المحكمة الدولية أداة في المعادلة االإقليمية

الدكتور عبد الستار قاسم

13 حزيران 2007

نابلس، فلسطين المحتلة

+970 9 2341617, 9 2341982, 599 377033

أقر مجلس الأمن الدولي إنشاء محكمة دولية خاصة بمحاكمة قتلة رفيق الحريري منتهكا بذلك سيادة دولة بطلب من أهل الدولة المنتهكة سيادتها. ليس غريبا على مجلس الأمن الدولي أن يتجاهل مبدأ الحرص على سيادة الدول، وليس غريبا على عرب أن يفتحوا أبواب بلادهم للبغاة. مجلس الأمن عبارة عن تجسيد للاستبداد العالمي الذي يمجد القوة والبطش والهيمنة من خلال عضوية دائمة لبعض الدول، وعرب كثر يسمسرون على الأمة العربية والأرض العربية منذ سنوات طويلة. التقى الظلم والاستبداد مع النذالة والصغار.

ستحاكم المحكمة الدولية من؟ من هو المتهم باغتيال الحريري لكي تحاكمه المحكمة؟ المتهم غير موجود، وقد لا يتوصل التحقيق إلى متهم. المحقق الخاص بالاغتيال يطلب تمديدا لمهمته من مجلس الأمن لمدة عام، والمجلس يتمتع بنفس طويل بخاصة أن آمال بعض أعضائه بتوجيه تهم تحوم حول سوريا. أنا لست قانونيا، لكن السؤال الذي يلوح في ذهني يدور حول مسألة الانتظار لغاية اكتشاف متهم. وما دامت الاستعجال هو العنوان، فتقديري جازما أن تشكيل المحكمة عبارة عن مسألة سياسية، بخاصة أن المحكمة بحد ذاتها تخالف الدستور اللبناني.

تشكيل المحكمة الدولية عبارة عن عمل سياسي وليس عملا عدليا، والمقصود منه ليس دماء الحريري وإنما مقاصد سياسية تخدم أغراض بعض الدول، وأغراض من يسهلون لها مهماتها في المنطقة العربية. بالتأكيد دم الحريري لا يهم أمريكا وإسرائيل، ولا بعض الفئات اللبنانية التي تتباكى عليه. (لو) كان الدم العربي يثير أعصاب أعداء الأمة، لما بعثوا علينا الطائرات والقنابل والصواريخ تقتلنا وتقتل أطفالنا ونساءنا في مختلف أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي. إنهم يستعملون دم الحريري من أجل تحقيق أغراضهم والتي لا يمكن أن تتطابق مع آمال الأمة وتطلعاتها. لقد أثبتت الأيام أن أهداف أمريكا وإسرائيل تتغذى على تطلعات العرب والمسلمين، وأن سياساتهما لا تبعثان إلا الدمار والأحزان. ولا يغيب عن أذهاننا الحرب الأخيرة على لبنان إذ صبت الطائرات الإسرائيلية المصنوعة أمريكيا والمذخّرة أمريكيا حممها على المدنيين اللبنانيين، وهدمت بيوتهم، وأحرقت مزارعهم.

المعادلة الإقليمية

تعيش أمريكا وإسرائيل هاجس تغير موازين القوى في المنطقة وذلك منذ العام 2000 عندما طرد حزب الله المحتل الصهيوني من الجنوب اللبناني. قيمت الدولتان إصرار حزب الله على القتال والمقاومة، وأخذتا عبرة من الروح القتالية التي تميز بها الحزب ومن التكتيك العسكري الذي كان يُتبّع لإيقاع أكبر الخسائر في صفوف الجنود الصهاينة.

أمريكا تراقب الوضع في إيران عن قرب وبالتفصيل منذ سنوات طويلة، وهي غير مرتاحة البتة من سياسة الاعتماد على الذات التي تنتهجها إيران في مختلف المجالات وعلى رأسها المجال العسكري. صممت إيران على تطوير البحث العلمي وعلى التطوير التقني، وكان واضحا أنها تحقق تقدما سريعا من خلال بعض الصناعات التي كانت تظهر بين الحين والآخر. وقد أثبتت حرب تموز/2006 أن غيران قد سارت بخطى حثيثة نحو التصنيع، وإن الانطباعات التي كانت سائدة عن تطور الصناعات الإيرانية لم تكن مجرد تكهنات. نجح حزب الله بتحييد الطيران الإسرائيلي من خلال التكتيك العسكري، ونجح في ضرب القوات البرية والبحرية من خلال الوسائل الحربية.

إذا نظرنا إلى المنحنى الأمني الخاص بإسرائيل والولايات المتحدة نجد أن تدهورا واضحا قد حصل، وأن تطورات الأوضاع في المنطقة العربية-الإسلامية لا تبشرهما بخير. بالنسبة لإسرائيل، عهد الحروب الخاطفة قد ولّى، وكذلك عهد العجز العربي غير القادر على التخطيط وغير الراغب بالتضحية والإقدام، قدرتها الاستخبارية قد أصيبت وهناك الكثير من التطورات على صعيد التنظيمات السرية وبعض الدول تجهلها إسرائيل وتؤثر بصورة حادة على استعدادها القتالي، والحرب لم تعد تجري فقط على الأرض العربية، وإنما تجري أيضا داخل التجمعات السكانية اليهودية. ذلك الاطمئنان الذي شعرت به إسرائيل بعد حرب 1967 لم يعد موجودا، وما هو موجود الآن يتمثل في جيش تنقصه القيادة التاريخية، وتنقصه المعنويات وروح الالتزام، وفي شعب يبحث عن اللهو ويغرق في الفساد. بالنسبة لأمريكا، لقد غزيت في قلب دارها، وها هي تعاني في أفغانستان والعراق بعد أن زفت بشائر النصر لشعبها، وهي تتخوف من اتساع دائرة الهجوم عليها وعلى مصالحها خارج حدودها. أي أن النتائج تأتي الآن على غير ما تمنت الدولتان.

لا يلوح في الأفق أن المشروع الأمريكي-الإسرائيلي في المنطقة سيرى النور، وواضح أن القوى العربية والإسلامية المناهضة له تكتسب زخما وقوة. ما العمل إذن؟ يكمن الحل في العودة إلى تكتيك قديم يتجدد باستمرار وهو زرع الفتن في المنطقة من أجل أن تستنزف طاقاتها في صراعات داخلية، وبذلك تضعف دول وتنظيمات الممانعة والمقاومةـ وتعود بعدها الدولتان بنصائحهما الكثيرة التي تركز على غباء العرب والمسلمين وتخلفهم، تعودان سيدتان ومرحب بهما من قبل العديد من الناس في المنطقة.

تتركز أعمال الفتنة الأمريكية-الإسرائيلية في العراق من حيث تأليب السنة والشيعة ضد بعضهما من خلال التفجيرات والقتل وسفك الدماء. حاولت الدولتان جاهدتين تجنيد أكبر عدد ممكن من المتشنجين من أجل صناعة حرب طائفية في العراق تتحول تدريجيا إلى حرب بين السنة والشيعة على اتساع العالم الإسلامي، وتتحول إلى حرب بن العرب وإيران. وبدل أن تكون الحرب عربية-إسرائيلية أو إسلامية-استعمارية تصبح عربية-إيرانية وسنية شيعية. استطاعت أمريكا أن تستقطب أنظمة عربية تضرب على وتر الطائفية والعداء للسنة، واستطاعت أن تستقطب مثقفين عرب ومنهم رجال دين السلطان ليدافعوا عن السنة ويستثيروا الهمم دفاعا عن السنة. طبعا أغلب هؤلاء لا يعرفون الله ولا يدخلون المساجد. انتشرت في الفترات السابقة مقولات كثيرة في الساحة العربية ضد الشيعة، وارتفعت حدة التحريض، لكن دولا عربية وكتابا ومفكرين تصدوا لهذا التوجه، ويبدو أن كفة المناهضين للفتنة والاقتتال قد رجحت.

لبنان وفلسطين

جنّ جنون الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والعديد من الأنظمة العربية بعد هزيمة إسرائيل في الجنوب اللبناني في تموز/2006. ظنت إسرائيل أنها ستقضي على حزب الله خلال أيام قليلة، واستبشرت أمريكا وبشرت بولادة “الشرق الأوسط الجديد”، وتفاءلت الأنظمة العربية آملة أن ينم القضاء على حزب الله وحصار سوريا وتقزيم إيران. أتت الأمور على عكس توقعاتهم، فانبروا يفكرون بما هم صانعون للتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب.

ربما يسأل ساذجة عربي عن إقحام الأنظمة العربية في المعادلة. كان لأنظمة الاعوجاج العربي (المسماة بالدول المعتدلة) موقفا واضحا من الحرب عبرت عنه إسرائيل مرارا وتكرارا وهو تحيض لإسرائيل على استمرار الحرب حتى تدمير حزب الله. لكن الأهم هو أن إسرائيل لا تشكل تهديدا للأنظمة العربية وإنما تهدد الأمة العربية، وإسرائيل معنية ببقاء الأنظمة ومقاومة كل من يقاومها. إسرائيل معنية باستمرار التخلف العربي والضعف والانهيار وتبذير الأموال، والأنظمة العربية خير من يضمن هذا الاستمرار ، ولهذا تبقى الأنظمة العربية حليفا موضوعيا لإسرائيل على الرغم من مطالبتها الخجولة لإسرائيل لإنصاف الفلسطينيين بعض الشيء.

سبق للأنظمة العربية وإسرائيل وأمريكا أن ضغطت من أجل إخراج سوريا من لبنان، ومن ثم تركز اهتمامهم على تجريد حزب الله من السلاح. أتت نتائج الحرب بمزيد من الضغوط من أجل تجريد الحزب من السلاح بطرق أخرى غير طريق الجيش الإسرائيلي. بدأت مشاريع الفتن تتوالى في لبنان على أمل جر حزب الله إلى حرب أهلية تنهكه وتهلكه. توالت الاغتيالات السياسية، وتوالت لاتهامات ضد قوى المعرضة اللبنانية وسوريا، واستمر الضغط الأمريكي على السنيورة من أجل تسيير لبنان بدون مشاركة كل القوى الرئيسية، وتم تجنيد أشخاص مثل وليد جنبلاط وسمير جعجع لتأجيج المشاعر ولستم سوريا وحلفائها بمناسبة وبدون مناسبة.

كان تقديري أن حزب الله لن ينجر إلى حرب أهلية، وكتبت في مقال لي فورا بعد انتهاء الحرب ناصحا قوى 14/آذار بعدم محاولة جر حزب الله إلى الحرب لأنه واع وصاح. وقد جاء الخبر اليقين عندما قامت قوى 14/آذار بالاعتداء على الموطنين في يوم الإضراب الشهير وقتلت بعضهم. وقف الجنرال ميشيل عون معلنا انتهاء الإضراب، وأصدر السيد نصر الله تعليماته بعدم الرد بالمثل.

ثم أتت مسألة نهر البارد في محاولة لجر الجيش اللبناني في صراع دموي مع الفلسطينيين الذين يمكن أن يهب حزب الله لنجدتهم. وبرز دور حركة فتح (عرفات) مظهرا الغيرة على المخيم محاولا تأجيج نار الفتنة في لبنان، لكنه اصطدم بموقف واضح من مختلف الفصائل الفلسطينية، وارتد سلطان أبو العينين غير قادر على تنفيذ ما طُلب منه.

هذه مسألة مرتبطة تماما بفلسطين التي تشهد اقتتالا داخليا. منذ اتفاق أوسلو والاقتتال الداخلي الفلسطيني متوقع، ولكن التوقعات تكثفت بعد فوز حركة حماس في انتخابات التشريعي. سقط فوز حماس على إسرائيل وأمريكا كأنه الصاعقة لأن كل الذي خططتا له مع القيادة الفلسطينية عبر السنوات قد أصبح في مهب الريح. كان لا بد من إشعال الفتنة في محاولة لإخراج حماس من الحكومة والعودة بعملائهما للسيطرة. بدأت المسألة بالحصار المالي على الشعب الفلسطيني بمشاركة الأنظمة العربية المعوجة، وامتدت لتشمل إرسال أسلحة وأموال لرئيس السلطة الفلسطينية. وقعت حماس في أخطاء سهلت على فتح خوض معركة داخلية، لكن الحذر ما زال قائما من زاوية رغبة الأنظمة وإسرائيل وأمريكا جامحة في توسيع الفتنة إلى مناطق أخرى مثل الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين في لبنان.

كان المطلوب ربط الفتنة في فلسطين في فتنة لبنانية، وجمعهما لتتحول مع العراق إلى فتنة عامة. هكذا تكون أمريكا وإسرائيل قد وفتا على نفسيهما عناء الجهود العسكرية للعودة إلى التوازن الإقليمي كما كان قبل عشرة سنوات. بالفتنة يقضي أهل البيت على بعضهم وتبقى الساحة مفتوحة أمام العبث الأمريكي والإسرائيلي.

المحكمة الدولية

تأتي المحكمة الدولية ضمن هذه الجهود الأمريكية الإسرائيلية العربية. إنها محاولة من قبل الولايات المتحدة لدخول لبنان وتفتيشه والتحقيق مع قياداته بغطاء دولي، وأيضا للدخول إلى سوريا واستدعاء قيادات والتحقيق معها. لقد عملت الولايات المتحدة كل ما بوسعها لإقناع الدول الدائمة العضوية بالموافقة على المحكمة على أمل ألا يكون هناك من يعترض على ما يسمى بالشرعية الدولية. ولم تدخر قوى 14/آذار جهدا في دعم هذه المحكمة ظانين أنها ستنقذهم من الوضع الذي هم فيه. سبق أن منّت أمريكا بعض العراقيين بالحرب، ولا أظن أن قوى 14/آذار ستحصد ما هو أفضل مما حصد أعوان أمريكا من أهل العراق.

أمريكا ليست معنية بدم الحريري، وليست معنية بدم أي عربي سواء كان من أصدقائها أو من أعدائها، وسيكتشف اللبنانيون جميعا هذه الحقيقة عاجلا. أمريكا لا تبكي الحريري وإنما تبكي المعادلة الإقليمية الغابرة التي كانت تسح لها بعمل ما تريد وقتما تريد. الآن الوضع اختلف، ومن الحكمة أن يحاول اللبنانيون تفسير الأحداث في ديارهم بناء على من يجني مصلحة.

سيادة لبنان

من اللبنانيين من يجادل بأن سيادة لبنان على المحك، وأنه من المطلوب أن يناضل اللبنانيون من أجل سيادتهم، أو من أجل استقلالهم، حسبما يردد بعضهم.

سيادة الدول عبارة عن مسألة نسبية إذ لا توجد دولة واحدة في العالم صاحبة سيادة مطلقة بمن فيها الولايات المتحدة الأمريكية. السيادة المطلقة تعني عدم وجود كوابح أمام إرادة الدولة ورغباتها، وعدم حساب ردود فعل الآخرين مهما كانت الإجراءات والسياسات التي يمكن اتخاذها بحقهم أو ضدهم. الولايات المتحدة لا تملك هذا النوع من السيادة لأن عليها أن تحسب وتفكر وتتردد حتى لو كانت إجراءاتها أو سياساتها حيال دولة ضعيفة. إنها لا تستطيع عزل نفسها عن العالم، ولا تستطيع أن تغضب كل العالم، ولا تستطيع تحيق استقلال في كل احتياجاتها. فإذا كانت الدولة الأعظم تفتقر إلى السيادة المطلقة، فإن الدول الأقل قوة لا تملكها أيضا.

عندما يتحدث علماء السياسة عن السيادة إنما يحصرون حديثهم عنها حيال الآخرين وليس حيال الأشياء. إنهم لا يتحدثون عن سيادة حيال العواصف والأعاصير والزلازل وحرارة الشمس الحارقة، وإنما حيال أناس آخرين أو دول، ولهذا هم ينظرون بصورة مركزة على قدرة الدولة على مواجهة الأخطار المترتبة على أطماع الآخرين أو نزواتهم أو رغباتهم أو تهديدهم. هل الدولة قادرة على رد الأعداء ومواجهة الأطماع وحماية مواطنيها ومصالحها، وعلى التعاون مع الدول الأخرى بمحض إرادتها ووفق ما تراه مناسبا لها؟ إذا كانت قادرة فهي ذات سيادة وتستطيع الدفاع عن نفسها، أما إذا كانت غير قادرة على الدفاع عن نفسها فهي ستبقى تحت وطأة الآخرين أو تحت وصايتهم وفي كنفهم.

أمريكا مثلا تستطيع الدفاع عن نفسها وعن مصالحها على الرغم من أنها لا تستطيع، كما ذكرت، تحقيق كل ما تريد بصورة مطلقة؛ أما لبنان فلا تستطيع الدفاع عن نفسها. من المتوقع أنه كلما ارتفعت قدرات الدولة على الدفاع عن نفسها أو على الاعتداء على الآخرين بنجاح تكون أكثر قدرة على تحقيق سياساتها وتطلعاتها؛ وكلما تدنت هذه القدرة انحدرت قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها. لبنان دولة ضعيفة ولا تستطيع الدفاع ولا تستطيع الاعتداء، ومن المتوقع أن تبقى تحت طائلة من هو أكثر قوة أو قدرة منها.

تتحدث لبنان اليوم عن سيادة الدولة وتصر عليها. هذا حديث لا يصمد أمام الحقيقة الماثلة أمامنا وهي أن لبنان ضعيفة عسكريا واقتصاديا وأمنيا، ولا تقوى على توفير الأمن لمواطنيها بإرادتها الحرة وبقدراتها الذاتية، ولا يمكنها توفير ذلك إلا بإرادة آخرين مثل إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما. هناك فرق شاسع بين الشعار والكلام الساخن وبين الحقيقة الموضوعية الماثلة والتي تفرض نفسها على كل التمنيات والخطابات السياسية. ولهذا أتت القوات الدولية إلى لبنان وبموافقة الحكومة وترحيبها، وهي خاضعة لقيادة الأمم المتحدة التي تخضع، في الغالب، لإرادة الولايات المتحدة. ثم إن دخول القوات الدولية إلى لبنان عبارة عن مطلب إسرائيلي ولتنفيذ مهام في الداخل اللبناني وعلى رأسها منع تواجد أي سلاح جنوب الليطاني غير سلاح الجيش اللبناني.

يجري الحديث أيضا عن الجيش اللبناني كمؤسسة لحماية المواطنين في لبنان ولبسط سيادة الدولة وذلك من قبل حكومة لبنان ومن قبل إسرائيل وغيرها من الدول. في وضعه الحالي، الجيش اللبناني لا يستطيع حماية لبنان أو المواطنين اللبنانيين، وهو بحاجة لمن يدافع عنه إذا قررت دولة مجاورة الهجوم على لبنان. الجيش اللبناني لا يستطيع إقامة سيادة، لكنه يشكل مؤسسة يمكن اعتبارها جزءا من الكيان اللبناني، بالضبط كما هو الحال في أغلب الدول العربية. الجيوش العربية لا تستطيع حماية مواطنيها من زحف أو عدوان دول قوية، وفي أحسن أحوالها تستطيع ملاحقة المواطنين ومقاتلة بعضها بعضا أو مقاتلة جيوش دول مجاورة. هذه دول عبارة عن كيانات ولا ترتقي إلى مفهوم الدولة في العلم السياسي. صحيح أن لها جغرافيا وسكانا وقوانين، لكنها حقيقة تأتمر كثيرا بأوامر الآخرين. الجيوش العربية تستطيع فقط حماية المواطنين بإرادة الغير وليس بإرادتها الحرة.

إذا كان لنا أن نمسك بنقطة الأمن والحماية من الاعتداءات والدفاع عن القرارات الذاتية، حزب الله أكثر قدرة من الجيش اللبناني، وثبت أنه يشكل نوعا من الردع على الرغم من الخسائر الهائلة التي لحقت بالمدنيين اللبنانيين والبنى التحتية. صمد حزب الله على مدى أكثر من شهر في مواجهة أعتى الجيوش في المنطقة، بينما لا يستطيع الجيش اللبناني الصمود يوما واحدا. (لو) كانت إسرائيل ستحارب الجيش اللبناني لما كانت مضطرة لضرب البنى التحتية والمدنيين لأن الجيش سرعان ما ينهار، ذلك على عكس قتال حزب الله إذ تم ضرب المدنيين لتحقيق ضغط داخلي على الحزب الذي بقي صامدا وقادرا على الرد بقوة على إسرائيل.

فإذا كانت لبنان حريصة حقيقة على سيادتها فإنه من الأفضل لها أن تدعم حزب الله وتوفر له كل الأسباب الداخلية والخارجية لإسناده، أما إذا كانت تريد البقاء كأي دولة عربية أخرى تتاجر بالشعارات الخاوية فإنها ستبقى تتحدث عن نزع سلاح حزب الله. ولهذا لا يمكن النظر إلى دعوات الذين يصرون على نزع سلاح حزب الله على أنها حسنة النية، وإنما ينظر إليها على أنها إضعاف للبنان أمام القوى الخارجية. ويبدو أن الطريق العربية نحو السيادة تمر عبر قهر القوى القادرة على الدفاع عن الأمة وليس عبر مواجهة أعداء الأمة.

وإذا كان اللبنانيون حريصين على السيادة فإنه من المتوقع أن يرفضوا المحكمة الدولية التي تستبيح الأرض اللبنانية والمؤسسات السيادية. ما نراه أن لبنانيين ناضلوا طويلا من أجل إقامة هذا المحكمة مما يدل على أن الاهتمام ليس بالسيادة وإنما بتلبية متطلبات الغير.

تحالف المظلة الأمريكية

لا يخفي الأمريكيون دعمهم وتحالفهم مع رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس وزراء لبنان ورئيس وزراء العراق ورئيس وزراء إسرائيل ودول الاعوجاج العربي وعلى رأسها الأردن ومصر والسعودية. الأمريكيون أصحاب جرأة وشجاعة ويقولون صراحة ما يريدون ويتحدثون بوضوح عن أصدقائهم، لكن عليهم أن يعيدوا التفكير بصداقة العرب الذين لا يملكون شجاعة مواجهة الجماهير بحقيقة صداقاتهم.

الضغط على الطرف الآخر من المعادلة والمتمثل في حزب الله وسوريا والمقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية وإيران سيستمر وسيقسو، لكن تقديري أن عهد الهزائم العربية قد ولى عام 2000، والمعركة القادمة لن تكون بهدوء معركة عام 2006.

اقرأ بلغة English