. صحيح أن حماس قوية ولها جماهيرها الغفيرة ومن الصعب تحقيق إنجاز سياسي بدونها، لكن هذا الاعتراف يحتوي في داخله دعوة لحماس لدخول المعترك السياسي الذي له متطلبات تختلف جذريا عن متطلبات المقاومة.

المقاومة بالنسبة لحماس ليست الهدف وإنما الوسيلة نحو التحرير واستعادة الحقوق الفلسطينية، وهذا صحيح بالنسبة لكل الفصائل الفلسطينية المقاومة. وبما أن المقاومة المسلحة مرفوضة من قبل أطراف عدة على اعتبار أنها إرهاب، فإن في الدبلوماسية ما يمكن استخدامه لإقناع حماس بإمكانية تحقيق الهدف بدون مقاومة. لقاء وراء لقاء قد “يطيب الخواطر” قليلا، ويعزز ما يسمى بالعقلانية والتحضر في حل النزاعات. واجتماع وراء اجتماع يخفف من حدة الكلام، ويوفر الجو النفسي لاستعمال مصطلحات جديدة غير مثيرة قد تؤدي في النهاية إلى التخفيف من التركيز على المقاومة.

حماس وخطى منظمة التحرير

يبدو أن حركة حماس في حراكها السياسي والدبلوماسي لا تختلف جذريا عن بدايات حراك حركة فتح في أوائل سبعينات القرن العشرين. ويبدو أيضا أنها تستجيب للضغوط ليس بطريقة المبادرات التي تربك الطرف الآخر، وإنما بالطريقة التي يتوقعها. هنا أضع النقاط التالية كأدلة على التشابه في الخطوات السياسية بين منظمة التحرير وحماس:

أولا: قدمت منظمة التحرير الفلسطينية مبادرة عام 1970 أسمتها بالدولة الديمقراطية العلمانية كحل للقضية الفلسطينية، ثم توالت مبادراتها. حماس قدمت المبادرات قبل أن تخوض الانتخابات وعلى رأسها مبادرة الهدنة مع إسرائيل، والآن تركز على مبادرة الهدنة.

ثانيا: قالت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 بأنها تقبل بقيام دولة فلسطينية على أي جزء من فلسطين يتم تحريره، وأعلنت حماس مرارا بأنها تقبل إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة/67 دون شروط.

ثالثا: قالت منظمة التحرير الفلسطينية في ميثاقها المعدل أو شبه الملغي بأنها تعتبر العرب جزءا من عملية الصراع ضد إسرائيل، لكنها في الواقع العملي قبلت بهم كوسطاء بينها وبين إسرائيل. لا تختلف حماس في نصوص ميثاقها عن حشد العرب والمسلمين، لكنها تقبل بهم أيضا كوسطاء بينها وبين إسرائيل.

رابعا: كانت المنظمة معنية بأن تثبت للعالم أنها منظمة غير إرهابية وهدفها إحقاق الحق، والآن حماس تفعل ذات الشيء، ومنهمكة في تبرئة نفسها من تهمة الإرهاب.

خامسا: وقفت منظمة التحرير بداية ضد المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، لكنها قبلت المفاوضات غير المباشرة بعد حين، وقبلت في النهاية المفاوضات المباشرة. حماس تخوض الآن مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر أطراف عدة على راسها الحكومة المصرية.

سادسا: تقول حماس بأن خطواتها السياسية عبارة عن تكتيك لا يعبر عن استراتيجية عمل، وهذا ما دأبت منظمة التحرير على قوله.

الانجرار إلى اهتمامات الغير

هناك مشكلة كبيرة على الساحة الفلسطينية متمثلة بانجرار الفصائل الفلسطينية المختلفة إلى اهتمامات الغير السياسية. تم جرّ الساحة الفلسطينية، على سبيل المثال، إلى التخوف من مسألة الإرهاب، وانهمكت في نفي التهمة عن ذاتها، تاركة للإرهابيين الحقيقيين الذين يشردون الشعب ويذلون الأمة الميدان المفاهيمي الذي ينم غسل الأدمغة من خلاله. وتم جر الساحة إلى المفاوضات المباشرة وغير المباشرة من خلال أنظمة عربية دون أن تكون هناك سياسات فلسطينية مضادة تستقطب الأنظمة العربية لصالح الحقوق الفلسطينية؛ الخ.

وتم جرّ الفصائل الفلسطينية المختلفة إلى ميدان المبادرات السياسية والدبلوماسية الهادئة في حين أن الشعب المشرد غير مطالب بمبادرات ولا بطروحات سياسية تعجب الناظرين، وغير مطالب أيضا بدبلوماسية وراء الكواليس. الشعوب المضطهدة تنتظر عادة الحلول من القوي، أو تعمل على إجباره على تقديم الحلول، ومن مصلحتها دائما أن يبقى العمل الدبلوماسي أمام وسائل الإعلام حتى لا تضيع الحقوق في الكواليس. الفصائل الفلسطينية تخرج عن أسس العمل التي يجب أن يسترشد بها المشردون المضطهدون.

يملك الشعب الفلسطيني قضية كبيرة وعظيمة ومقنعة جدا وهي قضية اللاجئين، ومن الضروري أن يضع الفلسطينيون هذه القضية على رأس نشاطهم السياسي، وألا يتزحزوا قيد أنملة عنها. من المفروض أن تتكثف الجهود باتجاه توعية شعوب الأرض بهذه القضية، وأن تتم إثارتها في كل المحافل الدولية والمؤتمرات، وأن تبقى القضية الأولى في كل المؤتمرات العربية والإسلامية. ويملك الشعب الفلسطيني قضية احتلال الأرض بالقوة والمعانيات اليومية التي يتعرض إليها الشعب في كافة أماكن تواجده.

القيادة السياسية الحكيمة هي التي ترغم الآخرين على رد الفعل، أما تلك التي تبقى تنتظر الآخرين للتعليق على أقوالهم وأفعالهم لا تتقدم ولا تحرز النجاح. لهذا ليس غريبا أن أحوال شعب فلسطين تسير من سيء إلى أسوأ على الرغم من التضحيات الجسام التي يقدمها.

اقرأ بلغة English