حماس في المعادلة الإقليمية

الدكتور عبد الستار قاسم

وقف أغلب العالم ضد حماس في انتخابات عام 2006، لكنها فازت بالأغلبية، وكان بمقدورها تشكيل حكومة فلسطينية بمفردها ودون التحالف مع أحد. ربما ظن العالم أن حماس مجرد أشخاص يطلقون اللحى، ويؤثرون على عامة الناس بخطاب ديني انفعالي تهييجي يبرز محاسن الجنة وأخطار جهنم، لكنه وجد أن نسبة المثقفين الذين انتخبوا حماس كانت أعلى من نسبة المثقفين الذين انتخبوا حركة فتح. وقد وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع فلسطيني جديد، وأخذت الولايات المتحدة تفكر في كيفية الخروج من هذه الورطة التي سببتها لها الديمقراطية، وألحقت ضررا كبيرا في مشروعها الفلسطيني والذي يقوم على تحويل الشعب الفلسطيني إلى مجرد أفراد يبحثون عن مصالحهم الخاصة دون حقوق وطنية لشعب متكامل. وما زالت الجهود متواصلة من أجل إسقاط حماس في غزة، وتحويل الحركة إلى مجرد حزب يتلهى بجميل الخطابات الجوفاء.

الرقي على قدر التحدي

بدأت حماس نشاطها بأنماط نشاطات الفصائل الفلسطينية التقليدية، وتعلمت من هذه الفصائل الكثير من الوسائل والأساليب مثل إقامة المهرجانات وإطلاق الشعارات الرنانة والعمل النضالي العلني والاستعراض. لم تشكل هذه الأنماط إثارة للاحتلال إلى درجة أنه غض الطرف بداية عن العديد من العناصر الحمساوية على أمل صناعة توازن بين الفصائل الفلسطينية قد يؤدي إلى صراعات داخلية. لم ير الاحتلال في نشاطات حماس الأولية أمرا مزعجا، وظن أن الصراعات الداخلية التي يمكن أن يغذيها ستلهي الفلسطينيين وينصرفون بعد ذلك عن الانتفاضة. انصرف الناس عن الانتفاضة لكن بسبب ما أفسدته القيادات لفلسطينية وليس بسبب ظهور حماس.

لم تتوقف حماس عند المظاهر التقليدية للعمل الفصائلي وأخذت تطور من أعمال المقاومة والتي شملت صناعة المتفجرات وخطف جنود. هزت أعمال حماس القيادة الإسرائيلية التي بدأت تلمس خطر حماس، وتوجت سياساتها بإبعاد حوالي 400 من عناصر حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان. لكن الملاحظ أن تطور حماس استمر في التزايد مع تزايد ملاحقة إسرائيل لقادتها وعناصرها. وهذا ما بدأت تتباين فيه حماس مع الفصائل الفلسطينية الأخرى لأن تطورها أخذ يشمل النواحي التربوية والأخلاقية والتنظيمية والتسليحية والانضباطية والتحصين الأمني. وكان لمثل هذا التطور أن يأخذ وقتا، وما زال أمام الاكتمال المزيد من الوقت. لقد وقعت حماس بأخطاء عدة ومتكررة، لكن كان لديها الإصرار على الاستفادة من الأخطاء واستخلاص الدروس والتصحيح. وواضح الآن أن مستوى الانضباط والمعايير الأخلاقية والتحصين الأمني ما زال يرتفع. وهذا ما يثير قلق الأعداء الذين رأوا أن كثرة السلاح لا تعني القوة إلا إذا كانت أخلاق حامل السلاح بمستوى السلاح نفسه.

قال لي أحدهم وهو يشاهد جماهير حماس في رفح وجماهير السلطة في رام الله ليلة الإفراج عن الدفعة الثانية من المحررين الفلسطينيين بتاريخ 19/كانون أول/2011 إن الفارق الانضباطي بين الجمهورَيْن هائل كالفارق بين من سيحقق النصر وبين من يتغنى بنصر لم يتحقق.

تشديد ملاحقة حماس

لم تغفل إسرائيل وأمريكا ومن والاهما من الفلسطينيين والعرب عن تشديد ملاحقة حماس بخاصة بعدما أخذت العمليات الاستشهادية تصنع واقعا استراتيجيا جديدا في المنطقة. تكثفت اعتقالات عناصر حماس من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وأخذت الأنظمة العربية وكل عناصر النظام المالي العالمي تشدد على دخول الأموال إلى الأرض المحتلة/67 بهدف تجفيف منابع مال الحركة. ووصل التشديد ذروته بعد فوز الحركة بالانتخابات فقطعت الأموال عن الشعب الفلسطيني وتعرضت قيادات الحركة المنتخبة لأبشع الإجراءات. حتى أن الدول الغربية لم تحترم القيم الديمقراطية التي طالما ألقتها على مسامعنا، وضربت بها بعرض الحائط من أجل عيون إسرائيل.

تتناسب حدة الملاحقة عادة مع درجة التحدي، ولولا أن إسرائيل والغرب عموما قد شعروا بالتحدي الذي تفرضه حماس لما تم تصعيد الإجراءات ضدها ولما تم حشد العرب عموما وفلسطينيين خصوصا لمواجهتها. والنتيجة أن هذا الذي يسمي نفسه بالمجتمع الدولي خسر غزة، وأصيب مشروعه الخاص بالفلسطينيين بضربة قاسية أفقدته توازنه وأحالت بعض إجراءاته وسياساته إلى ركام. كان يأمل هذا بتمرير مشروع يتخلص فيه من هموم القضية الفلسطينية، لكن لم تأت الظلمة على قدر يد اللصوص.

كل الإجراءات بالفشل، ولا يملكون الآن سوى الاستمرار في التهديد بشن حرب على غزة والقضاء على مجمل المقاومة الفلسطينية.

حماس تفرض وجودها الإقليمي

تمتعت حماس قبل أن تنطلق بقاعدة شعبية واسعة عناصرها من التيار الديني الذي كان يشهد مدا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي قاعدة تعتمد أسسا تربوية وتنظيمية واضحة، وتدين بالولاء للحركة الإسلامية التي كانت امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين. ولهذا ظهرت حماس قوية منذ البدء، واستندت إلى جماعة منظمة لم يتطلب تأهيلها للجهاد ضد الاحتلال سوى قضايا إجرائية وتنظيمية. واستمدت حماس تأييدا ودعما قويين من جماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في جميع أنحاء العالم. هذا علما أن جماعة الإخوان المسلمين هي أوسع تنظيم عالمي، وأكثر التنظيمات والأحزاب انتشارا والتزاما، وهي تستطيع حشد الدعم المالي والإعلامي والنُّزُلي (اللوجستي) بكفاءة عالية.

استمدت حماس دعما أيضا من الأطراف العربية والإسلامية الخارجة عن النظام الدولي الذي تسيطر عليه أمريكا وإسرائيل، وبالتحديد من سوريا وإيران وحزب الله. فتحت هذه الجهات أراضيها ومعسكراتها، وربما بعض خزائنها لحماس لكي تتدرب وتكسب الخبرات الأمنية والعسكرية اللازمة لمواجهة الاحتلال. وتقديري أن هذه الجهات لم تنتظر حماس لتأتي إليها، وإنما هي أتت عند حماس بشكل أو بآخر، ووظفت العديد من إمكانياتها وجهودها لتسليح حماس وتمويلها. هذا فضلا عن أن جماهير الأمة الرافضة للاعتراف بإسرائيل من يساريين وتحرريين (ليبراليين) وقوميين قد وقفوا مع حماس ودافعوا عنها في الساحات والميادين ووسائل الإعلام. لم تقف حماس وحدها تدافع عن مواقفها وسياساتها، بل انبرت آلاف الأقلام والعقول العربية والإسلامية لدعمها وتعزيزها، ولمهاجمة كل من يهاجمها ويحاول القضاء عليها. ويكفي ما صنعته هذه الأقلام بحسني مبارك من نقد وتوبيخ وغير ذلك.

لا يدخل النادي الإقليمي أو الدولي إلا الأقوياء الذين يثبتون وجودهم على الأرض. وهكذا كان الأمر بالنسبة لحركة حماس. هناك الآن من يرفضون التحدث مع حماس، ويرفضون استقبالها، لكنهم يعلمون أن العجلة الخاصة بالقضية الفلسطينية لا تتحرك بدون حماس. وهذا ما يفسر جمود المفاوضات بين إسرائيل وفلسطينيين لأن إسرائيل ومعها أمريكا وأنظمة عربية لا ترى أي جدوى من مفاوضات يمكن أن تقلب غزة نتائجها رأسا على عقب.

رأس الجسر الفلسطيني والتحالف الإقليمي

صنعت حماس تحولا تاريخيا بصمودها أمام جيش إسرائيل في حرب الكوانين 2008/2009، وذلك بانها ثبّتت رأس الجسر الفلسطيني المُقام في غزة. حاربت إسرائيل العرب والفلسطينيين في حروب شاملة خارج حدود فلسطين الانتدابية، لكنها خاضت حربا شاملة في الكوانين على أرض فلسطين، وهذا يشكل إنجازا فلسطينيا عظيما من حيث أن الحرب أصبحت على أرض فلسطين. وبهذا الصمود تعززت الإرادة الفلسطينية الحرة في اتخاذ القرار والتنفيذ، وتعزز الظن بأن توسيع هذا الرأس ممكن، ويمكن أن يتحقق مستقبلا. فمن صمد بوجه إسرائيل حربيا، يمكن أن يدحرها مستقبلا. المهم أن هناك الآن قرارا فلسطينيا مستقلا على الأرض الفلسطينية على الرغم من الحصار.

حماس الآن طرف في تحالف إقليمي غير معلن وهو يشمل كلا من إيران وسوريا وحزب الله، وهو تحالف قوي يملك أسلحة متطورة وإمكانات تقنية عالية، وثبتت قدرته في المنازلة. أفشل حزب الله إسرائيل في حرب تموز/2006، واستمرت إيران برفع مستوى قدراتها العسكرية والنووية إلى درجة أن الغرب يقف مشلولا حتى الآن أمام إصرار إيران على الاستمرار في التطوير العسكري والنووي. يقف هذا التحالف غير المعلن في مواجهة تحالف غير معلن آخر مكون من إسرائيل وفلسطينيين وأنظمة عربية.

من المتوقع أن يتعزز موقع حماس الإقليمي مع الثورات العربية إذ أن الشعوب العربية تبدي رفضها لإسرائيل وتنحاز بوضوح لصالح المقاومة. هذا صحيح بالنسبة لتونس ومصر، وجزئيا صحيح بالنسبة لليبيا. الشعوب العربية مع الحقوق العربية، ومن المتوقع أن الشعوب الثائرة والتي لم تحقق الإطاحة بالأنظمة بعد ستنحاز للقضية الفلسطينية وحركة المقاومة الفلسطينية. ومن المؤكد أيضا أن الأحزاب التي تفوز بالانتخابات حاليا لن تخرج عن خط جماعة الإخوان المسلمين في اعتبار حماس جزءا لا يتجزأ من الامتداد العالمي للحركة.

أي أن المكانة الإقليمية لحماس الآن تدفع بها إلى صدارة صناعة القرار والحدث في المنطقة. صحيح أن ثقلها الآن ليس استراتيجيا، لكنه في طريقه نحو ذلك بخاصة ضمن تحالفاتها الإقليمية. وهي الآن في موضع استراتيجي أفضل من حيث أن الذين شنوا الحرب على غزة لم يعودوا متأكدين من النصر في أي حرب قادمة، أو من عدم دخول أطراف أخرى الحرب دعما لحماس.

اقرأ بلغة English