القدس يحميها أهلها
الدكتور عبد الستار قاسم
بدأت إسرائيل نشاطها الاستيطاني في القدس مباشرة بعد احتلال عام 1967. أعلنت عن المدينة موحدة في 28/حزيران/1967، وأخذت تبني المستوطنات، وتسير قدما في تهويد المدينة. منذ ذلك الحين، تحقق إسرائيل الإنجازات، ونحن نطلق الكثير من الصيحات والنداءات. لقد كتبنا الكثير عن سياسة إسرائيل التهويدية للمدينة المقدسة، وصرخنا كثيرا، وناشدنا الدول العربية والإسلامية والجامعة العربية والمنظمات الإسلامية، وناشدنا دول العالم، وتجولنا كثيرا قافزين من هذه الدولة إلى تلك، وعقدنا المؤتمرات السياسية والدراسية، وألفنا الكتب والقصص والأساطير، الخ. وقد انتزعنا قرارات هامة من الجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت فيها على أن القدس مدينة محتلة، وقالت لإسرائيل أن لا حق لها في تغيير المعالم التاريخية للمدينة. وعملنا على جمع الأموال من أجل إنقاذ القدس، وقدمت دول عربية بعض الأموال، وخصصت القمم العربية مبالغ للمدينة ومؤسساتها.
كل ما قمنا به لم يردع إسرائيل، ولم يغير شيئا من سياساتها ومخططاتها وإجراءاتها, هي مستمرة في ذات السياسة منذ عام 1967، ونحن مستمرون أيضا في ذات السياسة التي اتبعناها. إسرائيل تحقق النجاح، ونحن نستهلك الكثير من الكلام الحماسي الفارغ، وعبارات الانتماء الجوفاء التي استعملناها عبر الزمن. إنني أدعو القارئ لتبين الأمر، وسيجد أننا أوفياء لأساليبنا العقيمة، وإسرائيل وفية لأساليبها الناجحة، ولسان حالها يقول “انبحوا كيفما شئتم، فأنتم لستم بلاعبين.”
كي لا يصر على تكرار الفشل، أو اتباع ذات الوسائل والأساليب التي استعملها في طريقه إلى الفشل. إنه يتعلم من تجاربه فيغير ويبدل ويطور من أجل أن ينجح. ومن حيث أننا لا نغير ولا نبدل فإننا إما فاشلون أغبياء أو أننا لا نريد أن ننجح. وأنا أرجح أننا لا نريد أن ننجح لأن إرادتنا ضعيفة، ولأن مصالح قادتنا تطغى على القدس ومختلف قضايا الشعب الفلسطيني. لا شك أن الظروف التي نواجهها قاسية، لكنه مفهوم تاريخيا أن اشتداد قسوة الظروف يرفع من مستوى التحديات ومن ثم من مستوى إبداع الذين يواجهون التحدي. ويبدو أننا لا نريد أن نبدع.
كان من المفروض أن نحسب جيدا منذ البداية، وأن تتوفر لدينا برامج فكرية وثقافية وتربوية واضحة المعالم وهادفة إلى تماسك الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وإلى تعزيز الانتماء للشعب والوطن ومختلف القضايا الوطنية. كان الأجدر بنا تعزيز الإنسان وقدرته على التحمل والتضحية من أجل تحقيق الهدف الواضح للجميع لا أن نستسيغ الاعتماد على الغير ونتبع سياسات من الفساد والتهالك تقضي على النسيجين الاجتماعي والأخلاقي، وتحول الشعب إلى مجرد أفراد يبحث كل منهم عن مصالحه الخاصة حتى لو كانت على حساب المسجد الأقصى. (لو) كنا على وعي عملي بدورنا التاريخي في الحفاظ على الهوية والوطن، لما أنجزت إسرائيل ما أنجزته حتى الآن، ولما تدهور حاالنا إلى ما نحن فيه ذلك لأن التماسك ووضوح الهدف والانتماء يعزز الخطوات على الأرض، ويمكننا من تطوير السياسات التي يمكن أن تحد من أطماع الاحتلال، وتشجع الآخرين من العرب والمسلمين على مد يد العون. يرفع أهل العزوة من مساعداتهم إذا أيقنوا أن أموالهم تصب في أيد أمينة، ويمتنعون إذا رأوا أن أموالهم تتبخر بقليل من الأثر الطيب.