يمين إسرائيل في الحكم

الدكتور عبد الستار قاسم

تتخوف أنظمة عربية وبعض الدول الغربية المعنية بإنجاح العملية التفاوضية القائمة حاليا في المنطقة من صعود اليمين، أو الأطراف الدينية إلى الحكم سواء كان على هذا الجانب أو ذاك بسبب مواقفها العقائدية (الآيديولوجية) من الصراع الدائر. وقد سبق لدوائر سياسية أن ارتجفت من فوز نتانياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية في العقد الأخير من القرن الماضي، ومن فوز شارون قبل عدة سنوات. وارتجفت أيضا عندما فازت حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ووضعتها تحت الحصار دون استثناء الشعب الفلسطيني.

هناك تخوف الآن من أن نتن ياهو وشركاءه سيعقّدون العملية التفاوضية المعقدة أصلا، وسيعملون على تنفيذ سياساتهم التي قد تقضي على أهم فكرة في كل العملية وهي فكرة دولتين لشعبين. وبهذا تدخل المنطقة ضمن دوامة جديدة تضيف على الدوامات القائمة، ومن ثم تتضاءل الآمال، وتتراجع التوقعات، ويعلو الصليل على الهديل.

فكر نتن ياهو

أشار نتن ياهو في كتاباته على رأسها كتاب مكان تحت الشمس إلى ما يؤمن به، وأذكر هنا بعض أهم الأفكار التي تخدم موضوعنا اليوم. يؤمن نتن ياهو بأن أرض إسرائيل يجب أن تكون تلك التي طالبت بها المنظمة الصهيونية العالمية أمام عصبة الأمم والتي تشمل فلسطين الانتدابية والشريط الغربي من شرقي الأردن وجزءا من جنوب غرب سوريا الصغرى والجنوب اللبناني. ويقول بأن الأرض التي قامت عليها إسرائيل عام 1948 تساوي فقط 15% من مساحة الأرض المطلوبة. لكنه بسبب الظروف السياسية يقول للعرب بأن الضفة الغربية وغزة تساويان فقط 5% من الأرض، وأن عليهم ألا يستكثروا ضم هذه المساحة لإسرائيل لأنهم قد سرقوا 80% من أرض إسرائيل في صك الانتداب.

بالنسبة للسكان، يؤمن نتن ياهو بأن العرب الفلسطينيين عبارة عن طارئين على الأرض المقدسة، وهم قد قاموا على أمرها أثناء غياب أهلها الشرعيين وهم اليهود، والآن على الفلسطينيين أن يرحلوا لأن اليهود قد عادوا. وهو يؤمن بما تورده التوراة حول ضرورة تطهير الأرض المقدسة ممن تصفهم بالنجس الذي يُغضبون الرب باستمرار. إنه مع طرد الفلسطينيين سواء المتواجدين في الأرض المحتلة/48 أو المحتلة/67.

لكن الظروف السياسية لا تجعله يتفوه بمثل هذا الآن، ولا بد ان نسمع منه عبارات تتماتشى مع فكرة التفاوض والحلول السلمية بهدف التطييب وعدم الإثارة، لكننا نتوقع رؤية أفعال تصب في النهاية في تحقيق أهدافه، وأهداف من يحالفهم في الائتلاف الحكومي. لكن من المهم أن ننتبه بأن حلفاء نتن ياهو من الأحزاب الدينية البحتة أكثر تطرفا منه، ومنهم من يتبنى الترحيل (الترانسفير) عنوة، ومن المحتمل أن يحاول اتخاذ إجراءات تجعله قادرا على البقاء رئيسا للوزراء دون الإخلال بقدرته على التعامل مع العالم، وعلى تنفيذ ما يريد بنعومة وبأدنى درجة من الضجة.

تجربة سابقة

سبق أن شغل نتن ياهو منصب رئيس وزراء إسرائيل، وكان قبل ذلك قد أعلن، أثناء حملته الانتخابية، بأنه لا يوافق على الاتفاقيات التي تم عقدها مع منظمة التحرير، وقال بأنه لن يجتمع مع عرفات، ولن يوقع معه اتفاقيات. لكنه اتصل بعرفات هاتفيا مباشرة بعد تشكيل الحكومة، وجلس معه بعد ذلك، ووقع معه اتفاقية الخليل. وقد استمرت حكومته بالتعامل مع السلطة الفلسطينية كما فعلت حكومات ترأسها حزب العمل، وبقيت الاتصالات مستمرة حول مختلف القضايا المدنية والأمنية.

استمرت حكومته بالقيام بمختلف الإجراءات العدوانية المعهودة ضد الشعب الفلسطيني، وبدون تميز واضح أو ذي قيمة إحصائية هامة عما كانت تقوم به حكومات سابقة. استمرت مصادرة الأراضي، واستمر الاستيطان والاعتقال ووضع الحواجز والتضييق على المصالح واقتلاع الشجر وهدم البيوت. سياسة إسرائيل الأمنية والعسكرية بقيت مستمرة على ذات الوتائر السابقة، وبقيت سياسات التضييق المدني متبعة أيضا. وقد سبق لحزب العمل أن أشار علنا متحديا الليكود بأنه (اي حزب العمل) قد وسع الاستيطان أكثر مما وسع الليكود.

ماذا ستفعل الحكومة الإسرائيلية المتوقعة

هناك عدد من القضايا التي ستشغل بال الحكومة القادمة، وعدد من الإجراءات المتوقعة التي ستشغل بال العديد من الأنظمة العربية والدول الغربية، وعملية الترقب ستبقى قائمة ما دامت هذه الحكومة تمسك بزمام الأمور. أعدد من هذه القضايا التالي:

أولا: يحاول نتن ياهو الآن وأثناء عملية تشكيل الائتلاف أن يخفف على نفسه ضغط الأحزاب الدينية بقدر الإمكان من خلال إيجاد ائتلافيين من حزبي العمل وكاديما. صحيح أن نتن ياهو يتفق كثيرا مع إسرائيل بيتنا ومع الأحزاب الدينية لكنه بالتأكيد لا يفضل البقاء أسيرا لهذه الأحزاب، وسيحاول توسيع ائتلافه بطريقة يضع كوابح على شهوات المتدينين. ولهذا اجتمع مرارا وتكرارا مع أقطاب حزبي العمل وكاديما، ونال موافقة حزب العمل في النهاية على المشاركة.

ثانيا: الهم الأكبر أمام إسرائيل هو إيران، وسيعمل نتن ياهو على الاستعداد على الهجوم على منشآتها النووية، وتحريض الولايات المتحدة على المساعدة أو المشاركة. وطبعا سيركز على رد الفعل الإيراني المحتمل والاحتياطات العسكرية التي يجب أن تتخذها إسرائيل في حال حصل ما هو ممكن. ستحاول الولايات المتحدة كبح إسرائيل عن القيام بعملية عسكرية ضد إيران بسبب ما تعاني منه من مآزق ومشاكل، لكن المسألة النووية ستبقى على سلم الأولويات.

ثالثا: سيعطي نتن ياهو خدمة شفوية لحل الدولتين، لكنه سيسير على درب من سبقوه من إسرائيليين وأمريكيين من حيث التعامل مع القضية الفلسطينية على أنها مشكلة أفراد يبحثون عن لقمة خبز، وليست مشكلة شعب يصر على وطن. هناك من يندب حظه الآن على اعتبار أن نتن ياهو لا يؤمن بحل الدولتين، وأنه سيفسد كل العملية التفاوضية ولن يبقي لها معنى أو مضمونا. من الناحية العملية، هذا ندب غير حقيقي لأن حل الدولتين لم يكن أبدا آخذا بالتبلور، ولم تكن هناك جدية إطلاقا في الوصول إليه لا من قبل العرب ولا من قبل الأمريكيين، والغربيين عموما.

حتى الآن لم يعرّف أحد على الساحة الدولية معنى إقامة الدولة الفلسطينية، وهم يتحدثون عن المسألة بعبارات فضفاضة عامة دون تحديد. ما هي هذه الدولة، وهل ستكون ذات سيادة؟ هل سيكون لها جيش وحدود مفتوحة مع البلدان العربية؟ وهل سيكون لها تمثيل دبلوماسي حر؟ كل ما فهمناه حتى الآن من إجراءات عملية تمت على الأرض بأن إسرائيل ومعها أمريكا تعملان على إقامة كيان فلسطيني يعمل وكيلا أمنيا لإسرائيل فقط مقابل لقمة الخبز. وقد لاحظنا عبر السنوات السابقة أن إسرائيل تركز فقط على تقديم تسهيلات في الحياة اليومية للشعب الفلسطيني مقابل واجبات أمنية مطلوبة من السلطة الفلسطينية. طبعا تقوم إسرائيل بتعقيد الحياة اليومية باستمرار لكي تكون محور التفاوض بدل الحقوق الوطنية المشروعة والشرعية للشعب الفلسطيني. أرى أن نتن ياهو سيستمر على ذات الوتيرة.

رابعا: سيستمر الضغط المالي على السلطة الفلسطينية من أجل الاستمرار في أداء مهامها الأمنية، وسيستمر الحصار على قطاع غزة لتليين موقف حماس من مسألة الاعتراف بإسرائيل. الدول الغربية والعربية ستبقى شريكة لإسرائيل في هذه المهمة.

خامسا: سيعمل نتن ياهو على توسيع الاستيطان وبنوع من الصلافة والتبجح. هنا سيصطدم مع الولايات المتحدة، إنما صدام الأحبة وليس صدام المتخاصمين. تحتاج الإدارة الأمريكية الجديدة نوعا من الاسترخاء فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي بسبب متاعبها الجمة داخليا وخارجيا، وهي معنية بعدم إحراج الأنظمة العربية التي تدور بفلكها بالمزيد. ولهذا يمكن أن تجد الدولتان نفسيهما في وضع مشابه لذاك الذي نشأ إبان رئاسة شامير للوزراء إذ رفضت أمريكا تقديم ضمانات مالية لإسرائيل إلى حين. لكن يجب عدم الإفراط في التفاؤل حيال موقف أمريكا لأنها لا تؤيد أصلا إقامة دولة فلسطينية حقيقية، وتخشى سيادة فلسطينية على أي شبر من أرض فلسطين. الأمريكيون يغزلون ناعما مع الفلسطينيين بهدف كسب الوقت لحين تطويع الشعب الفلسطيني تماما لمصالح الأفراد الخاصة. هذا إن استطاعوا.

خلاصة

يعتبر الانشغال بالانتخابات الإسرائيلية والأمريكية والإدارات التي يمكن أن تتمخض عنها من المظاهر الفجة للعجز العربي والفلسطيني. نحن ننتظر منذ عشرات السنين نتائج هذه الانتخابات علها تفرز من يحل لنا مشاكلنا. تاريخيا، الذي ينتظر غيره لحل مشاكله لا يريد حل هذه المشاكل، وإنما يبقى متعلقا بغيره كتبرير لعجزه وقلة حيلته. صحيح ان القوى الخارجية لها تأثير، لكن السبب الأول في الهزيمة أو الانتصار، النجاح أو الفشل، التقدم أو التأخر هو أنا، أو طاقاتي الذاتية التي أوظفها وفق منهجية علمية وتفكير علمي وتطبيق دقيق. وتقديري أننا ما دمنا نبحث عن قرش في جيوب غيرنا، فإننا سنبقى عبيدا لهذا القرش.

الحل لمواجهة نتن ياهو هو العمل على الاعتماد على الذات. الأمر ليس سهلا، لكن علينا أن نحاول، وكلما ارتفعت نسبة حريتنا الذاتية تقلصت حرية نتن ياهو في العمل ضدنا بنجاح.

اقرأ بلغة English