أمراء الزعرنة
الدكتور عبد الستار قاسم
يظن كثيرون أن الفوضى التي تجتاح غزة والضفة الغربية سببها عدة زعران لا يعرفون معنى المصلحة الوطنية ولا يوجد لديهم رادع أخلاقي. وكثيرون هم الذين يحاولون إصلاح الوضع من خلال معالجة ما يُقترف على الساحة من أعمال آنية مقلقة ومدمرة. تهب لجان الإصلاح، وتستنفر الفصائل ببياناتها، والسلطة تكثف وعودها بملاحقة الفساد والفاسدين، لكن التخريب يستمر، والزعران يتمادون بالمزيد، والفساد يستشري.
المشكلة ليست في هؤلاء الزعران الذين يقتحمون المقار، ويطلقون النار على الناس، ويبتزون وينهبون ويتاجرون بالمسروق. المشكلة هي في أمراء الزعرنة، القادة الذين تبنوا نهج تخريب المجتمع الفلسطيني وأشاعوا فيه الفساد عن سابق إصرار وتعمد، ووفق استراتيجية واضحة المعالم بينة الأهداف. هؤلاء الأمراء يحفرون للشعب الفلسطيني منذ أن كانوا يقولون عن أنفسهم ثوارا في الأردن ولبنان، وفد نبهت أنا مرارا في كتاباتي حول المأساة التي تنتظر الشعب الفلسطيني جراء أعمال هؤلاء.
التخريب الذي يجري بشكل منظم ومبرمج على مدى سنوات، وبالتحديد منذ عام 1994 عبارة عن مدرسة. إنها مدرسة تعتمد الشخصنة والبحث عن الوجاهة والمال والمتعة. وهي مدرسة ترى أن الفساد أفضل الطرق نحو تدمير النسيجين الأخلاقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني. إنها مدرسة لها أصولها وجذورها وفلسفتها وإدارتها ومدرسوها وأفراخ مدرسيها. بدأت بنفر قليل، لكنها الآن اتسعت بخريجيها الكثر الذين تتلمذوا على الغش والفهلوة والخداع والسرقة والاستهتار بالقيم الدينية والوطنية. هناك مفرخة للفاسدين.
هذه مدرسة تتقن صناعة الشعارات الوطنية وارتجالية الثورية، ولا تتوانى عن استعمال الوطن والمواطنين من أجل تبرير سوء أعمالها. وهي لا تتردد أبدا في كيل الاتهامات للآخرين ونعتهم بأشد النعوت المنحطة من أجل إسكاتهم. وإذا كان للشعب الفلسطيني أن يعالج الوضع والانبثاق نحو وضع جديد لا بد أن يقضي على هذه المدرسة. يجب تفكيك هذه المدرسة وإحالة المسؤولين عنها إلى المحكمة. إنما بعد تغيير القضاة الحاليين والمدعين العامين، ووضع نظام قضائي محترم.
هذه مدرسة تجد تمويلا لها، ولم تنضب أموالها عبر عشرات السنين. سهلت أمريكا لها مسألة التمويل، وسهلت إسرائيل لها عملية انتقال الأموال. هناك قادة الآن ومراكز قوى مدعومة أمريكيا وإسرائيليا ترعى أعمال الفوضى والرعونة والإساءة للناس في سعي منها لتحقيق مصالحها الشخصية عبر التدمير الذاتي الفلسطيني.
الشعب يتحمل مسؤولية كبيرة وكذلك الفصائل الفلسطينية التي لم تتعامل بجد مع الموضوع، واكتفت بإصدار البيانات التي غالبا لم تكن تستهوي جمهور الناس.
الذين كتبوا البيان، وتحمل لافتة كتب عليها: “الفتنة نائمة لعن الله موقظها.” أما أحد أمراء الفساد فقد وصفنا على شاشات التلفاز “الفئة الضالة، والتي فقدت البوصلة الوطنية.” هذا نفسه تعرض لإطلاق النار بعد ذلك بسبب خلافات داخلية مع أبناء جنسه، وهو الآن متهم بالبيانات بتلقي أموال من أمريكا.
تم حرق سيارتي، وقرأت في الجرائد بيانات استنكار صادرة عن الفصائل، لكنني لم أتلق مكالمة من قائد يندد بما جرى. يبدو أن بيانات الاستنكار مبرمجة على الحاسوب، وهي تقوم بالواجب تلقائيا. وفي الآونة الأخيرة، أصدرت بيانا حول تفاقم ظاهرة السلاح في جامعة النجاح، وما كان من زملائي الدكاترة في إطار العاملين المحسوب على السلطة إلا أن أصدروا بيانا ضدي يقولون فيه إنني أعمل على بث الفتنة. أما رئيس الحرس المحسوب على التيار الوطني المسلح الذي لا يلاحق الاحتلال سلاحه فقد أرسل لي شفاهة يقول بأنني جاسوس. ولتأكيد سلطته في الجامعة كرر الرسالة على مسامع المسؤولين في الجامعة.
لم تتوان وسائل الإعلام عن القيام بدورها التخريبي. أغلب صحفنا وإذاعاتنا منافقة وتمارس التضليل والكذب. إنها تكذب حتى الثمالة، وتردد ما يقوله الفاسدون وتدعمه بقوة. ترسل لها المقالات التي تنتقد الوضع وتصف كيفية الخروج ولا تنشر، وقد تنشر مقالا لك إذا أردت التضليل والنفاق، أو إذا كان مقالك حول الأوضاع في زيمبابوي. عدد من المسؤولين الإعلاميين في وطننا الغالي يأتمرون بأوامر أمراء الفساد.
أسوق هذه الأمثلة من تجربتي لأقول إن أمراء الفساد، وهم يشكلون مراكز قوى مرعبة، ليسوا حقيقة وحدهم الذين يتحملون المسؤولية. غير الفاسد الذي اختار طريق السلامة الشخصية يتحمل المسؤولية، والممتعض في قلبه يتحمل المسؤولية. العدد الأكبر منا اختار مصالحه الشخصية حتى لحق الأذى بنا جميعا وبكل مصالحنا. لا يدرك الجاهل مدى خطر الفساد والفاسدين إلا بعدما تصل النار إلى أحشائه.
تنقل وسائل إعلام العالم الآن أخبار الفوضى التي تنتشر في الضفة الغربية وغزة، وهناك بالتأكيد من يتلذذون على ذلك. لقد أسأنا إلى أنفسنا، وتركنا مستقبلنا في أيدي حفنة من المتنفذين الذين يحركون الزعران وقتما يشاؤون. الحصاد من جنس البذار، والجاهل يدفع ثمن جهله.
نحن شعب صمد على مدى مائة عام، ولم يستطع الاحتلال والقوى التي معه إذلالنا أو إذابتنا أو أن تجبرنا على التخلي عن المقاومة، أو التقليل من إصرارنا على استرجاع حقوقنا، لكننا تركنا السوس ينخر في داخلنا. مرت علينا تجارب كثيرة جدا، ويبدو أنها لم تعلمنا الشيء الكثير. الخلل الداخلي خطير، وربما يكون أشد خطرا من الخطر الخارجي. يجب أن نرفع أصواتنا ونشحذ هممنا من أجل تصحيح هذه الأوضاع الداخلية الخطيرة، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق الفصائل الفلسطينية التي تتبنى التحرير والمقاومة.
بعيدا عن موقفه السياسي من الصلح مع إسرائيل، أخمن أن السيد محمود عباس ليس مرتاحا لما يجري؛ لكن تقديري أنه غير قادر على اتخاذ قرارات وتنفيذها. ظني أنه محاصر من قبل مراكز القوى وأمراء الفساد، ولا يملك من القوة التي يمكن أن توقفهم عند حدهم؛ وهو لن يستطيع ذلك ما دام يحصر نفسه في وسطهم.