مثقفون فلسطينيون لا يحيون النكبة

الدكتور عبد الستار قاسم

لم يعد هناك إجماع فلسطيني على ضرورة إحياء ذكرى النكبة، وهناك فلسطينيون هجروا الذكريات وانهمكوا في زخم الحياة الاعتيادية وشؤونهم الشخصية. يبرز من بين هؤلاء فئة ممن يوصفون بأنهم مثقفون ويرون أن النكبة قد أصبحت خلفنا وأنه لا ضرورة لاجترار الآلام، أو البحث عن آلام تجعل من وطأة الحياة أكثر ثقلا وأشد مرارة. إنهم يرون أن النكبة قد حصلت وانتهى، وهي ليست نكبة فريدة في التاريخ، ولا بد من تجاوز إرهاصاتها السنوية. مرت الأمم في نكبات كثيرة، لكنها لم تتوقف عندها وصمم الناس أن يشقوا طرقهم هاجرين دموعهم، وناسين موتاهم، ومتسامحين في حقوقهم. تركوا الماضي بأنينه وويلاته، وقرروا السير نحو المستقبل.

ما أعنيه في إحياء ذكرى النكبة هو القيام بأعمال استعراضية أو خطوات عملية وعلمية تساهم بطريقة أو أخرى في التذكير بالنكبة الفلسطينية لعام 1948، وتعزز فكر العودة وتحث على اتخاذ الخطوات العملية نحو عودة الشعب الفلسطيني المشرد إلى بيوته وممتلكاته في الأرض المحتلة عام 1948. أي أن الاستعراض وحده لا يكفي، وإنما يجب أن تكون عملية الإحياء هادفة، والهدف هو عودة اللاجئين. أما إذا كان الإحياء مقتصرا فقط على البكاء والعويل وتعداد الأحزان والآلام في انفصال عن التوجه نحو العودة فهو ليس إحياء حقيقيا بقدر ما هو إعذار.

كثيرون من الفلسطينيين الذين لا يحيون ذكرى النكبة، ومنهم من تمر المناسبة دون أن يعلم. أغلب الناس مشغولون بالبحث عن لقمة الخبز، ومنهم من لا يجد الوقت الكافي ليتابع المناسبات، ومنهم من يرى في الأمر فرض كفاية يقوم به بعض رجال العلم والأدب والسياسة والإعلام. هذا أمر مفهوم ووارد لدى كل الأمم، لكن الأمر يصبح غير مألوف، وربما مستغرب عندما يدير مثقف ظهره لمأساة عظيمة معتبرا إياها حدثا من الماضي الذي لا مستقبل له. من المفترض أن المثقف حمّال هموم الناس وآلامهم، فإذا غرب عن هذا الأمر، وغابت عن نشاطاته المسؤولية العامة فإن الوقفة الحائرة تصبح أمرا واقعا.

تعريف المثقف

ليس من السهل صياغة تعريف جامع مانع للمثقف ينال إجماع المهتمين والمفكرين. هناك تعريفات كثيرة متباينة بتباين الذين يجتهدون في تقديم تعريف. كاتب هذا المقال له كتاب بعنوان قبور المثقفين العرب، ويصنف فيه المثقفين وفق الزاوية التي يضعون أنفسهم فيها، ويخلص إلى استنتاج بأن أعداد المثقفين قليلة جدا تبعا للتعريف الذي يضعه وهو:

المثقف هو الذي ينظر إلى واقعه بعين نقدية تحليلية ويحاول وضع الحلول لهموم الناس ويعمل على دفع المجتمع نحو التغيير الإيجابي الذي يؤدي إلى التحرير والتقدم في مختلف المجالات. إنه هناك بين جماهير الناس ويتفاعل معهم ويشد أزرهم ويشاركهم مسراتهم وأتراحهم، فيعي الأبعاد الإنسانية لأحوالهم ويعكسها في كتاباته ومحاضراته وندواته. هذا الموقف الثقافي الحقيقي مكلف ويتطلب التضحيات، لكن هكذا هو شأن المثقف إذا أراد لأمته أن تنفض عن نفسها ثوب الذل والتخلف، وأن تنطلق نحو آفاق جديدة تحقق الآمال والتطلعات. هذا المثقف ليس رافضا لكل شيء في مجتمعه، وليس متعصبا في طروحاته، وليس متشنجا في تعامله ومعالجته للأمور، لكنه مبدأي لا يساوم على القيم الإنسانية العليا ولا على التكامل الإنساني ووحدة الناس.

هذا التعريف أعلاه لا يصلح لهذه الورقة التي تتحدث عن مثقفين لا يحيون النكبة لأن مثل هؤلاء المثقفين لا يتفاعلون مع هموم شعبهم حتى في الدرجات الدنيا. النماذج الثقافية الفلسطينية متعددة وهي بصورة عامة لا تسر البال، وهي مشابهة إلى حد كبير للنماذج الثقافية العربية التي ترى الخلل والهموم وتحاول الابتعاد عنها وجلا أو خوفا أو حفاظا على مصلحة أو الحصول على مال أو جاه أو مكافأة من أي نوع كان، الخ. تميزت النماذج الثقافية الفلسطينية بخصال عدة كان أقلها حضورا موقف المثقف الحقيقي الذي يرى الخلل والهم الجماهيري فيقف مدافعا عنه بغض النظر عن التضحيات التي تترتب على ذلك. ظهر عندنا مثقفو السلطان الذين رأوا الأمور بعيون القائد السياسي الذي يستطيع أن يمنح ويمنع ويعطي ويأخذ. هؤلاء كانوا أكثر المثقفين قدرة على تحقيق مصالحهم الخاصة. وهناك مثقفو الفصائل الذين توردت أعمال فصائلهم دائما في عيونهم، بينما قبحت أعمال الآخرين أو لم تعط زهورا.

التعريف المعتمد في هذه الورقة هو ذلك التعريف الشعبي الهلامي الذي ينظر إلى المتعلم صاحب الشهادة الجامعية العالية والناشط في مجالات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أكاديمية أو علمية على أنه مثقف ويؤثر في محيطه، ويمكن الاسترشاد برأيه. التعريف الشعبي الهلامي يشمل أساتذة الجامعات والمحامين واختصاصيين في علم الاجتماع وعلم النفس والجغرافيا والتاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية والإدارية والإعلامية عموما، ويشمل أحيانا أطباء ومهندسين ومحاسبين. أحيانا يقر التعريف الشعبي بثقافة أناس لا يحملون شهادات جامعية إذا توفرت لديهم مقومات تحفز الانطباع الشعبي بأنهم من المثقفين مثل شعراء لم يدرسوا في جامعات، أو إداريين أصحاب خبرة دون أن تتوفر لديهم شهادات أكاديمية.

أي أن الورقة هذه تتعامل مع أساتذة الجامعات والمحامين والإداريين وكل من يشملهم الانطباع الشعبي على أنهم مثقفون، وهي تركز على بعضهم الذين لم يعودوا يحيون ذكرى النكبة بأي شكل على اعتبار أن حق العودة قد سقط، أو أن العودة مستحيلة إلى درجة يصبح معها الإحياء دربا من دروب الاستعراض المبدد للجهد والوقت.

المثقف المنزوي والمثقف الناشط

هناك مثقف فلسطيني منزو عازل لنفسه عن الحياة العامة، ويفضل عدم المشاركة في النشاطات العامة الخاصة بالقضية الفلسطينية بغض النظر عن الجهة التي تقوم بها، وهناك المثقف الناشط الذي يشارك بنشاطات عامة تخص القضية، ويرى لنفسه دورا، مهما كان صغيرا، في التحرير أو في البحث عن حل لها. هذه الورقة تركز فقط على الناشطين الذين لا يرون في إحياء الذكرى أي فائدة، وتترك المنعزلين أو المنزوين جانبا على الرغم من الآثار المترتبة على هذا الانعزال. للمنزوي آثار قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية وذلك تبعا لعين الناظر. تبدو المساهمة العملية أحيانا ضرورية من وجهة نظر معينة لما قد يقدمه المنزوي في حال يقظته من خدمات، بينما تبدو أحيانا مدمرة لما قد يقوم به المنزوي في حال يقظته من تخريب.

المثقف المحبط والمثقف الواعي

هناك مثقفون فلسطينيون محبطون من تطورات الأوضاع على الساحة الخارجية بفعل عوامل خارجية وداخلية ويرون في مسألة إحياء النكبة عملية استعراضية لا فائدة منها. هؤلاء ينشطون أحيانا وفي بعض المجالات العامة، لكن وعيهم قد تأثر بالإحباط مما أحدث إرباكا فكريا. وهناك ناشطون يعون تماما ما يريدون ويحملون فكرا ومفاهيم واضحة حول ما يريدون. المثقف المحبط ليس مشمولا في هذه الورقة، والتركيز فقط على المثقف الواعي صاحب الرؤية الواضحة والمفاهيم المعرفة، والتي ترى في النكبة شيئا من الماضي لا يمكن استرجاعه إلى حق عودة.

تحدي حق العودة

النكبة هي اللجوء، وإحياء النكبة عبارة عن تذكير سنوي بالمأساة العظيمة التي حلت بالشعب الفلسطيني وتجديد العهد بالعمل من أجل عودة اللاجئين إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض المحتلة/1948. يكتسب إحياء ذكرى النكبة معناه من خلال الالتزام باسترداد الحقوق الفلسطينية، وإنهاء معاناة الفلسطينيين الممتدة على مدى عقود من الزمن. وإذا كان هناك من يرى في إحياء الذكرى دربا من دروب الابتعاد عن الواقع ومناجاة ما هو غير ممكن، أو من يرى فيه مجرد نشاط شكلي ينتهي بانتهاء الاحتفال فإنه يستهين بحق العودة ويتحداه. إنه لا يرى لهذا الحق مكانا للتطبيق أو أنه يرفضه ويرى في إسرائيل حقا واقعا، أو حقا في فلسطين لأسباب تاريخية ودينية أو إنسانية.

يأتي تحدّ كبير لحق العودة من بعض مثقفي فلسطين. هناك من يصر على حق العودة، لكن أصواتا مسموعة في وسائل الإعلام أو في بعض المحافل الدولية والمؤتمرات لا تجد في الإصرار على حق العودة أمرا منطقيا وإنما دربا من دروب التطرف الذي يهدد السلام والوئام. عدد لا بأس به من مثقفي فلسطين بخاصة بعض أولئك الذين يعملون في المنظمات غير الحكومية الممولة غربيا والذين يعملون مع السلطة الفلسطينية لا يرون في العودة قضية تستحق النقاش، ويدعون إلى حل “منطقي” لسكان المخيمات يتمحور أساسا في التوطين في دول عربية. هناك مثقفون منهمكون في التأكيد على أن اللاجئين لا يريدون العودة لأن لهم مصالح خارج الوطن، ومن الناحية العملية، لا يرون أن العودة تخدم مصالحهم. هناك مثقفون منهمكون في البحث عن بدائل لحق العودة وذلك لطرحها أمام اللاجئين. الافتراض الدراسي هو أن اللاجئين كانوا غافلين عبر هذه السنوات عن البدائل، وهم الآن بحاجة العقليات المفكرة للتفتق عن إبداعات سكنية. يرى هؤلاء المثقفون أن مشكلة اللاجئين عبارة عن مشكلة سكنية يمكن حلها ببناء عدد من الأبراج في أي مكان متاح.

هناك على الساحة الفلسطينية من يرى أن الإصرار على حق عودة اللاجئين يصب في دائرة التطرف والتعصب غير المجديين، بل والمدمرين، ذلك لأن إسرائيل تعتبر هذا الموقف تطرفا وإرهابا، ولم يعد تطبيق المواثيق الدولية التي كتبها أهل الغرب حول عودة اللاجئ إلى بيته وممتلكاته أو تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بعودة اللاجئين مقنعا بالنسبة لهم لأنها غير عملية. إنهم غير مقتنعين بأن علينا أن نحاور العالم من هذا الباب خاصة أنه يتعلق بوضع إنساني ويصب مباشرة في موضوع حقوق الإنسان الذي يتخذه الغرب أحيانا سبيلا لمهاجمة حكومات والطعن بشرعيتها، ويرون أن تحركنا يجب أن يبدأ من حيث ما هو ممكن نقاشه مع إسرائيل. أي أن سقف هؤلاء هو ما تحدده إسرائيل للنقاش أو المفاوضات.

هناك من يفكر بتوطين اللاجئين في الضفة الغربية على اعتبار أن ذلك يشكل عودة إلى فلسطين وليس إلى الملكية الخاصة. هذا أيضا لن تقبل به إسرائيل لأنها لا تريد زخما سكانيا عربيا مجاورا لها مما يهدد أمنها. ربما تقبل إسرائيل بتوطين لاجئي لبنان في الضفة الغربية كحل لمشكلة داخلية لبنانية وكمبرر للهجوم على حزب الله.

على الساحة الفلسطينية، هناك تنظير يسمى تنظير الواقع ومفاده أن الواقع الفلسطيني مرّ جدا، وأن إسرائيل قوية ومدعومة من أمريكا، ولا مجال أمام الشعب الفلسطيني إلا القبول بهذا الواقع. إنه واقع صعب ومجحف، لكن الحكمة تقتضي القبول به لأنه لا خيار لنا سوى هذا المدخل. هؤلاء يسمون أنفسهم واقعيين دون أن يميزوا بين القبول بالواقع وبين الاعتراف بالواقع بهدف تغييره. إنهم يظنون أن الواقعي هو الذي يقبل بما هو قائم، ولو كانت الواقعية هكذا لما تغير التاريخ أصلا. الواقعية هي أن تقرا الواقع كما هو لكي تخطط بشكل سليم بهدف التغلب على الصعاب والانطلاق في طريق التقدم. وعليه فإنهم يرون بأن المطالبة بحق العودة من خلال مهرجانات النكبة عملا خارجا عن المنطق الواقعي.

حراك السياسي الفلسطيني. إن من يقبل إسرائيل ويعترف بها قانونيا دون أن يشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين إنما يعتبر حق العودة تدخلا في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، ويعتبر نفسه متناقضا مع المتطلبات القانونية للاعتراف. وقد تغلغل هذا الواقع القائم في صفوف الفلسطينيين إلى درجة أن لاجئين فلسطينيين لم يعودوا يصرون على حق العودة أو يؤمنون به. ولهذا فإن إحياء ذكرى النكبة بالنسبة لهم عبارة عن تسلية، وحضور الاحتفالات عبارة عن إثبات وجود مؤقت لا تترتب عليه أي تبعات.

قواعد التحول الثقافي

لم يتحول مثقفون عن استغلال النكبة لمواجهة إسرائيل، ويتخلوا عن حق العودة من فراغ، وإنما بسبب برامج ثقافية وفكرية متعددة قد تعرضوا لها سواء من المستويات السياسية الداخلية أو الخارجية. تعرض الشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى الآن لهجمات ثقافية وفكرية مركزة ومتعددة بهدف سلخه عن قضيته والتنازل عن حقوقه والقبول بالأمر الواقع كحقيقة دائمة لا يملك مقومات تغييرها. عملت هذه الهجمات على تغيير العديد من المفاهيم الوطنية والدينية والإنسانية لدى الناس لأنها تعتبر نقاط الانطلاق العملي في مختلف المجالات، وإذا تمت إعادة صياغة تفكير المرء فإن مواقفه السياسية والاجتماعية والأخلاقية ستتبدل وتتغير. أرادت جهات عدة مثل القيادة الفلسطينية والأنظمة العربية وإسرائيل ودول غربية الولوج إلى داخل التفكير والثقافة الفلسطينيين ليسهل تمرير برامج سياسية يقع في مقدمتها الاعتراف بإسرائيل والتنكر لبعض الحقوق الفلسطينية مثل حق العودة.

هزيمة المفاهيم

نتحدث نحن العرب دائما عن الهزائم التي منينا بها في القرن العشرين، ونسهب بالشرح ونحاول أن نستخلص دروسا وعبرا، لكننا نغفل عن هزيمة قد تكون أكثر إيلاما من الهزائم العسكرية وهي هزيمة المفاهيم. قد تخسر أمم معاركا، وقد تخسر حروبا، لكنها لا تخسر نفسها إذا صمدت عند قناعاتها، والتزمت بمبادئها وبقيت وفية أمينة لحقوقها وعزتها وكبريائها، وهذا ما يوفر لها القدرة على التجديد ونفض غبار الهزيمة عن نفسها، ومن ثم إعادة الكرة لتستعيد ما فقدته من حقوق واحترام وكبرياء. الأمم لا تفككها الهزائم على الرغم من شدة وقعها وعظيم أثرها، لكنها تتفكك من الداخل عندما تختل المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والفكرية، فيصبح المرء ضد نفسه، والأخ في مواجهة أخيه، وتغيب البوصلة وينطمس الهدف.

تعرف الأمم بأشياء متعددة تأتي الثقافة على رأسها لأنها هي التي تميز الأمم عن بعضها، وهي التي تضفي الشخصية التي تعرف بها كل أمة. على الرغم من صعوبة تعريف الثقافة إلا أنها تعبر عن حصيلة حضارية تربط الماضي بالحاضر وتؤسس للمستقبل، وتحدد مفاهيم السلوك والعلاقات العامة والخاصة، وتؤصل لأخلاقيات النشاط في مختلف المجالات. تتميز كل ثقافة عن الأخرى من حيث المفاهيم والأداء والاهتمامات، وكل واحدة منها تشكل كلا متكاملا قادرا بشكل أو بآخر على الاستقبال والإرسال وإقامة الجسور مع مختلف الثقافات.

لهذا وجدت دول قوية وامبراطوريات أن أفضل الوسائل في السيطرة على شعب أو أمة تتمثل في تحويلها الثقافي بحيث تذوب شخصيتها ويتفكك تماسكها الداخلي. دول استعمارية كثيرة جربت الاحتلال العسكري والهيمنة الاقتصادية، لكنها في النهاية واجهت ثورة الواقعين تحت الاستعمار، وأصبح واضحا من الدروس التاريخية أن استمرار الاستعمار أو خضوع الشعوب يتأتى فقط من خلال الاستحواذ الثقافي الذي يحول الثقافة الأصلية إلى شيء من الماضي الذي لا قيمة له أمام ثقافة جديدة تتم صناعتها من قبل الدولة المهيمنة.

من أساليب تغيير المفاهيم

أساليب الدول والجهات الساعية إلى الهيمنة الثقافية والفكرية في الغزو الثقافي متعددة ولا نستطيع حصرها هنا، إنما هناك نقاط بارزة تترتب كالتالي:

إنزال الهزائم المتكررة بالطرف المستهدف من أجل أن يستصغر المرء نفسه ويتخلى عن ذاته، ويرى في المنتصرين مثله الأعلى؛

الإفقار من الناحية الاقتصادية حتى يبقى المستهدف بحاجة للهادف ويستجديه ويقبل بمستشاريه وأساليبه بمعالجة الأوضاع الاقتصادية؛

بث روح الاحتقار الذاتي لدى المستهدفين لتتشكل لديهم عقد النقص التي تدفعهم بالنهاية إلى التقليد. من شأن هذا نزع الثقة بالذات وبالعلماء المحليين والخبراء وأصحاب الفكر والرأي. نلاحظ أن مفكرين عربا قد ظهروا خلال هذه الفترة، لكن يندر أن نرتقي نحن العرب بهم إلى مصاف المفكرين الأجانب، علما أن مفكرينا وعلمائنا قد يكونون أرفع مستوى من غيرهم.

استعمال المنجزات العلمية والتقنية ليس بهدف التعاون الإنساني وإنما لإذهال الآخرين. وهنا يدخل التعامل الفوقي مع الأمم المتخلفة أو الأقل تقدما؛

تنصيب زعماء يلهثون وراء المصالح الشخصية والشهوات، وهم على استعداد دائم لتجيير الأمة بمقدراتها وثقافتها لصالح الآخرين.

تطوير برامج تعليمية وتثقيفية في الدول المستهدفة بطريقة تتمشى مع الفكر والثقافة الغربيين، كما يحصل الآن في الكثير من الدول العربية، وإقامة مراكز ومنظمات غير حكومية تروّج لمفاهيم الغير على حساب المفاهيم الأصيلة المعبرة عن هموم الناس. المراكز الغربية التي يقوم عليها عرب لقاء المال الأجنبي تنتشر الآن في أغلب البلدان العربية.

نماذج من تغيير المفاهيم

المفاهيم التي خضعت للتغيير لصالح مفاهيم جديدة كثيرة جدا، وأحاول هنا أن أبرز بعض النماذج الهامة:

الوحدة العربية: كان مفهوم الوحدة العربية طاغيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان جزءا أساسيا من ثقافة الناس من المحيط إلى الخليج، وتركز الخطاب العربي الشعبي والفكري والسياسي حول هذا المفهوم ووسائل تطبيقه على الأرض، وتم توظيف جهود كبيرة وطاقات هائلة من أجل الوصول إلى هدف الوحدة. الأمور اختلفت الآن بحيث أصبح الحديث عن الوحدة العربية دربا من دروب الخيال أو الوَهم، ولم يعد الشارع العربي مهتما بها كجزء من تفكيره وسلوكه السياسي. ظهرت على أنقاض مفهوم الوحدة العربية مفاهيم جديدة مثل التضامن العربي والعمل العربي المشترك.

حلت الآن فكرة الوحدة الوطنية محل الوحدة العربية، وبات من المهم كيفية الإبقاء على القطر العربي الواحد موحدا. لقد وصلنا إلى مرحلة اقتنعنا فيها أن الطموح الكبير يجب أن يتراجع لصالح حل المصائب الآنية التي تعصف بنا، وأصبحت وحدة كل من لبنان وفلسطين والعراق والسودان والصومال والجزائر على المحك.

تحرير فلسطين: يبدو أنه أصبح من العار أن يطالب المرء بتحرير فلسطين، ومن الوطنية أن يعترف المرء بإسرائيل، وأن يعتبر المطالبة بتحرير الأرض المقدسة دربا من دروب الهلوسة والتشنج وضيق الأفق. أصبح يتوارى الشخص الذي يطالب بالتحرير لأن المطالبة عبارة عن تهمة، وتعبر عن أفكار فيها البلادة والسطحية. استبدل العرب مسألة التحرير بعد عام 1967 بشعار إزالة آثار العدوان، ومن ثم تهاوى الشعار لمصلحة المفاوضات المباشرة، ومن ثم الأمن الإسرائيلي والتطبيع مع إسرائيل.

المقاطعة العربية للكيان الصهيوني: ساد شعار المقاطعة للعدو الصهيوني إلى درجة أن العرب كانوا يخرجون من قاعات الأمم المتحدة عندما يعتلي مندوب إسرائيل المنصة. الآن شعار التطبيع هو المرفوع من الناحية العملية، وهناك العديد من الأنظمة العربية تطبع العلاقات وتضغط باتجاهها، وهناك فلسطينيون يطبعون ويجندون الشبان والشابات للتطبيع مع أجيالهم من الصهاينة. مسؤولو إسرائيل يطوفون الوطن العربي الآن، والبضاعة الإسرائيلية تغزو الأسواق.

ينطبق هذا على مفردات ومفاهيم أخرى مثل الكيان الصهيوني الذي أصبح إسرائيل، والعدو الصهيوني الذي أصبح الجار أو الأخ أو الطرف الآخر. أنا ككاتب أشعر أحيانا بالحرج من استعمال المفاهيم الأصيلة بسبب توقعي أن بعض القراء لن يكملوا القراءة إذا لم يلمسوا وجود المفاهيم الجديدة.

المقاومة: تشهد الساحة العربية الآن غلبة مفهوم الإرهاب على مفهوم المقاومة، وأصبح من الاعتيادي أن يصف أشخاص في وسائل الإعلام المقاومين بالإرهاب، ويحملونهم مسؤولية الآلام العربية بدلا من تحميل الاحتلال أو الاستعمار. وقد تطورت جدلية نسمعها أحيانا على ألسنة قادة عرب مفادها أن المقاومين يتسببون برد عسكري مؤلم من قبل إسرائيل وأمريكا مما يوقع بالعرب الخسائر الجسيمة، وبما أننا لن ننتصر على هذه القوى فإن علينا عدم ممارسة الإرهاب والجري وراء طاولة المفاوضات.

الاعتدال: ما كان يعرف سابقا على الساحة العربية بأنه خيانة أصبح الآن اعتدالا، وما كان يعرف بالاعتدال أصبح الآن تطرفا. الاعتراف بإسرائيل اعتدال، والسير في طريق العولمة اعتدال، وكذلك فتح البلاد أمام الاستثمارات الأجنبية بشروط ميسرة جدا، وتغليب الاستهلاك على الإنتاج، والاعتماد على الغير بدل تطوير القدرات الذاتية.

عرب إسرائيل: في الأصل أن إسرائيل عبارة عن كيان غاصب ودخيل، لكن هذا المصطلح يغزو العقول الآن ويحمل بداخله موقفا معاديا للفلسطينيين في الأرض المحتلة/48 لأنه يعتبر أن الصهاينة هم الأصل، والفلسطينيين هم الطارئين.

مفردات عادية: إلى جانب تجاوز مفاهيم حيوية وأساسية في البناء العربي، ظهرت في اللغة مفردات جديدة لها بدائل معروفة. مثلا، كثيرون هم الذين يستعملون الآن كلمة “أجندة” والتي تعني الجدولة أو الروزنامة أو النتيجة أو البرنامج، وذلك وفق نية الاستعمال. أما كلمة سبتمبر التي تعني أيلول فقد غزت أرض الشام والعراق التي تتعامل أصلا مع الأشهر السريانية العربية.

التيه القومي

ربما يلاحظ الزائر لفرنسا أو ألمانيا أن هناك اعتزازا باللغة القومية، ويحرص الناس على استعمال لغتهم لأنها جزء من كرامتهم وعزتهم وهويتهم الثقافية. وربما يلاحظ الأجنبي الزائر لبلادنا أن الناس يحاولون مغازلته ببعض العبارات الإنكليزية التي تعني كيف الحال، ومن أين أنت. في بلادنا، يحاول العديد من الناس الذين يعرفون بعض الكلمات الأجنبية استعمالها لإظهار بعض أزماتهم النفسية الدونية. وقد لاحظت في بعض الفضائيات العربية محاولة إخضاع كلمات أجنبية للمثنى والجمع العربيين. بون سوار (bon Soir) تثنى بون سوارين، وتجمع بون سوارات.

التمسك بأصالة المفاهيم واللغة عموما يعبر عن الوعي بالذات القومية، وبالرغبة في دفع الأمة إلى الأمام. هذا التمسك لا يعني الانغلاق على الثقافات الأخرى، وإنما يعني الحرص والحماية من الذوبان وفقدان الذات. نحن يجب أن نوازن بين الانفتاح والحفاظ على الأصالة، بحيث لا ننعزل ولا نتوه.

المهمة شاقة

تعقدت قضية فلسطين مع الزمن ليس بسبب قوة الأعداء، وإنما بسبب تفتت الجبهة الداخلية العربية والفلسطينية، ولم تعد القضية الفلسطينية وما يتلازم معها من حقوق فلسطينية محط إجماع فلسطيني. مع الوقت، اتسعت دائرة المعركة واتسع مجالها وتمدد مداها، ولم يعد أمام الفلسطينيين عدو واحد لإلحاق الهزيمة به. الهزيمة أصبحت معششة في الداخل، ولا بد من هزيمة الهزيمة الداخلية أولا حتى يكون بالإمكان هزيمة العدو الخارجي. هناك مثقفون الآن يقدمون خدمات كبيرة وعظيمة للأجانب لقاء المال وبعض الامتيازات المادية، وهم ليسوا منزوين محرجين مما يصنعون، وإنما يجادلون بعيون واسعة من أجل التخلي عن الطرح التقليدي لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني، ويرون في البحبوحة الاقتصادية بديلا. ببساطة هم يقولون: ما الفائدة من العودة إلى فلسطين إذا كان الفقر سيكون سيد الموقف؟ أليس من الأفضل أن يعيش المرء حياة رخاء بدل أن يعيش على قطعة أرض يعشقها لكنها تفقره؟ أمام من يريد العودة أن يهزم هؤلاء أولا.

اقرأ بلغة English