الكبرياء الوطني والتغلب على الحصار

الدكتور عبد الستار قاسم

12 أيار 2007

يتذمر الآن العديد من الفلسطينيين بخاصة من فتح وحماس من العالم لأنه لم يرفع الحصار المالي بعد أن تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي تبنت برنامجا يتمشى جزئيا مع متطلبات الدول الغربية وإسرائيل. بل هناك من الفلسطينيين من يعبر عن المفاجأة بهذا الموقف الدولي الذي لم يرفع الحصار حتى الآن. بالتأكيد هناك من يضرب التطور نفسيته لأن القادة السياسيين ووسائل الإعلام أشبعوه ظنونا بأن بعض الذكاء الفلسطيني سيعد أموال الغرب إلى مجراها الصحيح نحو جيوب الموظفين.

ككاتب يطرح رأيه باستمرار، كنت أشعر بحرج كبير كلما قلت للفلسطينيين إن حكومة الوحدة الوطنية لن ترفع الحصار المالي عن الشعب، وكنت أسمع أحيانا تعليقات غير لائقة لأنني أكتب عكس ما يتوقعه الناس ويرون أنه قريب المنال. حتى أن بعض وسائل الإعلام الفلسطينية وعلى رأسها وسائل إعلام حماس قد شطبت اسمي حينا من قائمة معلقيها.

لا بد من التأكيد هنا على أنه من شأن الفلسفة السياسية أن تساهم مساهمة كبيرة في فهم الظواهر والأحداث السياسية، وتجنب المتعمق فيها الكثير من الأخطاء والزلات والمحرمات، وإذا ظن الجاهل بفلسفة السياسة أنه يستطيع إدارة دولة أو شؤونا عامة فعليه مراجعة سجلات الأنظمة العربية في مختلف مجالات الحياة. هناك منطق في السياسة شبيه إلى حد كبير بالمعادلات الرياضية، وهناك ظواهر سياسية تخضع في كثير من الأحيان لتفسيرات علمية، وهناك مدخلات ومخرجات، وإذا ظن أحد أن السياسة عبارة عن “فزعة” عرب أو “فهلوة” فهو بالتأكيد يقود الشعب إلى الهاوية.

تنطلق الشعوب إلى الأمام عندما تشعر بكبريائها (لا أعني كبرها)، فيتحمس أبناؤها فرادى وجماعات، ويكتسبون القوة والشجاعة والجلد والرغبة في العمل الجماعي والتعاون المتبادل. عندها ترى السواعد وقد شُمرت عنها الأكمام، وترى الجباه تقطر عرقا، وتسمع ضجيج المعامل، وتستمتع بقطف الثمر، وتعشق زجاج المختبرات. أما عندما يصيبها الإحباط وتشعر بضعة أو إذلال، فإنها تسترخي إلى حد السبات، وتتهاوى السواعد وتصمت مواقع الإنتاج، ويتحول الناس إلى لعب الورد والنرد وعقد جلسات المغيبة، ويتلهون بمعسول الكلام وتمنيات العجزة الضعفاء. فلا غرابة أن تتمتع مجتمعات الكبرياء بالرقي وسمو النفس والاحترام المتبادل بين أبنائها، وبالعزيمة على أداء الواجب والإصرار على تحصيل الحق. أما مجتمعات الهوان فترى أبناءها يتكالبون وينهشون لحوم بعضهم، تنهار القيم ويتحول الدين إلى طقوس وشعوذة، يتوالدون لصوصا وأفاقين ومنافقين، ويكثر منهم المحتالون، وتفسد عليهم حياتهم، فيزدادون غما على غم يصنعونه بأيديهم.

إذا كنا نحن شعب فلسطين نريد حلولا لما نحن فيه، لا مفر أمامنا إلا امتلاك القدرة الذهنية أولا التي تشكل الأساس الأول في الانطلاق نحو العمل. هذا طلب غريب في مجتمع تغيب عنه أمور البحث في سيكولوجيا التقدم والبناء الجماعي. كثيرون منا هم الذين يرفضون التفكير الفلسفي والمنطقي، وتحليل الأمور بطريقة علمية مستندة على نتائج علمية صرف عليها العلماء جهودا ضخمة وأوقاتا طويلة، ويعزفون عن قراءة تاريخ الأمم، وحتى يعزفون عن قراءة تاريخنا نحن. نحن نحب الارتجال، والقيادات تكره من يمكن أن يكون أكثر منها معرفة.

كيف يمكن أن تلبي أمة مطالب قيادة لا تحافظ على الإرادة السياسية لشعبها؟ وكيف يمكن أن تكون نظرة الأعداء تجاه حكومة لا ترى أن الإرادة السياسية الحرة تشكل قمة أولوياتها؟

هذه أسئلة في صلب فلسفة السياسة، وهي ليست بالمعقدة والإجابة عنها ليست سحرية. وصلت الرسالة مرارا وتكرارا للمسؤولين الفلسطينيين، ووصلت الطروحات البديلة، لكن يبدو أن القيادات اعتادت التسول، وتصر على تثبيت تراث تسولي لا يمكن أن يقود إلى حرية و إلى استقلال.

في مكة، وقع الفلسطينيون وثيقة اتفقوا فيها على أن يبقوا متسولين، وعلى وقف اقتتال صنعوه بأيديهم. هل من الممكن أن يصنع هذا القرار وحدة وطنية؟ الوحدة الوطنية لا تتحقق بإرادة الغير، وكل من يحاول ترتيب أوضاع بيته وفق إرادة الجيران سيجد أن بيته مليء بالخروق. تتحقق الوحدة الوطنية عندما يجتمع أهل البيت بإرادة حرة ويتباحثون منطلقين من مواثيق خاصة يتفقون عليها دون تدخل الآخرين، ويتوصلون إلى ما يمكن أن يخرجهم من محنهم ومصائبهم وهمومهم بجهود ذاتية أولا وقبل كل شيء، ومن ثم بمساعدة أقرباء وأصدقاء.

أعطت فتح وحماس لإسرائيل وأصدقائها الغربيين مبررا قويا لمواصلة الضغط على الشعب الفلسطيني. (لو) جلس الفلسطينيون معا ليناقشوا كيفية التغلب على الحصار، وقرروا، على سبيل المثال، تطوير برنامج تكافل وتضامن على النمط الإسلامي، أو قرروا الحد من الحياة الاستهلاكية والبحث عن سبل لزيادة الإنتاج المحلي لأحدثوا استنفارا في الأوساط السياسية الإسرائيلية والغربية. البحث عن سبل للتغلب على الحصار يخيف العدو، ويخيف الدول الغربية التي رأت منذ البدء في المال وسيلة لإركاع الشعب الفلسطيني. كان من المحتمل جدا أن تقوم الدول الغربية بإرسال أموال للشعب الفلسطيني مباشرة أو بصورة غير مباشرة عبر الدول العربية تجنبا لأي تطور فلسطيني جدي نحو الاعتماد على الذات، ونحو إحراج العالم أمام وضع اقتصادي صعب يؤدي إلى جوع أو إلى تدهور صحي خطير.

من المزعج جدا أن تتبنى الأمة العربية سياسة الاعتماد على الذات، وبالتأكيد سيشعر الغرب ومعه إسرائيل بالخطر إذا قرر الشعب الفلسطيني تغيير السياسات التي أنهكت قواه، وقرر انتهاج سياسة تؤكد على الكبرياء الوطني، وعلى التضحية في الكثير من النعم الدنيوية من أجل تحرير الوطن واستعادة الحقوق. سياسة إطعام الفلسطينيين بالنسبة لأهل الغرب أفضل بكثير من ترك الفلسطينيين وشأنهم لأن في ذلك ما يولد القوة في داخلهم، وإذا تولدت القوة فإن هموم إسرائيل ستزيد. ولهذا لن يتوقف الغربيون عن تقديم المساعدات المالية، إنما بطريقة تبقي الشعب تحت ضغط متواصل.

من المشروع أن يسأل أحد القيادات الفلسطينية عن الدولة التي يمكن أن تقوم على أيدي الذين يبحثون عن لقمة الخبز في جيوب أعدائهم. من العجيب أن تطالب قيادات الدول الغربية بالمال، وتقف على شاشات التلفاز لتقول “يجب على أمريكا أن توافق على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.” ما هي هذه الدولة التي يريد هذا القائد أن يجبر أمريكا على إقامتها في حين أنه يصرخ جوعا لأنها لا ترسل له شوال الطحين؟

أنا لا أعيش في الأوهام، وما أدعو له لن يتحقق إلا بعد معانيات شديدة وصعبة. لقد شُغل على هذا الشعب كثيرا حتى باتت مسألة الكبرياء الوطني مجرد شعارات إعلامية تخفي تحتها نقائضها.

اقرأ بلغة English