فلسطين مسؤولية كل السوريين
الدكتور عبد الستار قاسم
لا يهدف هذا المقال إلى إخلاء سبيل العرب والمسلمين من مسؤولياتهم تجاه فلسطين، ولا بخاطره تقسيم العرب إلى سوريين ومغاربة وأبناء جزيرة العرب، إنما فقط ينتهز مسألة الضغط الذي توجهه الولايات المتحدة ضد لبنان وسوريا لتسيرا في ركب التسوية على الطريقة الأمريكية. أمريكا تصر على عزل كل الدول العربية عن بعضها البعض وضرب العرب بالعرب، وتركز هذه الأيام بالذات على عزل العراق وفلسطين عن كل محاولات التدخل العربية الهادفة إلى رفع الظلم وطرد الاحتلال.
تردد في الإعلام على لسان مسؤول سوري (من سوريا الصغرى القائمة حاليا) وذلك بعد التصريحات الأمريكية ضد سوريا أن بلاده توافق على ما يوافق عليه الفلسطينيون، وتردد على لسان أحد المسؤولين اللبنانيين أن مزارع شبعا محتلة وبقاء المقاومة ضروري من أجل استكمال التحرير. من المعروف أن هناك مقاصد سياسية في ذهن القائل من الطرفين، وهناك من يفهمها في هذا الوطن العربي وهناك من لا يريد أن يفهمها. على الرغم من أنني من الذين يتفهمون المواقف السياسية الحرجة لكل من لبنان وسوريا وحزب الله والناجمة غالبا عن الاختلال الكبير في ميزان القوى الإقليمي والدولي، إلا أنني أشير إلى التالي:
أولا: يرفض أغلب الفلسطينيين اتفاق أوسلو وتبعاته ويرون أنه أتى لهم بالدمار والخراب واللصوص وجعل من بعضهم حراسا على أمن إسرائيل. وإذا كان هناك من يشكك في هذا فإنه من الممكن استفتاء الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. وإذا رأى أحدهم أن الفلسطينيين خارج فلسطين قد تبخروا فليتجرأ ويقبل باستفتاء أهل الضفة الغربية وقطاع غزة تحت إشراف دول محايدة. وعليه فإنه بإمكان المسؤول السوري أن يطمئن إلى أن شعب فلسطين يرفض خريطة الطريق وما يتبعها من طرقات، ويصر على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض المحتلة عام 1948. وبغض النظر عن الاستفتاء، إنني على ثقة أنني أمثل بهذا السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة عام 1967 وبإمكان السياسي السوري أن يقول بوضوح أن خريطة الطريق عبارة عن مصلحة إسرائيلية وتجعل من الفلسطينيين حراسا على باب إسرائيل. وإذا رغب العالم أن يرى هذه الحقيقة بتواقيع على مستوى الأشخاص والتنظيمات والفصائل والأحزاب فإنه وارد.
ثانيا: سوريا الصغرى هي جزء من سوريا وكذلك الجولان وجنوب لبنان وفلسطين وشرق الأردن وشبعا وقطاع غزة. وفقط أذكّر أن هذه الإقطاعيات الموجودة حاليا والتي تقول عن نفسها أنها دول ليست إلا صنيعة الاستعمارين البريطاني والفرنسي. أي أن الجزء الجنوبي الغربي من سوريا محتل والذي يدعى أغلبه من الناحية الجغرافية وليس السياسية فلسطين. أي أنه ليست الجولان فقط هي مسؤولية سوريا الصغرى وإنما كل الأرض المحتلة.
ثالثا: ما ينطبق على سوريا الصغرى من مسؤوليات ينطبق على لبنان وحزب الله. من المفروض أن يعلم العالم أن القضية العربية هي قضية واحدة ولا تتجزأ، وأن ما يسوء أي شعب عربي يسوء باقي الشعوب. وعلى الرغم من فهمي للأسباب التي تدعو حزب الله إلى التركيز على مزارع شبعا، إلا أنه من المهم أن يعتاد العالم على أننا جميعا وبخاصة في سوريا الكبرى أو بلاد الشام في بوتقة واحدة وأن قضية فلسطين هي ذاتها قضية باقي الأراضي العربية أو السورية المحتلة. أدى ترددنا وخوفنا من تسمية الأشياء بأسمائها منذ البداية إلى تقوية العالم علينا، وكأننا أعطينا للعالم الذرائع لتكبيلنا وصياغة مواقفنا كما اشتهت قواه الرئيسة المعادية للعرب وللمسلمين. طبعا هناك في مختلف أجزاء سوريا من يقف معارضا لهذا بخاصة من الفلسطينيين واللبنانيين إلا أنهم يبقون أقلية لا يقوون على صياغة الرأي العام السوري على اتساعه.
وهنا فقط للتذكير، لا بد من سؤال الفلسطينيين الذين قالوا أنهم كانوا يخوضون ثورة حول تواجدهم في لبنان والانطلاق من الأرض اللبنانية. ألم يكن لديهم التقدير أن أرض لبنان لا تختلف عن أرض فلسطين سوى أن الثانية قد وقعت تحت الاحتلال في انتظار من يحررها؟ وأسأل أيضا الأخ التويني في جريدة النهار اللبنانية عن مساحة الأرض التي باعها أجداده لليهود والتي كانوا يمتلكونها في مرج ابن عامر ومناطق أخرى من فلسطين. ألم يكن أهلك ملاكا في فلسطين؟ لماذا؟ أليس لأن فلسطين ولبنان لم تنفصلا عن بعضهما أبدا إلا بإرادة الأجنبي؟ أم أن للأجداد حق في البيع وليس للأبناء نصيب في التحرير؟ من الذي جعل عكا فلسطينية وصور لبنانية ومجدل شمس سورية والرمثا أردنية؟ كيف أصبح إصبع الجليل فلسطينيا والليطاني لبنانيا واليرموك حدودا وخليج العقبة مقسوما؟
رابعا: ليس من حق النظام الهاشمي في الأردن أن يعقد صلحا مع إسرائيل لسببين: الأول هو أن شرق الأردن جزء من الأرض السورية والثاني هو أن شرق الأردن وفلسطين متزاوجتان ولا يحق لقادة الأردن وفلسطين أن يفرطا العقد. الشعب هو صاحب القرار وليست دوائر المخابرات التي لا تغفل يوما عن بث الكراهية والبغضاء بين الناس. ويجب ألا ينسى النظام أنه هو الذي هُزم عام 1967 وأن الضفة الغربية على الأقل هي مسؤوليته، وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد عملت عبر السنوات على إعفائه من مسؤولياته السياسية فإن مسؤولياته الدينية والقومية والأخلاقية ما زالت قائمة.
واضح أن قادة الإقطاعيات السياسية القائمة حاليا قد أذعنوا بطريقة أو بأخرى لإرادة الاستعمار ولو بدرجات متفاوتة، أو على أغلب تقدير اقتضت مصالحهم الخاصة السير في ركب الاستعمار. منهم من يتحدث عن الخطط الاستعمارية التي يجب إجهاضها، لكنه يتحدث حقيقة عن الخطط الجديدة متناسيا الخطط القديمة وكأنه يعتبرها أمرا واقعا. بهذا المنطق يتحول الجديد إلى قديم ومن ثم إلى أمر واقع جديد لنتلهى بالخطط التي ستأتي. بينما من المفروض ألا نلقي بالماضي خلف ظهورنا حتى لا يتحول الحاضر إلى ماض جديد، ومن يستسلم لإرادة استعمارية قديمة يستسلم في النهاية لإرادة استعمارية حديثة.
ثم إن المسألة في هذا العالم المتزاحم ليست معقدة من حيث أنه لا يوجد لدويلات أو الإقطاعيات مكان في الزحام. مكانها الوحيد تحت الأقدام. دول كبيرة كفرنسا وألماني وأندونيسيا تلاقي صعوبة في مواكبة التقدم العالمي وفي المنافسة وفي المحافظة على الذات من الابتلاع في مواجهة العولمة، فكيف بإقطاعيات لا تستطيع الوقوف على أقدامها بدون سند خارجي أو عصا معوجة تتعكز عليها؟ إن من يسمع تلفاز الأردن أو فلسطين أو سوريا يظن أن العالم لا يمكن أن يستمر بدون عبقرية القائد العظيمة وعقليته الفذة وحكمته الإلهية. اللبنانيون أكثر تواضعا ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
من المشكوك جدا فيه أن تسعى الأنظمة القائمة حاليا في هذا الاتجاه لعوامل مختلفة يقع على رأسها المصالح الشخصية والذاتية للقائمين على الأنظمة. ربما يأتي أحدهم بأسباب تتعلق بالظروف الدولية وما يدور حولها، لكنها تبقى أسباب واهية لا قيمة لها أمام الإرادة الذاتية. واضح أن أركان كل نظام فرحون بما اقتطعهم الاستعمار من أطيان ومنافع، وكفوا أنفسهم بالحديث عن الأخوة العربية والتضامن والعمل العربي المشترك. إنهم لم يتقدموا خطوة إلى الأمام من أجل مصلحة الشعب السوري عموما، واستمروا في كثير من الأحيان في التآمر ضد بعضهم البعض ووضع العراقيل والحواجز أمام التكامل الشعبي. ولو كان لدى قادة هذه الإقطاعيات النية الحسنة تجاه أرض الشام وأهلها لفتحوا المجال منذ أمد بعيد أمام الناس ليعبروا عن أنفسهم واختيار مصيرهم.
ولهذا تبقى هناك مسؤولية كبيرة أمام المثقفين والمفكرين والعلماء والكتاب والأحزاب لتغيير هذا الوضع وإعادة سوريا إلى وضع يتوافق مع الإرادة العربية وليس الإرادة الاستعمارية. علما أنه ثبت عدو مقدرة وعقم الأنظمة في مواجهة الاستعمار حتى لو رغبت في المواجهة، ولم يتبق أمامنا سوى الرد الشعبي. وإذا كان لقوى الشعب أن تكون صادقة مع نفسها ومع شعبها ووفية لما تردده على وسائل الإعلام من قيم وأهداف فإنه لا مفر من التجمع عبر الحدود وليس داخل الحدود. يتطلب هذا جرأة وشجاعة لما يحتويه من أخطار القمع والتنكيل من قبل الأنظمة بخاصة الأردني والسوري. طبعا السلطة الفلسطينية أعجز من أن تمارس ما تمارسه الأنظمة العربية من قمع. وفي كل الأحوال يجب استغلال الأجواء العالمية السائدة حاليا حول الدفاع عن حقوق الإنسان.
وإذا كان للسوريين أن يقيموا تجمعا فإنني أرى ضرورة الحرص على النقاط التالية:
لا مفر من صياغة نظام سياسي حديث يحل محل الأنظمة السياسية القائمة حاليا.
الشعب وحده هو الذي يقرر النظام السياسي الذي يريد.
اعتماد حرية التنظيم والتنظير مع احترام خصوصية كل فئة أو تجمع، واعتماد الانتخابات الحرة كأساس لتبادل السلطة. وبإمكان القيادات القائمة حاليا أن تخوض الانتخابات كما يخوضها أي شخص آخر.
لا تنازل عن أي جزء من أجزاء الأرض العربية.
المحافظة على درجة من الخصوصية لفلسطين وشعبها في مرحلة التحرير، إنما دون حرمان الفلسطينيين في الإقطاعيات السورية من حقوقهم إلا من حق التوطين وترك المخيمات وصفة اللاجئ. هذا مع ضرورة إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة تأخذ بالاعتبار الخصوصية الفلسطينية وبقية الأرض المحتلة والبعد السوري.
سوريا جميعها مستهدفة. أمريكا وأعوانها يريدون إركاع سوريا الصغرى لكي تتخلى عن مواقفها القومية، ويريدون إعادة لبنان إلى ما كان عليه من وكر للمخابرات الغربية والعبث الإسرائيلي، وتقوية السلطة الفلسطينية للاستمرار في عملها نحو تصفية القضية الفلسطينية، ودعم النظام الهاشمي ليبقى مسيطرا على القوى الشعبية من خلال بث الكراهية والأحقاد بين الناس والتمييز بينهم في الوظائف والغنائم. أي أن كل الإقطاعيات السورية مستهدفة بطريقة أو بأخرى من أجل الاحتواء والإخضاع للإرادتين الأمريكية والإسرائيلية. حتى أنه من الممكن القول أنه لو لم تكن أرض الشام لما حصل العدوان الأمريكي الأخير على العراق. العراق هو ظهير الشام الشرقي، والشام على خط المواجهة المباشر مع إسرائيل، وواضح أن إسرائيل وأمريكا لهما مصلحة كبرى في تصفية العراق كعمق استراتيجي لكي يسهل ابتلاع الشام.