حكام فلسطين: الثلاثي الأمريكي

الدكتور عبد الستار قاسم

المنظر في واشنطون مثير فلسطينيا وبالتأكيد إسرائيليا وأمريكيا حيث يظهر كبار المتحدثين باسم شعب فلسطين المكافح: السادة محمود عباس ومحمد دحلان وسلام فياض. ذهب منظر الثائر الذي كان يعبر عن شعب فلسطين من قلب المأساة وأتى الذي يتحدث عن العقلانية الفلسطينية من مطاعم الفنادق الأمريكية. لقد تدهورت الأوضاع الفلسطينية بصورة مرعبة بحيث أصبح الأمريكيون جهارا يرسمون السياسة الفلسطينية الرسمية وينصبون لها من يريدون. هم الذين عينوا لنا وزيرا للمالية ورئيس وزراء ووزيرا للأمن الداخلي وذلك بمصادقة رئيس السلطة الفلسطينية والمجلس الفلسطيني المسمى بالتشريعي.

سعيد هو شارون عندما يشاهد هذا المنظر على شاشة التلفاز وقد التقى الثلاثة على مائدته أو مائدة سيد البيت الأبيض يتحدثون بشؤون القضية الفلسطينية. أحدهم لم يعرف الانتماء لفلسطين أبدا ولا لأي جزء من الوطن العربي ولا علاقة له بتاتا بقضايا الأمة؛ أما الثاني فخرج من بين أزقة الفقر ليحترف أناقة المستثري على حساب الشعب فيكون بإمكانه تقديم ربطات العنق والأحذية هدايا لجلادي الأمة؛ أما الثالث فما زال البحث عن الملة التي ينتمي إليها مستمرا وعلامات الاستفهام الكبيرة تلاحقه خاصة عندما يؤشر عليه رئيس أمريكا على أنه بطل مكافحة الإرهاب.

الذي يتمكن من رقابنا ولا نحرك سوى الشفاه هامسين تارة ومصرحين تارة أخرى حول المؤامرات الأمريكية الإسرائيلية. الأشخاص العاديون يعرفون ما يجري ويعون مدى تصعير خدودنا لغيرنا، والفصائل تعي ذلك تماما والأحزاب والجمعيات لكن عملنا في أغلب الأحيان ينسجم مع ما نكره أو ما لا نريد مستخدمين التبرير للهروب من المأزق الأخلاقي الذي نعانيه. نحن نعي أن الأمريكيين هم الذين عينوا هؤلاء المسؤولين عبر عرفات والمجلس التشريعي ونتعامل معهم، ونقول بأن تعيينهم غير شرعي ونحاورهم ونتوصل معهم إلى اتفاقيات. واضح أننا لا نختلف في كثير من الأمور عن الشعوب العربية التي يستطيب لها الخنوع أمام إرادة الحاكم والأجنبي.

القوى التي تقف ضدنا كثيرة وضخمة، لكننا نحن الذين فتحنا أبوابنا أمام التدخل الخارجي وأزدناه اتساعا مع الزمن. لقد رأينا اللصوص يتسللون إلى بيتنا عبر الزمن ورأينا الفلسطينيين الذين يسهلون لهم عملية الدخول والعبث، لكننا لم نكن أهلا لمراقبة أوضاعنا الداخلية بطريقة عملية فنسد الثغرات. صحيح أن قدراتنا على مواجهة الاحتلال قد تطورت وتحسنت، إلا أننا بقينا قاصرين من الناحية الداخلية ومعالجة الخلل الذي يسري في أوصالنا.

إذا كان رئيس السلطة قد أجاز لهؤلاء الثلاثة أن يكونوا حكاما علينا فإن المسؤولية الأكبر تقع على المجلس التشريعي الذي يعاني أساسا وظرفا من مشكلة الشرعية. أغلب أعضاء هذا المجلس غير مسؤولين وعملوا في كثير من الأحيان وفق مصالحهم الشخصية وهادنوا الفساد ومارسوه في وضح النهار وناقضوا أنفسهم في كثير من المواقف وطوعوا أنفسهم للسياسة الأمريكية. إنهم أشبه ما يكونون بمجلس عربي يرتضي أن يكون أداة بيد الغير مقابل تلبية المصالح الشخصية. لا بد لهؤلاء أن يخضعوا للمساءلة عندما تهب رياح التغيير.

اقرأ بلغة English