العلاقات الحمساوية الداخلية بعد الانتخابات

الدكتور عبد الستار قاسم

ساد تفاؤل كبير في أوساط حماس والذين انتخبوها بعد فوزها في الانتخابات، وتوقعوا سياسة فلسطينية جديدة بخاصة على الصعيد الداخلي، آملين أن يتم تصحيح ما أعطبه الفساد وخربه. لم ينتخب الناس، بصورة عامة وفي هذا الظروف الصعبة، بناء على متطلبات تحرير فلسطين وطرد اليهود، وإنما انتخبوا بصورة أساسية بناء على رغبتهم في تصحيح الأوضاع الداخلية الفلسطينية التي أصابتها سياسات الفساد وألحقت بها دمارا كبيرا. كان يتطلع الناس نحو تحسين أوضاعهم الاجتماعية والرقي بالمستوى الأخلاقي، وملاحقة الفلتان الأمني وسارقي السيارات، وترسيخ أخلاقيات حمل السلاح، وتحسين أوضاع التعليم والصحة، الخ.

لم يكن من بين المنتخبين من رفع صوته يطالب حماس بالعمل المباشر والسريع على تحرير فلسطين، بل رفعت جماهير الناس أصواتها مطالبة بالقضاء على الفساد وتحقيق العدالة من خلال الإجراءات الإدارية ومن خلال إقامة قضاء محترم. كان الناس على وعي تام بأن المجتمع المنهار أو المتفكك لا يقوى على مواجهة التحديات، وأن مسألة إعادة البناء تأتي أولوية وقبل مسألة التحرير. كيف لمن يقع تحت طائلة الظلم، ويعاني من تردي أوضاع المؤسسات والأفراد أن يحرر وطنا، أو أن يكون قادرا على القيام بأعمال مقاومة فعالة؟ ولهذا كانت تتوقع الناس أنماطا جديدة من العلاقات الداخلية تختلف جذريا عن تلك التي سادت في عهد سلطة فتح.

المتوقع من حماس

من المتوقع لأي قائد سياسي يفوز بالانتخابات أن يهتم بصورة أولى بهموم الناس ومعالجة القضايا التي انتخبه الناس وفقها. عادة ما يتم تناول هاتين المسألتين في البرنامج الانتخابي الذي يسوّق المرشح نفسه من خلاله، ولا يوجد برنامج انتخابي عاقل لا يخاطب الناس بهمومهم وطرق معالجة هذه الهموم. وعليه كان من المتوقع أن تهتم حماس بداية بالأمور التالية:

تحقيق أكبر مشاركة سياسية في الحكومة بحيث تشمل كل من آزروها على المستويات التنظيمية والشخصية والجماهيرية. بل كان من المتوقع، من الزاوية العلمية التي تقول بضرورة تقليص الأضرار وتمديد المنافع، أن تكتفي حماس بالتشريعي، وأن تطلب من مؤيديها من المستقلين الذين تثق بهم بتشكيل الحكومة. كان من الممكن أن تحقق حماس عددا من المنافع من هكذا خطوة تتمثل في: زيادة الاحترام الشعبي لها، الهروب من تهمة الإرهاب التي كان من المتوقع أن تُوجّه للحكومة من قبل أطراف عدة، وتوفير معاناة الملاحقة الصهيونية لأقطاب الحكومة.

خلال المشاورات لتشكيل الحكومة، كان من المتوقع، كما هي العادة في كل الدول والمجتمعات، أن تلمّ حماس كل الذين دعموها، أي جمع شمل مؤيديها ليكون لها بيت صلب وقوي.

أن تهاجم الفساد بقوة وشجاعة وبلا تردد ودون البحث بمسألة من أين تهاجم. البلاد غارقة تماما بالفوضى والفساد، وأي خطوة تتخذ ضد الفساد تكون موفقة.

التركيز بصورة أساسية على الأوضاع الداخلية، والعمل على إلهاء الحكومات العربية بهوامش الأفكار السياسية. الوضع الداخلي له أولوية لأن كل الجهود تضيع سدى في النهاية إذا لم يكن المجتمع متماسكا.

وضع برنامج يقوم على التكافل والتضامن من منطلق إسلامي من أجل توفير العيش الكريم للناس وللتغلب على الحصار المالي والاقتصادي المتوقع.

أن تبحث بشؤون الأعداد الهائلة من الموظفين الذين لا يقدمون أي خدمات للشعب الفلسطيني، وأن تقوم بإجراء ما للحد من سطوة الأجهزة الأمنية وتضخم أعدادها.

أن تقدم القدوة الأخلاقية من أجل تطوير قدراتها على قيادة الشارع، ولتقدم الدليل للعالم بأن الحركات الإسلامية رائدة في الفكر والعطاء والتقدم.

أن تجعل من قضية اللاجئين قضية عالمية، وأن تركز نشاطها العالمي فقط على قضية اللاجئين على اعتبار أنها قضية تمسّ جوهر التعاليم الغربية الحالية والتي تركز على حقوق الإنسان.

المتوقع من خصوم حماس

منذ اللحظة الأولى، كان من المتوقع أن تواجه حماس خصوما عدة، يمكن تصنيفهم كالتالي:

الخصوم الفلسطينيون الذين ارتبطوا مع أمريكا وإسرائيل، وهم يرون مصالحهم مرتبطة بمصالح الاحتلال. هؤلاء هم أصحاب أوسلو وكل قوى 13/ أيلول بمن فيهم الجبهات المرتبطة بمنظمة التحرير. كان من المتوقع أن يقوم هؤلاء بكل المحرمات من أجل إفشال حماس، أو عرقلة جهودها نحو الإصلاح وإعادة البناء.

الحكومات العربية الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل، وهي الكثرة، بحيث تضيق الخناق على حركة قادة حماس وتحاصر الحكومة وتمنع عنها الماء والطعام.

إسرائيل التي تملك خيارات كثيرة ووسائل متنوعة للتأثير على حماس وحكومتها وتكبيلها تماما وإضعافها.

الولايات المتحدة وأوروبا اللتان تقدمان الأموال وتدعمان إسرائيل بكل قوة على مختلف الصعد.

من الناحية الجدلية، هذه الفئات تشكل محورا واحدا أو تحالفا، ولا بد أن تعمل فيما يخص شؤون المنطقة العربية الإسلامية كفرقة موسيقية تتوزع فيها الأدوار وفق النغمات المطلوبة. كان من المفهوم أن الفلسطينيين سيكونون الحلقة الأقوى في مواجهة حماس لأنهم أهل البيت وبإمكانهم لعب دور السوس في الخشب.

أداء حماس

مجالات الأداء كثيرة ومتنوعة، وهنا يقتصر الحديث على أداء حماس فيما يخص العلاقات الداخلية، بخاصة في ضوء ما كان متوقعا منها، وضوء الضغوط التي مورست وما زالت تُمارس ضدها. لا يفوتني هنا القول بأن المسائل المطروحة أدناه جدلية وهي تحتمل الوزن والتقليب والتمحيص، لكنها بالتأكيد لا تحتمل التبرير. سادت في الساحة الفلسطينية على مدى عقود عقلية التبرير والتي تتهرب من المسؤولية لتلقيها على آخرين وظروف خارج الذات الإنسانية، وهي عقلية انهزامية تعزز الخسران والتراجع، وتفقد الإنسان شعوره بدوره وأهميته. لقد كرست القيادة الفلسطينية عقلية التبرير من أجل تحرير نفسها من المسؤولية، واستعملت المال والإعلام من أجل ترسيخها وتعميمها حتى تبدو نوعا من الإبداع الإنساني.

أناقش مسألة أداء حماس فيما يخص العلاقات الداخلية من الزاويتين الشكلية والعملية؛ من الزاوية العملية أناقش عدة محاور وهي العلاقة مع كل من الأصدقاء والمنافسين، مع جمهور الناس ومعالجة همومهم، ومع الفصائل الفلسطينية.

الزاوية الشكلية

صنعت حكومة حماس منذ اليوم الأول لتشكلها، وهو يوم أداء القسم، حاجزا نفسيا بينها وبين جمهور الناس من ناحية الشكل. اصطف وزراء حماس وهم يرتدون البزات المدنية الفاخرة وربطات العنق الحمراء والقرمزية. ولوحظ أن السيد رئيس الوزراء قد وصل إلى مكان أداء القسم بسيارة فاخرة.

هذا السلوك كان يتماهى مع رغبات الدول الغربية، وحمل رسائل واضحة إلى أهل الغرب بأن حماس راغبة في خوض العمل البروتوكولي الذي يتطلب دبلوماسية في اللباس والخطاب والسلوك. المعنى أن حماس أعطت مؤشرات لعلاقات خارجية، ولم تأخذ بالحسبان العلاقات الداخلية، وكأنها أرادت القول إنها جاهزة للنشاط الدبلوماسي. تم تعزيز هذا الانطباع من قبل السيد خالد مشعل الذي لم يتحلّ بالصبر في إطلاق التصريحات الموجهة إلى عالم الدبلوماسية.

كان يتوقع الفلسطيني رسائل شكلية مختلفة مثل اللباس المتواضع الذي يعبر عن شعور المنتخبين الجدد تجاه همومه ومشاكله، ومثل السيارات التي تبدو مقبولة ولكن ليست فاخرة. شعب فلسطين لا يحب كثيرا أصحاب اللباس الرسمي الثمين، والسيارات الفاخرة سببت لديه عقدة لأنها تعتبر رمزا للفساد وسرقة أموال الناس. ربما يطور الفلسطيني العادي رد فعل غير واع تجاه هذه المسائل، لكن المثقف الذي يسمع الناس آراءه وأقواله يحاول أن يحسب الأمور بدقة.

هذا ما دفعني مثلا أن أكتب فورا وعلنا مقالا بعنوان “ربطة عنق حماس.” كان السلوك بالنسبة لي خطيرا جدا، ووجدت أنني يجب أن أنبه حماس علنا حتى لا تضيع المسألة في أحاديث الهواتف. لم يكن الأمر بدافع عدائي وإنما بدافع الدفاع عن صوتي الذي أعطيته لحماس. شعرت أنني غبنت، وربما أحس آخرون معي بذات الشعور.

كان من المتوقع أيضا أن يعزف وزراء حماس عن سلوكيات وزراء فتح فيتخلون عن السيارات وعن بعض الامتيازات الخاصة مثل المرافقين، لكن المواطن لاحظ أن ذات السيارات قد تغير سائقوها فقط. اشتد الانطباع غير الإيجابي عندما قام رئيس السلطة الفلسطينية بتوزيع نسخ في الشارع الفلسطيني عن كتاب وجهه إليه رئيس المجلس التشريعي الدكتور عزيز دويك مطالبا إياه بالسيارة المصفحة.

تشكيل الحكومة

لم تكن حماس موفقة في محاولاتها لتشكيل الحكومة، وأعطت انطباعا قويا بأنها لا تملك معرفة حقيقية بمجمل العلاقات الداخلية والخارجية التي يتمسك بها الأفراد والقوى السياسية. لقد أشغلت الحركة نفسها كثيرا ومطولا بتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو تشكيل حكومة مع حركة فتح، وكرست جهودا كبيرة واستنزفت كل الوقت القانوني بحثا عن صيغة تأتي بحركة فتح إلى الحكومة. وفي النهاية لم توافق فتح، وكذلك فعلت الفصائل الأخرى.

وهناك أشخاص لهم أثقال في الشارع الفلسطيني أكبر بكثير من ثقل بعض الفصائل مثل بسام الشكعة وحيدر عبد الشافي وعبد الجواد صالح لم تتم استشارتهم في أي شيء. لم تدرك حماس أنها لم تفز بجهودها فقط، ولم تعترف بأن هناك من ساندوها ودعموها ووقفوا معها. كنت أنا من الذين تحدثوا مع حماس بهذا الشأن، لكن الحركة لم تقبل الرأي؛ وحسب إحدى نشيطات حماس: “نحن كسبنا الانتخابات ونحن سنبقى في الصدارة.” شكلت حماس حكومة حمساوية، وهي لم تقم فقط بعدم مشورة الذين دعموها، بل تجاهلتهم تماما. هي استشارت الشعبية والديمقراطية وفتح، واستشارت الجهاد الإسلامي الذي قاطع الانتخابات. هذا أمر غريب في تاريخ البحث عن القوة إذ أن المرء قوي أولا بنفسه ثم بأصدقائه ثم بتحييد أعدائه ثم بكسب خصومه.

بعد اتفاق مكة، ظنت حماس أن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ستكون قارب نجاة، لكن هذا الظن كان يجب أن يأخذ بالحسبان ركائز السياسة الأمريكية في المنطقة ونوايا عملاء هذه السياسة، وسياسة إسرائيل نحو الفلسطينيين. كان من المتوقع أن يتم تهميش رئيس الوزراء الفلسطيني المحسوب على حماس، والتعامل دوليا مع أشخاص في الحكومة يتصرفون بمعزل عنها كمؤسسة. لا يبدو أن النتائج تأتي الآن وفق ما أرادت حماس أو ظنت أنها ستتمخض، وربما وصلت الآن إلى استنتاج بأن العلاقات الدولية لا تقوم على النوايا الحسنة وطيبة القلب.

توقع عدد من قادة حماس بأن الأنظمة العربية ستتخذ قرارات حاسمة بخصوص الحصار بعد توقيع اتفاق مكة وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة. لكن يتضح الآن بأن هذا التوقع ليس إلا مجرد وهم، وأن الأنظمة العربية أعجز من أن تمارس سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة. لقد سبق لوزراء الخارجية العرب أن اتخذوا قرارا برفع الحصار فورا عن الفلسطينيين، لكن هذا “الفورا” لم يأت بعد. يرفع الموقف العربي من درجة الإحباط أو الاستياء لدى حماس.

التعيينات الحكومية

كان هناك مأخذ كبير على حركة فتح بأنها تعين عناصرها في الوظائف الحكومية، وتمثل المطلب الجماهيري في ضرورة تقدير الكفاءة والتزام معايير العدالة. لم تقم حماس بتصحيح الوضع، وفاقمت الأمور بأنها وظفت الآلاف من عناصرها في الجهاز الإداري، وكان واضحا أنها تسابق الزمن من أجل أن تنافس فتح إداريا. أساء هذا لصورة حماس، وعملت فتح على استغلال الأمر لرد التهمة عن نفسها وإلصاقها بحماس.

كان من الضروري أن تراعي حماس معيار الكفاءة والعدالة ذلك من اجل تحسين أداء الجهاز الإداري الفاسد، ومن أجل تعزيز إنجازها الانتخابي وكسب تأييد جماهيري أوسع. معيار القدوة هام في نجاح أي قيادة سياسية، ويبدو أن حماس أغفلت هذا الأمر، وفضلت التصرف فئويا مما جعلها تتساوى في نظر الكثيرين في هذا المضمار مع فتح.

الفساد

توقع الناس أن حماس ستتخذ خطوات جريئة وقوية لمحاربة الفساد وإقامة جهاز إداري نظيف من الوساطات والمحسوبيات والرشوات والاختلاسات وتعطيل مصالح المواطنين. هذا لم يحصل، إذ لم تقم حماس بتاتا بأي حرب محدودة أو شاملة على الفساد. كان من المتوقع مثلا أن تقوم الحكومة بجمع السيارات الرسمية التي تستهلك المال الفلسطيني لكنها لم تفعل؛ أن تعمل على تقليص الجهاز الإداري وتوسيع الوظائف الإنتاجية لكنها لم تفعل؛ أن توزع المؤسسات الرسمية على مختلف قرى ومدن الضفة والقطاع بدل تركيزها في غزة ورام الله لكنها لم تفعل، الخ.

جدلية حماس بهذا الشأن تقول بأن محاربة الفساد تقود إلى الفتنة لأن فتح لن تستسلم بسهولة وستحارب من أجل بقاء الفساد. هذه مقولة عجيبة، ولا تركز على أي منطق سياسي أو ديني. قال سبحانه وتعالى بأن الفتنة أشد من القتل، والشعب الفلسطيني قد فُتن إلى درجة الدمار بسبب الفساد. الأولى أن تُشن الحرب على الفساد لأن وجوده يقود إلى القتل، وواضح أن الساحة الفلسطينية تشهد على الدم الفلسطيني النازف.

الفساد عبارة عن مطلب غربي وإسرائيلي ذلك لأن الاتفاقيات مع إسرائيل لا يوقع عليها عرب أو فلسطينيون أو مسلمون محترمون وأوفياء لأمتهم، ولا ينفذها إلا من كان عديم الضمير ولا يهمه سوى مصالحه الشخصية ونزواته وشهواته. لم يكن بالإمكان إقامة السلطة الفلسطينية وفق اتفاقيتي أوسلو وطابا بأناس غير فاسدين ويرفضون التنسيق الأمني مع إسرائيل، وكان من المتوقع أن حماس تستوعب هذه الجدلية تماما.

هذا بالإضافة إلى أن حماس استندت في برنامجها الانتخابي أساسا على الإصلاح والتغيير، ومن حق الناس أن يسألوا عن تطبيق هذا البرنامج. إنني أسمعها باستمرار في الشارع الفلسطيني: “أين هو الإصلاح؟” الوعد من أجل الالتزام، وإذا كان المرء غير قادر على الالتزام فإن عليه ألا يعد أصلا.

الأمن

الفلتان الأمني هو من أهم القضايا الصعبة التي تهم المواطن الفلسطيني، وقد تصدت لها حماس في برنامجها الانتخابي ووعدت بمعالجتها. الفلتان الأمني يقض مضاجع المواطنين ويشعرهم بالخوف والرعب على النفس والممتلكات والحقوق بصورة عامة، ومواجهته تعتبر مطلبا حيويا يجب أن يقوم به صاحب المسؤولية.

الفلتان الأمني هو من اختصاص حركة فتح والأجهزة الأمنية الفلسطينية. نادر جدا أن نجد فالتا أمنيا من خارج دائرة حركة فتح وما انبثق عنها من أجهزة، ومن المعروف أن القيادة الفلسطينية قد تركت الفوضى تعم بالساحة الفلسطينية لأنها إحدى أدوات تركيز السلطة وتهديد المواطن. وقد كان مضحكا عندما كان يتحدث عرفات عن نيته لمحاصرة الفالتين، ومن المضحك أكثر أن أبو مازن قدم وعودا كثيرة بشأن هذا الوضع.

من المعروف أن حماس لا تستعمل السلاح ضد المواطنين، ولا تجده وسيلة لحل أي نزاعات داخلية، لكن الحكومة ظنت أنه من الممكن معالجة الفلتان بإنشاء قوة تنفيذية تساعد وزير الداخلية على ضبط الأمن. أخطأت حماس في تشكيل القوة التنفيذية لأنها قدمت هدية لفتح والأجهزة الأمنية لجرها إلى الاقتتال الداخلي. لم يكن من المتوقع إطلاقا أن تحترم حركة فتح نتائج الانتخابات، أو أن تحترم أوامر وزير الداخلية، وكان من المتوقع أن تستخدم مواطن نفوذها لعرقلة حماس.

حماس أخطأت لأن فتح مدعومة أمريكيا وإسرائيليا، وقد أعلن الرئيس الأمريكي مرارا وتكرارا عن دعمه المالي والعسكري للرئاسة الفلسطينية، وأعلنت إسرائيل عن تقديم أسلحة لحرس الرئاسة، ولا يخفى أن إسرائيل تقدم أسلحة ومساعدات لأشخاص يقولون عن أنفسهم إنهم قادة في حركة فتح. حماس، مهما بلغت من قوة، لا تستطيع مجاراة هذا الدعم، وتبقى معتمدة على تجار السلاح الذين يحصلون على السلاح من المخابرات الإسرائيلية. ذهبت حماس في طريقها، وتورطت في الاقتتال في غزة، وجعلت نفسها مساوية لفتح في الإدانة الجماهيرية.

لا يوجد حل داخلي فلسطيني بقوة السلاح، وإنما بقوة الأخلاق. كان من الأفضل لحماس أن تتحمل أذى الاعتداءات الفتحاوية على المؤسسات والأشخاص، وأن تستعمل أعمالهم لحشد الرأي العام ضدهم، ومن ثم عزلهم مما سيمكن من السيطرة عليهم. لاحظنا مع بداية تشكيل الحكومة تركيز الإعلام على الاعتداءات التي كانت تقوم بها فتح مما أساء لها بالمزيد. الأمور الآن اختلفت، والمواطن العادي لا يخرج إلى الشارع للبحث عمن بدأ الاقتتال، وإنما يكتفي بلعن المقتتلين.

الخلاصة

لم تتصرف حماس منذ تشكيلها للحكومة بروح قيادية وإنما بروح المتشكك والمتردد الذي لا يدري تماما ماذا يفعل، ولهذا بقيت في زاوية تتلقى الضربات من كل القوى المعادية للحقوق الفلسطينية الداخلية والخارجية. الضغوط على حماس كبيرة وهائلة، لكن القائد السياسي لا يقف عند هذا ليكون فقط رادا للفعل أو متلقيا للضربات، بل يجب أن يبادر ويعمل على خلق ظروف التي تجبر الآخرين على رد الفعل. رأى الشعب الفلسطيني مع بداية حركة حماس كيف أخذت فتح تتخذ الاحتياطات لإخفاء الفساد، لكن هذه الأعمال اختفت بعد حين وبعد أن أيقنت فتح أن حماس لن تصنع شيئا. أما حرقة المواطن نحو مجتمع أفضل أخذت تخبو تدريجيا ليحل يأس مكان الأمل.

ظنت حماس أن أيد خارجية قد تساعد، لكن هذه الأيدي المتمثلة بأنظمة عربية لا يمكن أن تكون ضد أمريكا وإسرائيل، ولن تكون إلا عونا ضد حماس وليس مع حماس، وقد ثبت هذا بعد اتفاق مكة. وربما ظنت حماس أنها ترأف بالفلسطينيين من خلال تقديم تنازلات في اتفاق مكة فتأتي الأموال. هذا كان خاطئ أيضا لأن الذي يعطي الأموال لن يعطيها لحماس، ولن يعطيها إلا للذي ينزع ملابسه ويسلخ جلده.

فازت حماس بقوة الشعب الفلسطيني على الرغم من وقوف قوى الأرض ضدها في الانتخابات، وإذا شاءت حماس أن تنجح فما عليها إلا العودة إلى الشعب الفلسطيني. ربما تساعد قوى خارجية أحيانا، لكن الأنظمة العربية ومن لف لفها لن تساعد. ولهذا من المطلوب أن تعود حماس إلى المربع الأول الذي انطلقت منها وتعيد تقييم سياساتها من أجل تحقيق الالتفاف الجماهيري حولها، ولها في خسران حركة فتح في الانتخابات عبرة.

اقرأ بلغة English