نابلس ستعود

الدكتور عبد الستار قاسم

(الانتخابات بدل الدموع)

المدينة العظيمة التي يمتد تاريخها إلى حوالي 2500 عام قبل الميلاد تبدو اليوم حزينة وكأن اليتم يخيم فوق سفوحها. صمدت نابلس على مر التاريخ أمام الغزاة وشقت طريقها بكبرياء مساهمة في البناء الحضاري لأرض الشام وأمة المسلمين. وقد عرفت بعلمائها المتفوقين وبصناعها وحرفييها الماهرين، وبأهلها المتكاتفين المتحابين. نابلس هي محمد عزت دروزة وإبراهيم طوقان وقدري طوقان وعادل زعيتر، وغيرهم من الذين سطروا مجدا لفلسطين. ونابلس هي محط الدارسين من بلاد العرب والمسلمين الذين جعلوا منها خلية علم وثقافة لا تهدأ.

أنظر الآن إلى نابلس، فإذا بها تأخذ مكانا قد ابتعد عن أصله. فيها الكثير من حملة الشهادات العالية لكنها تكاد تخلو من العلماء، وفيها العديد من الوجهاء لكنها تكاد تطمس الحكماء، وفيها ما لا يحصى من المؤسسات لكنها بالكاد تعمل بأمانة الطيبين البسطاء. لقد تراجعت نابلس إلى حد نصب المكايد والتآمر والاستهتار بالصالح العام. مسلحون يرعبون الناس ويقتلون، ومدراء يسرقون، وأولياء أمانة لمصالحهم حافظون. فوضى تعم وتثقل الناس فوق أثقال الاحتلال.

ل منهم قوة ردع في مواجهة منافسيهم، فغرقوا وأغرقوا الآخرين. ووصل الأمر إلى مسؤولي مؤسسات تعليمية يستدعون مسلحين لإرهاب الطلاب والمدرسين. أسف على الشباب الذين ارتضوا.

المدينة تعاني من الفهلوة والعنجهية والارتجال ومن ازدحام بالزعماء الذين يعشقون الاستعراض. صمت الناس في أغلبهم باحثا كل منهم عن زعيم يحتضنه، فأصبحنا شيعا نلهث وراء مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة. وقد ساهمت الفصائل في أنها اكتفت بالبيانات دون مواجهة المخطئين. كان على الأقل بإمكانها أن ترفض احتساء القهوة مع من أشبعتهم سرا هجوا وتقريعا. نحن لا نريد أن نقتتل، لكننا لا نريد أن يظن الظالم أن ظلمه لا يفسد الصداقة. أما الإعلاميون فقد أخفت قلة شجاعتهم الحقيقة عن الناس، بل وضللتهم أحيانا.

فما الحل؟ على المسؤولين التنفيذيين والقضائيين في المدينة أن يستقيلوا وأن يرخوا السبيل للانتخابات. الانتخابات الدورية لا تبقي أحدا بعيدا عن المحاسبة بخاصة المحاسبة المالية والأمنية. وإذا كان المستوى السياسي يرفض الانتخابات فإن علينا تشكيل لجنة محلية تنبثق عن مؤتمر شعبي عام تقوم على شؤون الانتخابات. وعلينا إجراء انتخابات لمختلف المجالس واللجان والنقابات وأن نرفض التعيين بالقطْع لأن التعيين في حالتنا الفلسطينية عبارة عن آفة مرّ حصادها.

نابلس ستعود والمجد ينتظرها

الدكتور عبد الستار قاسم

اقرأ بلغة English