مدد حزب الله لغزة
الدكتور عبد الستار قاسم
غزة تحارب وحدها على الرغم من قلة إمكاناتها. لم يكن من الممكن أن تبقى غزة وحيدة لو لم يكن جوار غزة متعاونا مع دولة الصهيانة في فرض الحصار. ثبت أن العرب أشد قسوة في حصارهم لغزة، ولو كان بإمكانهم منع الهواء عن الفلسطينيين هناك لفعلوا. أغلقوا معبر رفح وهدموا الأنفاق، ومنعوا الآخرين من تقديم يد عون إنسانية يمكن أن تصل إلى الأطفال والنساء. لم يشهد التاريخ العربي الخاص بالصراعات الداخلية العربية صورة أبشع من تعامل النظام المصري مع شعب فلسطين في غزة. إنه تعامل في غاية اللؤم والحقد الأسود الدفين. هذا علما أن مصر هي التي فقدت غزة عام 1967، وتقع على عاتقها مسؤولية تحرير القطاع. ولو االتزمت مصر بواجبها ومسؤولياتها لأقدمت فورا على إرسال الأسلحة إلى غزة لتتمكن المقاومة من النيل من إسرائيل وإجبارها على رفع الحصار والانسحاب من الضفة الغربية.
عانت غزة على مدى سنوات طويلة من الحصار العربي الصهيوني، ودائما كان يهب حزب الله لتقديم العون إلى غزة عبر طرق متنوعة. استضاف حزب الله عناصر من المقاومة الفلسطينية لتدريبهم على التكتيكات العسكرية والأمنية المتطورة مثل حفر الأنفاق، وطرق الحركة داخلها، وإقامة شبكات الاتصال الداخلية، وكيفية تحييد الطيران الإسرائيلي من أجل المحافظة على استمرار المقاومة. وقد قام حزب الله بتهريب الأسلحة عبر طرق شاقة عبر البحار المائية والرملية لكي يوصل الصواريخ إلى غزة، ودرب بعض الفلسطينيين على صناعة الصواريخ وإقامة مراكز البحث العلمي التي يتم من خلالها تطوير حمولة ودقة ومدى الصواريخ. ومن المحتمل أن خبراء من حزب الله قد وصلوا غزة عبر الأنفاق تهريبا من مصر وساعدوا المقاومة الفلسطينية ميدانيا في مختلف الأعمال القتالية.
لكن هذه الحرب الأخيرة التي ما زالت دائرة حتى الآن لم تشهد تفاعلا كبيرا من حزب الله. نحن ندرك تماما أن هناك معوقات كبيرة أمام حزب الله تحد بصورة خطيرة من إمكانية تقديم الدعم العسكري للمقاومة الفلسطينية، وهي تتلخص بما يلي:
النظام المصري يشدد الرقابة على الحدود ويمنع حتى الأدوية من الدخول إلى غزة. لو لم يكن النظام المصري بهذا التشدد وسمح للآخرين بمد يد العون لرأينا كميات كبيرة من الأسلحة تدخل غزة ومعها الكفاءات القتالية التي يمكن أن تستخدمها. كان من المتوقع أن ترسل إيران طائرات محملة بالأسلحة لتهبط في مطار القاهرة ومن ثم إلى الجبهة، ولوجدنا حزب الله يقوم بذات المهام، ولوجدنا أيضا دولا أخرى مثل فنزويلا تقدم المدد العسكري للقطاع المحاصر.
لف الجيش اللبناني ثمنا باهظا. وبالرغم مما فعلته بالتعاون الوثيق مع رئيس بلدية عرسال وقوى خارجية ظهرت علينا لتقول أنه لولا حزب الله لما نشأ الإرهاب في عرسال وترعرع. لقد جعلوا من عرسال محطة للانطلاق نحو إطلاق صواريخ على بلدات لبنانية وتخريب لبنان تماما. أما في طرابلس فكان الفشل نصيب قوى 14 آذار وذلك بفضل وعي حزب الله وبعض القيادات السنية في المدينة. علما أن الزعران والبلطجية قد دخلوا المدينة وعاثوا فيها فسادا، وحصلوا على غطاء اجتماعي وسياسي من قوى 14/آذار.
هناك كثيرون في الساحة العربية يبحثون عن رأس حزب الله وذلك لأنهم ضد المقاومة بصورة عامة، ولأن الحزب يشكل امتدادا لإيران. أغلب الأنظمة العربية تحارب المقاومة وتود أن تختفي بلا عودة لأن استمرار حكم هذه الأنظمة مرتبط بوجود إسرائيل ومهدد من قبل نجاحات المقاومة. أما إيران فتشكل بؤرة التحدي الرئيسية للهيمنة الأمريكية وهذا ما يتناقض مع أسس ومبادئ الانهزام العربي والتبعية غير المشروطة لدول الاستكبار العالمي وعلى رأسها أمريكا. ولم يكن غريبا أن قوى كثيرة قد اجتمعت عام 2006 لهزيمة حزب الله. أمريكا قدمت الدعم لإسرائيل وبلدان عربية عدة تحالفت مع إسرائيل وقوى داخلية لبنانية تآمرت من أجل أن تلحق إسرائيل هزيمة بالحزب لكنها لم تفلح.
الحزب وغزة الآن
ألقى السيد حسن نصر الله مع بداية الحرب على غزة خطابا أعرب فيه عن تأييده الشديد للمقاومة وأبدى الاستعداد لتقديم يد العون حيثما أمكن. لكن غزة ما زالت وحيدة حتى الآن ومن النادر أن نسمع أصواتا في الساحة العالمية تؤيد المقاومة الفلسطينية وتدعمها. يتحمل الفلسطينيون جزءا من المسؤولية في هذه الندرة لأنهم لم يطوفوا العالم باحثين عن أصدقاء ومؤيدين، لكن ذلك لا يعفي أصدقاء المقاومة من المسؤولية.
وصف السيد حسن نصر الله المقااومة في خطابه بعد نشوب الحرب بأنهم شركاؤه في غزة، وكرر كلمة الشراكة أكثر من مرة. لا أعلم إن كان هناك ما يخفيه حزب الله وتخفيه المقاومة الفلسطينية، لكنني لا أرى شيئا قد طفا على السطح.
المقاومة في غزة وحيدة، وقد استفردوا بها في محادثات القاهر ة، ونحن الشعب الفلسطيني بأمس الحاجة الآن للدعم والمساندة. نحن بحاجة لمن يقف معنا، والمطلوب ألا تبقى المقاومة وحيدة في الميدان. ومن المطلوب أن يصنع حزب الله شيئا.
ليس مطلوبا من حزب الله أن يدخل حربا ضد إسرائيل الآن، فمن الوارد أن ظروفه الداخلية اللبنالنية لا تسمح بذلك، لكن بإمكان الحزب أن يقوم ببعض الأعمال والتحركات التي يمكن أن ترفع من مستوى التوتر في المنطقة. رفع مستوى التوتر في المنطقة يؤدي إلى تخفيف حدة الضغط على غزة، ويدعو العالم إلى التحرك بسرعة قبل تدهور الوضع واتساع رقعة القتال. ليس من المحتمل أن تقوم إسرائيل بفتح جبهة لبنان إن قام حزب الله بحشد قواته مثلا لأن إسرائيل في ورطة أمنية كبيرة مع غزة، وليست معنية بزيادة همومها الأمنية التي بدأت تدفع بالإسرائيليين إلى الهجرة خارج فلسطين. المطلوب رفع درجة التوتر ورفع درجة تفاعل الجماهير العربية مع المقاومة الفلسطينية لكن دون الوصول إلى درجة الحرب. مثل هذا النشاط من قبل حزب الله سيرفع من معنويات الشعب الفلسطيني وسيؤكد الشراكة اللبنانية الفلسطينية. لن يسلم حزب الله من قوى 14/آذارن لكن الذي تحمل سوء صنيعهم عبر السنوات يمكن أن يتحمل كيلوغراما إضافيا.