السلام والمقاومة في ضوء المتغيرات الدولية الآنية
الدكتور عبد الستار قاسم
شهدت الآونة الأخيرة الممتدة منذ 2006 حتى الآن بعض التغيرات الهامة على الساحتين الدولية والإقليمية، وهي تدعونا لإعادة تقييم وضع القضية الفلسطينية، والتفكير بالعوامل التي يمكن أن تدفع إما باتجاه سلام عبر المفاوضات أو استمرار المقاومة واشتدادها باتجاه التحرير. اصطدمت عبر السنوات السابقة مقاربتان وهما مقاربة البحث عن تسوية للقضية الفلسطينية عبر طاولة المفاوضات، ومقاربة إعادة ترتيب المقاومة في المنطقة لتكون أكثر فاعلية ذلك لأنها، وفق من يتبنوها، هي السبيل الأمثل نحو استرداد الحقوق الفلسطينية، وقد تفاقم الصدام ليصل على حد الاقتتال الدموي على الساحة الفلسطينية، وإلى حد الحسم العسكري في بيروت الغربية.
بهدف إعطاء تقييم علمي لمستقبل مقاربتي التفاوض والمقاومة، من المهم الوقوف عند التغيرات الإقليمية ذات التأثير في ميزان الاختيار، وعند التغيرات الدولية التي يمكن أن يكون لها انعكاسات على المنطقة العربية الإسلامية. على المستوى الإقليمي، يبدو أن معادلة قوى جديدة أخذت بالظهور بعد حرب 2006؛ وعلى المستوى العالمي، يبدو أن اندفاع أمريكا نحو عولمة العالم وفق مقاييسها هي قد أخذ بالتراجع، وهذا من شأنه أن يؤثر على أصحاب اتخاذ القرار والفعل، وأن يدعوهم إلى البحث عن وسائل وأساليب جديدة، وربما مقاربات جديدة. فيما يلي من الصفحات، هناك مراجعة سريعة لأهم المتغيرات، ومن ثم تقييم انعكاساتها على موضوع بحثنا.
المتغيرات الإقليمية
هناك متغيرات إقليمية متنوعة قد تبلورت أو في طور التبلور تؤثر في صياغة مستقبل المنطقة العربية الإسلامية. فيما يلي أهم هذه المتغيرات:
أولا: الإصرار الإيراني
ربما يكون التطور العسكري الإيراني هو أهم متغير على الساحة العربية الإسلامية لأنه يضع تحديا كبيرا أمام الهيمنة العسكرية الإسرائيلية التي سادت منذ عام 1948. لقد أصرت إيران على التطوير العلمي والتقني، وركزت جهودها على التقنية العسكرية بهدف ضمان قدرتها الذاتية على الدفاع عن النفس، ودعم أصدقائها في المنطقة بخاصة أولئك المؤمنين بالمقاومة كسبيل وحيد لاسترداد الحقوق في فلسطين. (Iran and Israel, Wikipedia) تبنت إيران منذ انتصار ثورة الخميني سياسة الاعتماد على الذات، بخاصة بعد قرار أمريكا بضرب حصار عليها، واعتبرتها المعبر الوحيد نحو صون الكرامة الوطنية والاندفاع نحو التقدم في مختلف المجالات.
ضربت أمريكا حصارا على إيران منذ عام 1979، وساهمت في شن حرب عليها بهدف تغيير واقعها السياسي، وبالكاد كانت تجد إيران من يقف معها أو يساعدها في فك الحصار وتزويدها بما يلزم من أجل الصمود في وجه الضغوط الأمريكية والأوروبية والعربية. بقي الاندفاع الإيراني قائما إلى أن فلتت من عقالها من ناحية الأسلحة التقليدية، وإلى أن حققت تطورا نوويا هاما قد يؤدي إلى امتلاكها للقنبلة النووية، هذا إن لم تكن قد امتلكتها.
بقيت المنطقة العربية الإسلامية تحت الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية، وبقيت الأنظمة العربية تستجدي أسلحة دفاعية بخاصة من الاتحاد السوفييتي دون أن تفلح في صد عدوان أو منع هزيمة. إيران قلبت المعادلة بحيث لم يعد استجداء السلاح جزءا من سياستها، وأصبح سلاحها يلقي بثقله على ساحة المعارك في المنطقة. وقد تجلت قدرة هذا السلاح جزئيا في حرب إسرائيل على حزب الله عام 2006. (Pezeshkpour, Iran and the regional Balance of Power) أثبت السلاح الإيراني فاعلية كبيرة ضد الدبابات والزوارق البحرية الإسرائيلية ، وفشلت إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب. ومن ثم أصبح السؤال المطروح: إذا كان حزب الله يمتلك أسلحة فعالة من هذا القبيل، فماذا تخبئ إيران من أسلحة من أجل حرب أكثر شمولية وأشد أوارا؟
إيران تصنع الآن طائرات حربية مقاتلة وقاذفة، ودبابات غير معروفة القدرات القتالية، وصواريخ مضادة للطائرات الحربية والطائرات العمودية، ومضادات للدروع وأجهزة رصد واستطلاع. وفوق ذلك، هي تملك غواصات وطائرات لا تكشفها الرادارات، وقدرات صاروخية بحرية ضد الغواصات، وإمكانيات صاروخية برية برية بعيدة المدى. (Iran Defense Industry, Wikipedia) ومؤخرا استطاعت غزو الفضاء بقمر صناعي حمله صاروخ إيراني. لكن المهم في كل هذا التطور أن إيران تعطي هذه الأسلحة أو بعضها لسوريا، ولأطراف المقاومة وعلى رأسها حزب الله وحماس والجهاد، الأمر الذي يضع تحديا قويا للجيش الإسرائيلي.
إيران تفرض نفسها الآن كقوة إقليمية تستطيع تحدي السياسات الأمريكية إلى حد ما، وهي تفرض علاقات جديدة على مستوى المنطقة، بل وتقيم تحالفا قويا غير معلن مع سوريا وبعض فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين. وهي تشكل هاجسا للعديد من الدول العربية مثل دول الخليج ومصر والأردن، ذلك لأن معادلة القوة التي تفرضها تؤثر على استقرار المنطقة مما قد يؤدي إلى سقوط عدد من الأنظمة العربية. (Reza, How Iran is Changing the Balance of Power) على الرغم من أن إيران تدعو العرب باستمرار إلى التعاون معها من أجل أمن المنطقة العربية الإسلامية ورفاهيتها واستقلالها، إلا أن الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية مرتابة كثيرا من الوضع، وتفضل الإبقاء على علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
حربا تموز والكوانين
فشلت إسرائيل في حربيها الأخيرتين ضد حزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزة وبالتحديد حماس. هدفت إسرائيل إلى تدمير حزب الله وسحب أسلحته وتحويله إلى مجرد حزب سياسي، ووظفت في سبيل ذلك قدرات عسكرية هائلة، لكنها اصطدمت بمقاومة صلبة مسلحة جيدا ومستعدة للقتال المرير. فشلت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها واضطرت إلى القبول بوقف إطلاق النار قناعة منها بأن استمرار الحرب غير مجدي. وقفت الولايات المتحدة مع إسرائيل من أجل كسب الحرب، وزودتها بأسلحة حديثة بخاصة في مجال الذخائر، وحرضتها على الاستمرار في الحرب على أمل ولادة الشرق الأوسط الجديد، لكن أداء حزب الله القتالي أقنع جميع الأطراف بضرورة وقف الحرب.
جربت إسرائيل حظها الحربي ثانية ضد المقاومة في غزة بتاريخ 27/كانون أول/2008 ظانّة بأن المقاومة الفلسطينية ليست على ذات التسليح والأداء كما حزب الله. توقعت دوائر عسكرية وأمنية أن الحرب ستكون قصيرة جدا ومحسومة لصالح إسرائيل. أعلنت وزيرة خارجية إسرائيل عشية الحرب بأن الهدف هو تغيير الوضع القائم في غزة، وهو الوضع الذي تسيطر عليه حماس. (leslie Susser, Did Israel Achieve its goals ….) واجهت المقاومة الفلسطينية إسرائيل بمقاومة صلبة، وخاب أمل إسرائيل في النهاية كما خابت آمال حلفائها من العرب وغير العرب. فشلت إسرائيل، وساهمت مساهمة كبيرة في تشويه صورتها بالمزيد على المستوى العالمي بسبب المجازر التي ارتكبتها ضد المدنيين.
أثبتت حرب الكوانين اهتزاز إسرائيل عسكريا، وأن ما كانت قادرة على القيام به في الماضي لم تعد قادرة على القيم به الآن. لم تستطع كسب حرب ضد قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 365 كم2 على الرغم من أنها استعملت نصف قوتها العسكرية وفق ما قاله بعض عسكرييها. القوة الإسرائيلية التي كانت تعتبر حروبها نزهة، وجدت أن عهد النزهات الحربية قد انتهى.
بات واضحا أن التكتيك العسكري الذي اعتمدت عليه إسرائيل تقليديا لم يعد ينفع أمام مقاومة اختلفت أساليبها ووسائلها عن أساليب المقاومة التقليدية. كانت إسرائيل تدخل الحرب بقواتها البحرية والبرية والجوية في آن واحد، وكانت تتلذذ على مناظر الجنود العرب وهم يفرون من أرض المعركة؛ لكنها اضطرت في حربيها الأخيرتين إلى اعتماد سلاح الجو أولا تمهيدا للعمليات الحربية البرية. قام الطيران بقصف شديد لمواقع عسكرية ومدنية كثيرة، ولكن القوات البرية وجدت بأن القصف الجوي لم يحقق التطلعات. بقيت قوات المقاومة صامدة ومتماسكة، وسلاحها على كتفها قادر على مواصلة القتال.
كان ظهور مقاتل عربي جديد من أهم متغيرات هاتين الحربين الأخيرتين. المجاهد العربي الحديث الذي يواجه إسرائيل الآن لا يولي الأدبار، وهو يقاتل بشراسة منقطعة النظير حتى النصر أو الاستشهاد. ذلك المقاتل العربي الذي لا قضية في مكنونات نفسه، ولا يعرف عن ماذا كان يقاتل ولمن قد غاب عن الميدان، وظهر مقاتل مسلح بعقيدة صلبة ووعي جليّ بما يقاتل من أجله.
أصيبت النظرية الأمنية الإسرائيلية التي اعتمدت على الحرب الاستباقية وحصر ميدان المعركة في أرض العدو بانتكاسات كبيرة من حيث أن الاستباق لم يكن فعالا، وأرض العدو لم تبق هي المسرح الوحيد للانفجارات. بالتأكيد، ستعمل إسرائيل على مراجعة نظريتها الأمنية، وتكتيكاتها العسكرية، وستبقى منزعجة هي والولايات المتحدة لأن هيبتها العسكرية قد تبخرت إلى حد بعيد، وجيشها لم يعد ذلك الذي لا يُقهر. هذا وضع يشعل الضوء الأحمر من حيث أن قوى المقاومة المدعومة من إيران وسوريا أصبحت تهدد وجود إسرائيل كدولة خاصة أنه من المحتمل أن تتحول هذه المقاومة مستقبلا من الحرب الساكنة إلى الحرب المتحركة.
التحول الشعبي
من الملاحظ أن الشارع العربي قد أظهر بعض الشجاعة في مواجهة الحكومات العربية أثناء احتجاجاته على الحرب على غزة. مزيد من الأعداد خرجت إلى الشارع مقارنة مع أحداث سابقة، وأظهرت استمرارا على الرغم من مواجهة أجهزة الأمن العربية للمظاهرات. سرعان ما كان يفر المتظاهرون من أمام قوات الأمن العربية، لكن بعض الشجاعة الجماهيرية قد ظهرت هذه المرة، وإلى درجة أن بعض المتظاهرين قد رشقوا قوات الأمن بالحجارة.
ترافق مع المتظاهرين جرأة غير معهودة من قبل علماء دين، وإلى درجة توقيع حوالي مائة منهم على بيان يدعم المقاومة الفلسطينية ويطالب الحكومات العربية بالوقوف معها في مواجهة إسرائيل. عدد من الموقعين هم من شبه الجزيرة العربية (من السعودية)، الأمر الذي يشكل تطورا هاما في نشاط أئمة المسلمين، وانخراطهم في الحياة العامة التي تتعدى المسائل الفقهية. وقد برز الشيخ القرضاوي قائدا دينيا سياسيا ملهما لغيره من الأئمة، وظهر على شاشة التلفاز إبان احتفال بصمود المقاومة في قطر حاملا السيف.
المهم في هذه المسألة هو أن جمهور المتظاهرين وأئمة المسلمين يدعمون المقاومة، ويرفضون القبول بإسرائيل. لقد احتشد هؤلاء أمام وسائل الإعلام وحرضوا الناس، وقاموا بنشاطات تعبوية ضد إسرائيل ومن يؤيدها من الأنظمة العربية؛ في حين لم يكن بمقدور مؤيدي الحرب على غزة من القيام باي نشاط واكتفوا بعبارات خجولة حول التدمير الذي قامت به إسرائيل والقتل الجماعي، دون أن يغفلوا تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الحرب وما نجم عنها من خسائر بشرية ومادية. علا صوت المناهضين لإسرائيل فوق كل الأصوات المغايرة، وأنبأ بأن إسرائيل إلى مزيد من الخسران في الساحة العربية، وليس كما توهم بعض قادتها بأن عملية التطبيع الرسمي العربي تلقى قبولا جماهيريا. هذا بحد ذاته يصب في مصلحة المقاومة، ويدعم التوجهات العربية نحو اعتماد المقاومة كأسلوب وحيد تفهمه إسرائيل.
نقطة ارتكاز فلسطينية
لم ترتح إسرائيل للتطورات التي حصلت في غزة إثر سيطرة حماس على القطاع لأن فكرة الإعداد والاستعداد للقتال قد لاقت زخما كان ظاهرا في ميادين التدريب المختلفة. أخذت فصائل المقاومة وقتها للتدريب والإعداد، وتهريب الأسلحة ما أمكن من أجل رفع مستوى المقاومة، وربما ظنت إسرائيل أن المسألة سهلة أمام قدرات جيشها. الآن وقد فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها تحولت غزة إلى نقطة ارتكاز عسكرية فلسطينية. لقد ثبت ميدانيا أن قدرة إسرائيل العسكرية لم تخدم هدف القضاء على المقاومة، ومن السهل الاستنتاج بأن من صمد، يستطيع أن يضاعف من جهوده من أجل البناء العسكري.
من الممكن القول بأن المقاومة الفلسطينية قد أقامت نقطة ارتكاز في غزة، أو رأس جسر يمكن البناء عليه ليشكل بؤرة تحدي في مواجهة إسرائيل. هذا تطور يعني أن المقاومة قد اكتسبت فرصة المواصلة وهي على أرضها. لم يعد الفلسطينيون في مواجهة أمزجة الأنظمة العربية من ناحية المقاومة، وهم الآن يواجهون إسرائيل من على أرضهم. صحيح أن نقطة الارتكاز هذه محاصرة بخاصة من قبل الدول العربية، إلا أنها استطاعت تهريب الأسلحة والصمود وهي تحت الحصار، ومن يحاول لا يعدم الوسائل.
الانتخابات الإسرائيلية
هناك من يحسب بأن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر كثيرا على المسيرة التفاوضية لأن نتنياهو، المتوقع أن يشكل الحكومة الإسرائيلية، لا يؤمن بحل الدولتين، ويرى ضرورة استمرار الاستيطان في الضفة وتهويد القدس بالمزيد. وهناك من يتساءل عن جدوى المزيد من التشاؤم لأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سواء بقيادة من يسمون بالحمائم أو بالصقور لم تمنح السلام فرصة حقيقية، واستمرت بالسياسات الإسرائيلية التقليدية الخاصة بمصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني وبناء الجدار، الخ.
على أية حال، يرى مراقبون من مختلف بقاع الأرض بأن نتنياهو سيضع السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس في موقف حرج جدا لأنه سيصر على عدم قيام دولة فلسطينية وسيستمر في الاستيطان متحديا بذلك رغبات حلفائه الغربيين وغير مكترث بإحراج القيادة الفلسطينية التي من المفروض أنها صاحبة مشروع السلام مع إسرائيل. السلطة الفلسطينية غير مرتاحة لسير المفاوضات، وهي تبدي نوعا من الإحراج أمام الناس داخل فلسطين وخارج فلسطين، ويأتي نتنياهو الآن ليزيد آلامها.
تعنت نتنياهو في قضايا جوهرية، حتى لو لم تكن بصيغة إعطاء شيء للشعب الفلسطيني يضعف مقولات المؤيدين للمفاوضات مع إسرائيل من الفلسطينيين، ويقوي جدلية المؤيدين للمقاومة. لقد ضعفت جدليات المفاوضين عبر الزمن لأنهم لم يحصلوا على حقوق فلسطينية وطنية، ولم يستطيعوا إيقاف السياسات الإسرائيلية العدوانية، وهم سيجدون الأمور أكثر صعوبة أمام خصومهم من الفلسطينيين مع قدوم نتنياهو.
الإسرائيلي
لا أجد فروقا ذات شأن بين حكومة إسرائيلية وأخرى، وإن وجدت فروقا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فهي فروق في استعمال اللغة وليس في السياسات والإجراءات. سبق لنتنياهو أن كان رئيسا للوزراء وأثناء وجود عرفات على رأس السلطة الفلسطينية، وقد استمر في المفاوضات، واستمر أيضا في تنفيذ السياسات الإسرائيلية التي لا تترك مجالا لحقوق فلسطينية. وكما الحكومات الأخرى، ترك نتنياهو باب أموال الدول المانحة مفتوحا كسبب قوي لاستمرار السلطة الفلسطينية. فقط نتنياهو يستعمل لغة ثقيلة وأشد وطأة، وتقيم انطباعا بأن سياسة إسرائيل قد تغيرت.
حرج الأنظمة ونضوج المقاومة
تعيش الأنظمة العربية مأزقا حقيقيا من عدة جوانب أهمها علاقاتها الدبلوماسية والتطبيعية مع إسرائيل. لم تنجح الأنظمة العربية إطلاقا في استعادة أي من الحقوق الفلسطينية على الرغم من أنها قدمت الكثير من التنازلات لإسرائيل. اعترف فلسطينيون بإسرائيل وهم ينسقون معها أمنيا الآن، واعترف عرب بإسرائيل وطبعوا العلاقات معها، وتقدمت القمة العربية بمبادرة عام 2002 لحل الصراع، لكنها لم تفلح في إقناع إسرائيل بمجرد مناقشتها. بقيت الأنظمة العربية تحصر نشاطها من أجل فلسطين في الأمم المتحدة والمحافل الدولية دون أن تسلم من الإخفاقات.
حاولت الأنظمة العربية كبح جماح المقاومة، وتعاونت مع إسرائيل من أجل القضاء على المقاومة، لكن إسرائيل لم تستطع. وهي الآن تشن حملة على إيران من أجل إبقائها ضعيفة وحرمان المقاومة من سندها الحالي، لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئا سوى الاعتماد على إسرائيل وأمريكا بما في الأمر من حرج كبير أمام الجمهور العربي ومختلف الحركات السياسية القومية والإسلامية.
هذا حرج يشكل سلاحا ذا حدين: حد يدعو الأنظمة العربية للضغط بالمزيد على المقاومة وحرمانها من المال والسلاح كما هو حاصل في الحصار على غزة، وحد آخر يخشى الشارع العربي الذي أشرت إلى تصاعد حركته في الآونة الأخيرة. المقاومة تنتعش إن خففت الأنظمة العربية من ضغطها، والأنظمة تجد نفسها تحت مزيد من الضغط إن هي صعدت من هجمتها على المقاومة.
من ناحية أخرى، اكتسبت المقاومة في المنطقة نضوجا سياسيا وحنكة بحيث أنها أصبحت أكثر سرية في العمل وأفضل أداء من الناحية الدبلوماسية. لم يعد من السهل على الأنظمة العربية أن توهم قوى المقاومة بأنها تعمل لصالح الأمة، أو أنها جادة في استعادة الحقوق العربية. تعلمت قوى المقاومة من التجارب بشكل جيد، وتعلمت من اكتسابها للقوة، وأصبحت أكثر قدرة على المناورة السياسية وحشر الأنظمة في مزيد من الإحراج.
تعثر أمريكا في العراق وأفغانستان
لم تستطع أمريكا السيطرة على أفغانستان، ولم تحقق استقرارا يضمن استمرار الحكومة في مواجهة طالبان والقاعدة. المقاومة الأفغانية تتقدم، وعملياتها العسكرية ضد القوات الغربية تتصاعد، وخسائر الغربيين بازدياد. ونتيجة لذلك قررت أمريكا زيادة عدد قواتها في أفغانستان، وسط آراء غربية تقول إن كسب الحرب في أفغانستان أمر صعب المنال.
وفشلت أمريكا في تحقيق استقرار سريع في العراق، ومرت السنين دون أن تحرز الإدارة الأمريكية النصر الذي تحدثت عنه مباشرة بعد احتلال العراق. ارتفعت الضغوط الداخلية الأمريكية على الإدارة، ولم يكن من مفر إلا الانسحاب دون تحقيق الأهداف. في هذا ما يدفع المقاومة العربية في مواجهة إسرائيل إلى الاشتداد، إذ يشكل نجاح المقاومة في مكان تشجيعا لآخرين في مكان آخر.
انعكس التعثر الأمريكي في أفغانستان على باكستان التي تعيش حالة عدم استقرار ونزاعات داخلية دموية. ذهبت أمريكا إلى أفغانستان للقضاء على القاعدة وطالبان فازدادت المنظمتان قوة وعنفوانا، وامتدتا إلى باكستان حيث تعاني الحكومة الباكستانية من مقاومة قوية تدعوها إلى منح حكم ذاتي لفئات إسلامية في وادي سوات. على الرغم من أن باكستان العماد الرئيسي الذي اعتمدت عليه أمريكا في احتلال أفغانستان، إلا أنها تتحول الآن إلى قاعدة تهديد جديدة للمصالح الأمريكية. واضح أن الحرب على ما يسمى بالإرهاب قد أفرزت المزيد من المقاومة على ساحة المنطقة، وجعلت العالم الغربي في وضع صعب من الحيرة.
المتغيرات الدولية
لا يبدو أن المتغيرات على الساحة الدولية كبيرة، أو ذات تأثير كبير على ساحة الصراع العربي-الإسرائيلي، إلا أنها في النهاية تلقي ببعض الظلال التي قد لا تكون وارفة. أشير هنا إلى المتغيرات التالية:
تغير الموقف الروسي
لوحظ تغيير في اللهجة الروسية حيال الوضع الدولي بعد السيطرة على أوسيتيا الجنوبية، وإلحاق هزيمة سريعة بجيش جورجيا المتحالفة مع الولايات المتحدة. بدأ يتحدث الروس عن ضرورة وجود قطب آخر في العالم لأنه من الظلم أن يبقى العالم تحت هيمنة الولايات المتحدة. تحدثوا عن عظمة روسيا، وعن موقعها العالمي المتقدم، وأنها ستكون هي القطب الثاني، وقاموا بعدد من الخطوات المزعجة جدا للولايات المتحدة مثل إجراء تجارب صاروخية جديدة والإعلان عن تطوير أسلحة حديثة ذات تقنية عالية، وإرسال قطع بحرية إلى منطقة القرن الإفريقي وتنشيط الدوريات البحرية في أعالي البحار. وصعدت روسيا من عرض عضلاتها فأرسلت بعض قطعها الحربية إلى فنزويلا لإجراء مناورات بحرية مشتركة مع البحرية الفنزويلية، وتسربت معلومات عن إمكانية حصول روسيا على قاعدة نُزُلية (لوجستية) في ميناء اللاذقية السوري.
لا شك أن ظهور قطب روسي منافس للولايات المتحدة يؤثر على المنطقة العربية الإسلامية، ويعطي دفعة معنوية على الأقل للدول والحركات المناهضة لأمريكا وإسرائيل. من الصعب الآن البناء على هذا الاحتمال لأن أمام روسيا مسافة طويلة لقطعها قبل أن تصبح فعلا قطبا ثانيا وهي تتمثل بضرورة تطوير رؤية روسية للاستقطاب، وتمكين ذاتها اقتصاديا وماليا بسبب ما يترتب على القطبية من التزامات. حتى الآن لم تطور روسيا علاقاتها مع الدول التي لا ترى عدالة في السياسة الأمريكية في المنطقة مثل إيران وسوريا، وهي ما زالت هادئة جدا في إثبات وجودها.
إنما المهم أن روسيا قد لا تدعم فصائل المقاومة مثل حزب الله وحماس لأن هذه الحركات إسلامية واقفة مع حركات إسلامية تحارب روسيا وتطالب بانفصال بعض الأقاليم عن روسيا مثل الشيشان، وعن صربيا حليفة روسيا. وقد لا حظنا كيف أن الموقف الروسي بقي منتقدا لحماس، واعتبر حرب إسرائيل على غزة حربا دفاعية في مواجهة الصواريخ المنطلقة من غزة. زار وزير خارجية روسيا في الآونة الأخيرة إسرائيل ومصر، لكنه لم يزر غزة ولم يلتق قيادات حماس لا داخل غزة ولا خارجها. واضح أن روسيا تؤيد المقاربة الأمريكية لحل الصراع العربي- الإسرائيلي، (بوتين، 14،شباط/2008) وأنها ستكون عاملا كابحا للمقاومة من خلال تأييدها للاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير مع إسرائيل واستمرار المفاوضات.
الانتخابات الأمريكية
ذهب بوش وأتى أوباما وتنفس العالم الصعداء بسبب ما أحدثه بوش من حروب وسفك دماء. بوش كان ظاهرة غير متزنة وغير متوازنة وورط أمريكا في كثير من المغامرات الخارجية. أتى أوباما وهو يعد بمقاربات جديدة في العلاقات الدولية. تحدث عن ضرورة تعزيز مقاربة الحوار، وكبح مقاربة الحروب، ووعد بمزيد من المحادثات مع روسيا وإيران وغيرهما من الدول لحل المشاكل العالقة. لكن هل هذا ينطبق على الصراع العربي-الإسرائيلي؟
من خلال التصريحات التي أدلى بها أوباما أثناء حملته الانتخابية، لا يبدو أنه يحمل شيئا جديدا فيما يخص القضية الفلسطينية، ولا يبدو أن حماسه لدعم إسرائيل يقل عن حماس الذين سبقوه. أتى أوباما بلهجة جديدة حول مختلف القضايا العالمية، لكنه لم يغير لهجة من سبقوه بشأن فلسطين، ولم يختر وزيرا للخارجية يحمل فكرا جديدا حول طريقة حل الصراع. السيدة كلينتون متحمسة لإسرائيل جدا، (BBC News, 3 March, 2009) وعبرت عن هذا الحماس مرارا وتكرارا في حملتها الانتخابية ضد أوباما وأثناء قيامها بمهامها كعضو مجلس شيوخ. (Clinton. All Americans Behind Israel) من الصعب جدا الظن بأن أوباما سيغير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والفلسطينيين بخاصة أن المسألة لها جذور عميقة الآن في المجتمع الأمريكي وفي الحركات المؤيدة لإسرائيل واليهود الصهاينة، والكونغرس الأمريكي. دعم إسرائيل في أمريكا عبارة عن أمر مؤسسي لا يخضع لأمزجة فردية، والأمر يتطلب وقتا طويلا لإحداث تغيير ذي قيمة في محتواه. المعنى أن سياسة أوباما في المنطقة لن تؤدي إلى استرخاء الأعصاب، ولن يحصل مؤيدو التفاوض مع إسرائيل على فرصة لدعم جدليتهم التفاوضية في مواجهة جدلية المقاومة.
النهوض الصيني
تزاحم الصين الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا، ومنتوجاتها تغزو العالم؛ وفي ذات الوقت تعمل على زيادة إنفاقها العسكري. (Aljazeera Net. March 3, 2009) هناك إشارات بأن الصين تحاول الاندفاع لتكون قطبا عالميا فاعلا ومنافسا للولايات المتحدة، لكن لا يبدو أن أوضاعها العسكرية والاقتصادية تؤهلها للعب هذا الدور بعد. ولهذا من الصعب الاستنتاج بأن الصين سيكون لها دور في دعم المسيرة التفاوضية أو المقاومة في مواجهة إسرائيل، وهي ستكتفي بغض الطرف والموافقة على ما تتوصل إليه الرباعية الدولية.
الاتصال بفصائل المقاومة
ضرب أهل الغرب وأعوانهم من العرب حصارا على الشعب الفلسطيني منذ فوز حماس بانتخابات المجلس التشريعي، وأحكم الحصار بعد سيطرة حماس تماما على غزة، وشجع إسرائيل على شن حرب على أمل إنهاء حكم حماس. ويبدو أن نتائج الحرب قد أملت على الغرب إعادة التفكير بطريقة مواجهته لحماس والمقاومة الفلسطينية بصورة عامة. ظهرت أصوات غربية تدعو إلى إقامة حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وشجعت مصر على استضافة الحوار الفلسطيني بزخم جديد، ودعا غربيون إلى ضرورة التحدث مع حماس.
على ذات الدرب، أعلنت بريطانيا بتاريخ 5/آذار/2009 بأنها ستعيد الاتصال مع حزب الله السياسي بعد أن كانت قد صنفته مع دول عربية أخرى على أنه إرهابي. ومن المحتمل أن تحذو حذوها دول عربية أخرى.
لا أرى أن شيئا قد تغير وفق الرغبات الغربية والإسرائيلية لكي نجد دعوات للاتصال بفصائل المقاومة إذ لم يتخل حزب الله والمقاومة الفلسطينية عن البندقية، ولم يقررا السير بطريق المفاوضات على النمط الغربي. على العكس، يصر الفلسطينيون واللبنانيون على الاستمرار في المقاومة وعلى اعتبارها الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق العربية. العامل الوحيد الذي يمكن أن يفسر هذه الدعوات هو صمود المقاومين وإفشالهم لمحاولات إسرائيل للقضاء على المقاومة. ربما بدأوا يظنون أنه من الممكن القضاء على المقاومة من خلال الأساليب الناعمة بدل الخشونة التقليدية، وهذا ما عبر عنه الناطق باسم الخارجية البريطانية في مقابلة تلفزيونية. (الجزيرة، 5/آذار/2009)هذا أمر منطقي من الناحية التاريخية لأن من لا يستطيع الغلبة بالحرب يحاول الإلتفاف بطرق أخرى.
الخلاصة
ممكن مما ورد أعلاه أن نخلص إلى التالي:
هناك متغيرات إقليمية هامة تشير إلى اكتساب المقاومة لزخم لم يحصل من قبل، وأهم هذه المتغيرات التحول في ميزان القوى الإقليمي الذي أحدثته إيران.
فشل إسرائيل في حربين متتاليتين يعزز إصرار الراغبين في المقاومة على مواصلة المقاومة، والقيام بمزيد من الجهود التسليحية والتكتيكية.
ستصر الأنظمة العربية وإسرائيل على الاستمرار في عملية التفاوض على الرغم من عدم إحراز تقدم حقيقي فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية ذلك لأن صعود المقاومة يهدد الطرفين الرسمي العربي والإسرائيلي. ستحاول الأنظمة العربية إبعاد المقاومة عن إيران واستقطابها لتتساوق مع المسيرة التفاوضية، لكن نجاحها ليس متوقعا.
ستعيد إسرائيل التفكير بكل أساليبها العسكرية بسبب الفشل الذي منيت به، ومن المحتمل أن نشهد أساليب إسرائيلية جديدة في حروبها القادمة.
يبدو أن العامل الدولي لا يعمل لصالح المقاومة بخاصة فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية، لكن أمريكا تحمل هموما عسكرية واقتصادية كثيرة لا تسمح لها بمزيد من التورط في أعمال حربية، أو كسب مزيد من الأعداء، أو وضع الأنظمة العربية بمزيد من الإحراج.
بصورة عامة، الظروف مهيأة الآن لمزيد من المدّ المقاوم، وفشل المفاوضات يحشر أصحابها في زاوية الإحباط.
المصادر
Farzad Pezeshkpour, “Iran and the regional Balance of Power,” 5 March, 2007. www.mianeh.net/en/articles/?aid=041
LESLIE SUSSER, “Did Israel Achieve its Goals?” Jewish News, January 23, 2009/Tevet 27 5769, Volume 61, No. 18 HYPERLINK “http://www.jewishaz.com/issues/story.mv?090123+gaza" www.jewishaz.com/issues/story.mv?090123+gaza
Reza Hossein Borr, How Iran is changing the balance of power in the Middle East? 21 May, 2008. HYPERLINK “http://www.globalpolitician.com/24787-iran" www.globalpolitician.com/24787-iran
RIA Novosti, Russia Backs US Peace Efforts in Mideast, 14 Feb, 2008. www.debka.com/article.php?aid=1358
HYPERLINK “http://english.aljazeera.net/news/asia-pacific/2009/03/2009344953877430 .html” China increases military spending - 3 Mar 2009
Aljazeera.net
BBC News. “US Israel Support Unshakable,” 17:05, 3 March, 2009. news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/7920210.st
All Americans behind Israel, says Hillary Clinton… 2 August, 2006.
HYPERLINK “http://www.bignewsnetwork.com/forum/showthread.php?t=241" www.bignewsnetwork.com/forum/showthread.php?t=241
Iran Israel relations, Wikipedia, en.wikipedia.org/wiki/Iran-Israel_relations
Defense Industry of Iran, Wikipedia, en.wikipedia.org/wiki/Iranian_military_industr