الزحف الإسرائيلي نحو الصين
الدكتور عبد الستار قاسم
تعرب أمريكا بين الحين والآخر عن امتعاضها من السلوك الإسرائيلي تجاه الصين طالبة التوقف عن الاتجار بالتقنية الحديثة المتطورة. سبق أن حاولت إسرائيل بيع طائرات بدون طيار من صنعها للصين، واحتجت أمريكا وضغطت من أجل إلغاء الصفقة، وحسب وسائل الإعلام والصمت الأمريكي، توقفت إسرائيل عن الإتمام. في هذه الآونة، تتحدث أمريكا باستياء عن تزويد إسرائيل للصين بتقنية متطورة، وتطالبها بالتوقف. وتشير بعض وسائل الإعلام أن هذه الصفقة الإليكترونية قد صبغت اللقاءات بين مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بنوع من التوتر.
بالتأكيد من مصلحة الولايات المتحدة أن تضع العراقيل أمام التطور التقني الإليكتروني الصيني، وأن تدوس على كل الكوابح والفرامل المواتية من أجل تخفيض سرعة الصين نحو الثورة الإليكترونية. الصين منافس قوي وتتطلع نحو الريادة العالمية ولأن تكون دولة ذات شأن عظيم بين الأمم على مختلف صعد الحياة. أمريكا الآن هي القطب الواحد الذي يتمتع بالهيمنة والقول الفصل، ولا تريد منافسا يمكن أن يؤثر جديا على موازين القوى فيصبح الواحد اثنين. تشكل الصين الآن هاجسا عسكريا واقتصاديا للولايات المتحدة، فكيف يمكن أن تتطور معادلة التنافس إذا أصبحت الإليكترونيات والفوتونات جزاءا حيويا من التصنيع الصيني؟
لكن إسرائيل تحسبها أيضا وفق مصالحها. الصين دولة واعدة، وربما تكون دولة المستقبل الذي يبسط أذرعه في كل اتجاه على المستوى العالمي، ومن الصعب لعاقل أن يتجاهل هذا التطور المتوقع. إذا نظرنا إلى الخلف، نجد أن الحركة الصهيونية توجهت بداية نحو الدولة العثمانية من أجل تحقيق طموحاتها لأن فلسطين كانت جزءا منها، وكان بإمكان الدولة أن تسن القوانين المناسبة لتحقيق الرغبات الصهيونية. وعندما فشلت قررت التوجه إلى الدول الأوروبية التي كان من المتوقع أن تقضي على الدولة العثمانية وتستولي على فلسطين. وبعدما رأت أن كفة بريطانيا ترجح على كفة فرنسا، رمت بثقلها في لندن من أجل أن تتبنى بريطانيا طموحها بإقامة الوطن القومي لليهود. وعندما أيقنت أن أمريكا باتت تتفوق على الدول الأوروبية إبان الحرب العالمية الثانية، حزمت أمتعتها وتمترست على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي. المعنى أن الحركة الصهيونية لم تكن تعبأ بصداقات وروابط، وإنما كانت تهتم بمصالحها هي من أجل تحقيق أهدافها.
عندما أيقنت أن مرحلة ما بعد عام 1967 تتطلب أسلحة أكثر حداثة وتطورا، وتتطلب دعما سياسيا قويا. أما الأمم المتحدة التي ارتكزت إسرائيل على قراراتها فلم تحظ بأي احترام، وقررت إسرائيل مع أمريكا البحث عن حل للصراع العربي الإسرائيلي خارج الأطر والهيئات الدولية.
كما هو واضح وحسب المثل العربي: “إسرائيل مع الحيط الواقف.” إسرائيل تعمل لذاتها وليس من أجل صداقاتها، والصداقة ليست إلا مطية نحو الوصول إلى الأهداف الذاتية. مصلحة الدولة هي العليا، وكل ما عدا ذلك يتراجع في سلم الأولويات. هذا هو منطلقها بالزحف نحو الصين. إنها ترى أن الصين دولة عظيمة عملاقة وتتقدم حثيثا في مختلف المجالات، وتغزو العالم في كثير من الصناعات، وهي أعتى من أن تندثر أمام غزو أجنبي أو أن تهتز أمام عقوبات يمكن أن تفرضها أمريكا.
من مصلحة أمريكا ألا تتعاون إسرائيل مع الصين في مجالات تعتبرها استراتيجية، ومن مصلحة إسرائيل أن تضمن لنفسها علاقة بالصين، ومن مصلحة الصين أن تحصل على تقنية متطورة من إسرائيل. مصلحة إسرائيل في النهاية هي التي تحسم الجدلية، ولا يمكن للضغط الأمريكي أن يثمر إلا بمقدار ما تراه إسرائيل جزءا من مصالحها. ستمضي إسرائيل وربما بطريقة سرية نحو إقامة علاقات مع الصين لتضمن أن هذا العملاق لن يكون عقبة في المستقبل أمام سياساتها في المنطقة العربية، وإنما إلى الدرجة التي لا تهدد فيها مصالحها الحيوية مع الولايات المتحدة. أي أن إسرائيل ستبحث دائما عن نقطة التوازن التي تضمن لها الحياد أو الدعم الصيني واستمرار الدعم الأمريكي.
مرت فترة كانت تشعر فيها إسرائيل بالضيق بسبب صداقة الصين مع العرب ودفاعها عن وجهة النظر العربية فيما يخص القضية الفلسطينية. وقفت الصين مع فصائل المقاومة الفلسطينية وقدمت دعما لها سواء في مجالات التدريب أو النشاط الدبلوماسي، الأمر الذي رأت فيه إسرائيل نجاحا عربيا. أما الآن وبعد أن أدار العرب ظهورهم لأغلب أصدقائهم ومؤيديهم، أصبحت الفرصة مواتية أمام إسرائيل لقلب ظهر المجن.
بالنسبة لإسرائيل، كل الأمم عدا العبرانيين أنجاس ويجب استخدامها لخدمة الشعب المقدس، والصداقة معها ليست إلا من قبيل المصلحة. هكذا نقرأ في كتبها المقدسة، وهكذا نرى تاريخ علاقاتها مع الأمم. أليست إسرائيل هي التي تتجسس على الولايات المتحدة وتبث العيون والعملاء في ذات الوقت الذي تقدم لها أمريكا كل أنواع الدعم والمساندة؟