فلسطين في ميزان القوى الجديد

الدكتور عبد الستار قاسم

يواصل اللاعبون بأمر القضية الفلسطينية التقليديون: قيادات فلسطينية وأنظمة عربية والكيان الصهيوني وعدد من الدول الغربية نشاطاتهم التقليدية بخصوص البحث عن حل للقضية الفلسطينية. إنهم يعقدون اللقاءات على الأنماط التقليدية التي شهدت سيدا معينا ومسودا ثابتا، ويقيمون المؤتمرات الصحفية ويشاركون في اللقاءات الدولية، وتصدر عنهم تصريحات متكررة حول نجاعة المحادثات الثنائية والجماعية، وعن تفهم كل طرف لمطالب الآخر، وعن امتداح العقلانية والحكمة في معالجة القضايا موضوع الاختلاف أو الخلاف.

شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية دبلوماسية معينة بخصوص القضية الفلسطينيية تخللها عدد من الحروب كان العرب المهزوم الثابت فيها. وقد سارت القضية الفلسطينية تدريجيا نحو التصفية بفعل المزج ما بين العمل الدبلوماسي والإجراء العسكري، ولم يكن لدى العرب إرادة من أي نوع سوى إرادة التبرير للخطوات التنازلية التي اتخذوها. من شعار الوحدة العربية وتحرير فلسطين وصل العرب إلى حد طرح مبادرة عربية في بيروت تتجاوز كل المحرمات التي اتخذوها لهم قاعدة لمعالجة القضية الفلسطينية. اما الفلسطينيون فتخلوا عن شعار تحرير أرض فلسطين الانتدابية ووصلوا إلى حد تجنيد أبنائهم للدفاع عن الأمن الصهيوني. تم هذا بفعل عوامل عديدة على رأسها ميزان القوى الذي بقي مختلا لصالح الكيان الصهيوني ومن حالفه.

ميزان القوى، لا مفر، يفرض نفسه على مجمل العلاقات المتعلقة بأطرافه، حتى على المستوى الشخصي. ميزان القوى يحدد علاقة القوي بالضعيف، ويضطر الضعيف معه أن يلين ويهادن ويتنازل ويقبل بشروط القوي؛ وربما يضطر الضعيف أن ينافق ويكذب، ويعمل على عدم استثارة من هو أقوى منه. أما القوي فيحاول الهيمنة على الضعفاء واستغلالهم ونهب ثرواتهم وإذلالهم وشراء عقولهم ونفوسهم؛ إن لم يكن بالحسنى فبالقوة. هذه علاقات تجد لنفسها تعبيرا عبر التاريخ وفي كل بقاع الأرض، وعلى مستويات عدة على رأسها مستوى الدول. زمجر العرب وأرعدوا وأزبدوا عبر الزمن، لكن الحقيقة الموضوعية فرضت نفسها ووجدوا أنفسهم يتخلون عن كثير من المواقف والالتزامات. كانت تقتضي الحكمة بعض التفكير العلمي، واتخاذ الخطوات اللازمة لكي يكون الكلام مسموعا، لكنهم فضلوا أن تكون الحكمة القبول بما يريد الخصم.

تهشم ميزان القوى

قلب حزب الله المعادلة إلى حد ما عام 2000، وأكد على قلبها عام 2006. أوقف حزب الله انتصارات إسرائيل في المنطقة، وأفشل جهودها نحو تحقيق أهدافها في جنوب لبنان. دخلت المقاومة العراقية على الخط عام 2003، وأفشلت طموح أمريكا في السيطرة على العالم. ظنت أمريكا بأن سيطرتها السهلة على العراق ستثبت لدول كثيرة بأنها الزعيم بلا منازع، وأن برنامجها لعولمة العالم وفق رؤيتها هي ستصبح نافذة، فإذا بها تغرق في وحل العراق ولا تجد من يمد لها يد العون. أما في أفغانستان التي رأى العالم فيها الضعف والهوان، عادت قوى المقاومة تسيطر على الأراضي الأفغانية وتلاحق الغزاة في أنحاء البلاد. على المستوى الإيراني، أمريكا تهدد كثيرا وتتردد أكثر لأنها لا تستطيع معرفة الرد الإيراني فيما إذا هاجمت. إنها شبه مشلولة حيال تنامي القدرة العسكرية الإيرانية. وأخيرا تمطى الدب الروسي وأثبت لأمريكا أنه ما زال حيا قادرا على الافتراس.

ميزان القوى التقليدي، على الأقل في المنطقة العربية-الإسلامية، يتهشم، ولم تعد أمريكا وإسرائيل قادرتين على تحقيق ما تريدان وإنفاذ سياساتهما. كان فعل الدولتين في المنطقة، وأحيانا في ظل وجود الاتحاد السوفييتي، يسبق كلامهما، لكنهما تتكلمان كثيرا الآن وتتردان في اتخاذ إجراء. أمريكا تهدد إيران على مدى سنوات، لكنها لا تضرب، وإسرائيل وقفت على أبواب غزة عدة أشهر تهدد بعمل عسكري واسع، لكنها وافقت في النهاية على التهدئة. أمريكا تقرر خطوة معينة بهدف تحقيق نتائج معينة، فإذا بالنتائج عكس ما توقعت. خسرت أمريكا في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان وإيران، وأحبطت بشدة عندما أعلنت رايس بأن حرب 2006 ستأذن بولادة الشرق الأوسط الجديد، ووجدت أن حليفتها عبارة عن عملاق مترهل أمام حزب الله.

تداعيات الميزان الجديد

يفرض ميزان القوى الجديد في المنطقة، والذي ما زال في طور التبلور عددا من الأمور:

أولا: إعادة صياغة التحالفات. ما دام ميزان القوى التقليدي يتغير لغير صالح القوى التقليدية المهيمنة، فلا بد لهذه القوى أن تعمل على إعادة صياغة تحالفاتها بطريقة تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الخطر القادم أو الذي يتبلور. ستبحث كل القوى المتضررة من الميزان الجديد عن بعضها لتعقد حلفا ضمنيا أو صريحا لتدافع عن نفسها وعن مصالحها. قد لا تتطابق المصالح، لكنها تلتقي. أما القوى المناهضة للوضع التقليدي فلا بد أن تجتمع معا لتكون حلفا مضادا معلنا أو غير معلن لتثبيت المسار التاريخي الجديد.

ثانيا: تطوير القدرات العسكرية. ينكب كل طرف على دراسة التطورات الجديدة والمحتملة، ويعمل كل طرف على تطوير أسلحة فتاكة تفاجئ الخصم أو تقضي على أسلحته وتبطل مفعولها. تشهد مرحلة الانتقال من ميزان إلى آخر سباقا حاميا للتسلح، وكل طرف يبدع في تصوراته حول قوة الطرف الآخر.

ثالثا: تطوير التكتيك العسكري والأمني. تتطلب المستجدات نوعا جديدا من التكتيك العسكري والأمني من حيث أن التكتيك السابق كان يصلح لعهد سابق. تنكب غرف العمليات العسكرية ودوائر الاستخبارات على دراسة أفكار جديدة بهذا المجال، وتحاول الاستعانة بتجارب الأمم السابقة، وسِيَر الحروب الصعبة.

رابعا: إعادة صياغة العلاقات البينية والإقليمية والدولية. تدخل هنا المعايير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية بهدف عزل الخصم وإقامة صداقات جديدة أو تعاون جديد مع أكبر عدد من الدول، أو لعزل الخصم عن دول، وتطويقه بمجموعة من الأعداء الذين يمكن أن يساهموا في محاصرته وإضعافه. وهنا تنشط الدعاية الإعلامية، وينشط معها خبراء في مختلف مجالات الحياة بقصد الاستقطاب للذات أو الإبعاد عن الخصم.

فلسطين في الميزان

لا أرى أن النمط التقليدي في مقاربة القضية الفلسطينية والقائم على فكرة حل الدولتين من خلال المفاوضات واحترام ما يسمى بالشرعية الدولية مجديا لأن ميزان القوى الذي سمح له بالاستمرار يتعرض لتحديات جدية وحقيقية. كان من الممكن أن ينتهي هذا النمط قبل عدة سنوات بحل بين إسرائيل والأطراف العربية المفاوضة لو أن إسرائيل لينت مواقفها قليلا وأعطت الفلسطينيين شيئا من حقوقهم الوطنية، لكنه الآن لا يمكن أن ينتهي بحل حتى لو أعطت إسرائيل الفلسطينيين دولة حقيقية. القوى التي تتحدى ميزان القوى التقليدي لا تؤمن بحل الدولتين، ولا يوجد لديها استعداد للاعتراف بإسرائيل حتى لو ناورت أحيانا ببعض الألفاظ الدبلوماسية حول هذا الموضوع. هذه قوى تتطلع إلى إعادة ترتيب المنطقة العربية الإسلامية بإرادة سياسية حرة مستقلة عن الإرادة الأمريكية والإسرائيلية.

التحولات في ميزان القوى الإقليمي متسارعة، والتوتر بين القوى المتنافسة يزداد حدة كل يوم، واحتمالات المواجهة حقيقية. الأطراف المختلفة تحشد قواها وتطور من ترساناتها العسكرية، وتكثف المناورات العسكرية التي ترتقي إلى محاكاة حرب شاملة، وهي تعمق من تحالفاتها والتنسيق بين أطراف التحالف. هناك شعور لدى كل فريق بأن مستقبله في المنطقة يعتمد على التحولات الجارية في الميزان، وكل منهما يعمل بسهر ودأب من أجل أن يكون الحسم لصالحه.

في خضم هذا التسابق القائم في المنطقة والتوتر الغائب إجمالا عن وسائل الإعلام، لا تأخذ القضية الفلسطينية من جانب أمريكا وإسرائيل حيزا واسعا من الاهتمام. هذا منطقي من حيث أن إسرائيل وأمريكا ليستا على استعداد لتوظيف جهودهما وأوقاتهما من أجل تلبية طلبات السلطة الفلسطينية في رام الله في حين أن مصالحهما في كل المنطقة تتعرض للتحدي. وأظن بأن الأمريكيين واضحون في قولهم للفلسطينيين بأن القضية الفلسطينية تحظى الآن باهتمام هامشي، وأن المسؤولين الأمريكيين مشغولون بما هو أهم وأشد خطورة؛ ولا أظن أن الحكومة الإسرائيلية بأببببببأن الحكومة الإسرائيلية ستتابع أخبار المفاوض الفلسطيني في حين أن العديد من كتابها يناقشون الآن مسألة التهديد الكبير لوجود دولتهم.

أرى أن الدوائر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية منشغلة الآن بما يمكن أن يترتب على عملية عسكرية واسعة في مواجهة حزب الله أو إيران، ولما يمكن أن تكون عليه الجبهة الداخلية الإسرائيلية إذا قرر حزب الله إطلاق بعض الصواريخ على منطقة تل أبيب التي يعيش في محيطها حوالي 60% من سكان إسرائيل. إنها بالتأكيد منشغلة بأمور أعظم بكثير من أمور من يحاولون جاهدين إثبات قدراتهم على تنفيذ التزاماتهم الأمنية تجاهها.

موقف الفلسطينيين

كثير من الفلسطينيين منشغلين منذ فترة بإثبات أن حزب الله قد هزم عام 2006، وهم بذلك يحاولون تقزيم الآخرين لرد التهمة عن أنفسهم. إنهم ينشغلون كثيرا مع العديد من الأنظمة العربية بفكرة التنافس بين السنة والشيعة، ويحاولون صب نار على زيت تشتعل أحيانا في العراق وأحيانا أخرى في باكستان. هذا هروب من واقع آخذ في التبلور التدريجي وبوتيرة متصاعدة. هذا الجزء من الفلسطينيين ما زال يراهن على عملية السلام التي بدأت في مدريد، ولا يرى في الأفق فسحة أخرى أمام الفلسطينيين للحصول على جزء من حقوقهم الوطنية.

في المقابل، هناك فلسطينيون سواء على مستوى الفصائل أو قادة الرأي، يرون أن الأمور تتطور على غير ما تشتهي إسرائيل وأمريكا، وأن على الفلسطينيين أن يتحملوا قسوة الحصار ومرّ العيش بالمزيد لأن الفرج قريب.

بغض النظر عن المقاربتين الفلسطينيتين المتناقضتين، تدعو التجارب التاريخية كل الفلسطينيين إلى دراسة التحولات في المنطقة دراسة علمية، وتكييف المواقف والسياسات الفلسطينية بما يحقق للشعب أكبر فائدة وأقل ضرر. لا يجوز في هذا الوقت الذي تتردد فيه إسرائيل في القيام بمغامرات عسكرية جديدة، أن يبقى فلسطينيون يظنون أن جيش إسرائيل لا يُقهر، وأن عليهم البحث عن حلول في حدود هذه “الحقيقة”.

هزيمة إسرائيل

احتمال هزيمة إسرائيل عسكريا في حرب متحركة قادمة كبير جدا. إذا حصلت مواجهة بين إسرائيل والجبهة الشمالية، فإنني لا أرى أنها ستكون ساكنة من طرف حزب الله كما كان الأمر عام 2006. حرب حزب الله القادمة ستكون متحركة، وسيتمتع الحزب بغطاء دفاعي يحمي جنوده والمدنيين من الطائرات الإسرائيلية. ووفقا لما أملكه من معطيات قائمة على التحليل، الحزب سيخوض حربا متحركة فريدة من نوعها في أي مواجهة قادمة، وستقع إسرائيل أسيرة لمفاجآت تكتيكية عدة.

أما إذا قررت إسرائيل الاكتفاء بالتهديد وامتنعت عن شن حرب، فمن المحتمل أن تجد نفسها في موقف دفاعي.

اقرأ بلغة English