الاعتقالات السياسية لدى السلطة الفلسطينية

الدكتور عبد الستار قاسم

بدأت السلطة الفلسطينية اتخاذ إجراءات ضد مناوئي اتفاق أوسلو والمجاهدين الفلسطينيين منذ اليوم الأول الذي تسلمت فيه مقاليد الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا، وذلك وفقا لما ورد في بنود اتفاق أوسلو واتفاق القاهرة المؤقت لعام 1994 الذي وضع تفاصيل عملية انتقال السلطة المدنية من يد الاحتلال إلى يد السلطة الفلسطينية. بدأت الإجراءات بإقامة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وإعداد الملفات الخاصة بفصائل المقاومة وقادة الرافضين لاتفاق أوسلو، الخ. ثم بدأت عملية فرض السلطة بطرق متعددة وعلى رأسها الترهيب، فقامت السلطة عام 1994 بإطلاق النار على المصلين الذين كانوا خارجين للتو من مسجد فلسطين وقتلت وجرحت المئات خلال ساعتين. وكنت أنا كاتب هذا المقال أول من تعرض لإطلاق نار ترهيبي من قبل رجال المخابرات الفلسطينية عام 1995، وأصبت بأربع رصاصات.

البعد الأمني في الاتفاقيات مع إسرائيل

لا يمكن لإسرائيل أن توقع اتفاقا مع عربي ما لم يتعهد هذا العربي بالدفاع عن الأمن الإسرائيلي. المصلحة الأمنية الإسرائيلية هي العليا في اتفاقية كامب ديفيد، وكانت كذلك في اتفاقية أيار/1983 مع لبنان، وهي كذلك أيضا في الاتفاقيات مع الفلسطينيين والأردنيين. وإذا كان للجانب العربي أن يرفض الوفاء بالمتطلبات الأمنية الإسرائيلية فإن إسرائيل لا تمضي قدما في صياغة اتفاقيات.

تعهد عرفات في رسالته التي أرسلها إلى رئيس وزراء إسرائيل قبل اتفاق أوسلو بأيام قليلة بنبذ الإرهاب وملاحقة الإرهابيين، وتعهد بضبط صفوف منظمة التحرير الفلسطينية فيما يتعلق بهذا الشأن. جاء اتفاق أوسلو ليؤكد على هذه المسألة ولينص على تعاون أمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليؤكد على أن الأمن الإجمالي الخاص بالإسرائيليين هو من صلاحيات إسرائيل. ثم أتت اتفاقية طابا لعام 1995 لتضع التفاصيل بخصوص مختلف القضايا. تقول الاتفاقية إنه على السلطة الفلسطينية أن تلاحق الإرهابيين وتقضي على البنى التحتية للإرهاب، وعليها أيضا ألا تلاحق بأي شكل من الأشكال الذين تعاونوا مع إسرائيل. أي أن على السلطة ملاحقة المجاهدين والمقاتلين، وترك الجواسيس والعملاء وشأنهم.

ربطت إسرائيل التقدم في المفاوضات بما تقوم به السلطة الفلسطينية من تقدم في المجال الأمني، والذي يعني التقدم في ضرب المقاومين الفلسطينيين وتصفية فصائل المقاومة الفلسطينية. كانت السلطة تحصل على مكافآت كلما حققت إنجازا في هذا المجال، وتتعرض للعقوبات كلما تلكأت أو أخفقت في ذلك. كان على السلطة الفلسطينية أن تثبت باستمرار أنها وفية لاتفاقيات أوسلو، وعازمة على ضرب المقاومة الفلسطينية لكي تنال الرضا وتضمن تدفق أموال الدول المانحة التي تتحكم بصرفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من ذلك، أبقت إسرائيل السلطة تحت الضغط المستمر، ولم تعطها شهادة امتياز أبدا، وكانت تكتفي فقط بالثناء على جهود السلطة كلما حملت العصا الغليظة، وتطالبها بالمزيد من بذل الجهد.

حتى الآن، أموال الدول المانحة مرتبطة بالتقدم في المجال الأمني، وبجهود السلطة بتجريد فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس من سلاحها. وقد أتت أمريكا برئيس وزراء فلسطيني يقف ضد المقاومة، وربطت تدفق الأموال به كشخص يحتل منصب الإشراف على صرف الأموال. ومن يريد راتبا حكوميا في فلسطين، عليه أن يخلع عن نفسه كل أردية الحياء ويجاهر بالحرص على الأمن الإسرائيلي.

اعتقالات البدايات

بدأت السلطة الفلسطينية باعتقالات سياسية واسعة بعد تسلم السلطة في المدن الرئيسية أواخر عام 1995 وفق اتفاقية طابا، وبالذات في صفوف حماس والجهاد الإسلامي على اعتبار أنهما الفصيلين الإسلاميين اللذين يتبنيان المقاومة المسلحة كطريق لتحرير فلسطين. تم اعتقال المئات في تلك الفترة ومن ضمنهم عناصر من شهداء الأقصى التابعين لحركة فتح، والذين كانوا يقضون سجنهم في مقار الأجهزة الأمنية وليس في السجون العادية.

لكن السجن في حينه لم يكن حادا وقاسيا، وغلبت عليه روح التهاون مع من كانوا يسمون بالأخوة من الفصائل غير حركة فتح. كان بإمكان المعتقل أن يخرج أحيانا من معتقله لقضاء بعض أعماله أو لزيارة أقاربه وذويه، أو للمشاركة في أفراح وأحزان خاصة؛ وكان يحصل على ما يريد من ملابس، وفي كثير من الأحيان كان ينعم بباب غرفة سجن غير مقفلة، ويتحرك خارجها بنوع من الحرية. هذا فضلا عن أن تعامل السجانين لم يكن فظا إلا ما ندر، وكان السجان يجد فرصة طيبة للتداول السياسي والاجتماعي مع سجنائه.

انتبهت إسرائيل إلى الأمر، ووصفت اعتقالات السلطة بأنها اعتقالات الباب الدوار: أي الباب الذي يدخل منه الشخص ويدور به ليخرج من حيث دخل. قالت إسرائيل إن السلطة الفلسطينية تموّه وتقوم باعتقالات غير جادة، وإن عليها أن تلتزم بكل ما هو مطلوب منها إذا أرادت إحراز تقدم في العملية التفاوضية.

لم تكن السلطة الفلسطينية مرتاحة للاعتقالات لأن مردودها الشعبي كان سلبيا جدا، وأساء كثيرا لصورتها التي لم تكن طيبة على أية حال. كانت السلطة متهمة من قبل كثيرين بأنها إحدى أدوات الاحتلال، وجاءت الاعتقالات لتكرس ذلك. وصل هذا المردود السلبي إلى العديد من عناصر حركة فتح الذين كانوا يرون في الاعتقالات إساءة لهم ولتاريخهم النضالي، وكثيرا ما وجدوا أنفسهم في مواقف محرجة مع رفاق سجن كانوا قد شاركوهم المعاناة في سجون الاحتلال الصهيوني. أنا نفسي خبرت هذا الأمر من حيث أن العديد من عناصر فتح كان يعبر عن خجله من وجودي في معتقل فلسطيني، وعن ممارسته للقمع ضد أبناء فلسطين الذين يناهضون الاحتلال.

الاستضافة

لم يكن أفراد السلطة الفلسطينية قساة بحق المعتقلين من فصائل المقاومة، وكانوا يحاولون تجنب الاحتكاك الذي كانوا يرون انتهاءه بردود فعل محرجة لهم. وقد كان يغلب عليهم طابع التعاون مع المعتقلين وتجنب الاستفزاز. وقد كان التساهل واضحا من حيث إدخال مواد يرغب فيها المعتقل مثل الكتب ووسائل الكتابة ووسائل الاستقبال الإذاعي. ولم تكن السلطة بخيلة في الطعام الذي كان يُقدم للمعتقلين، وكان الطعام وفيرا إلا في حالات طفرة في أعداد المعتقلين.

هذه التهمة، ويعتبرونهم مرتزقة الراتب الذي يتلقونه آخر الشهر.

قانونية الاعتقالات

لا يوجد في القانون الفلسطيني ما يشرعن (يجعله شرعيا) هذا النوع من الاعتقالات، وعلى العكس، يحرم القانون الفلسطيني الاعتقال السياسي، وينص على حق السجين في الدفاع عن نفسه واللجوء إلى الأطر القانونية المناسبة. ولهذا فإن كل هذه الاعتقالات كانت تتم خارج القانون وبصورة تعسفية، وبدون إذن من قاض أو هيئة قانونية. لم يتم تقديم المعتقلين لمحكمة إلا ما ندر على الرغم من أن بعضهم مثل الشيخ جمال منصور رحمه الله قضى قرابة الثلاثة أعوام في المعتقل دون محاكمة.

لجأ بعض المعتقلين مثل كاتب هذا المقال إلى المحكمة العليا وصدر بشأنهم قرار بالإفراج، لكن السلطة لم تفرج عنهم. لقد حصلت على قرار بالإفراج من محكمة فلسطين العليا، لكن السلطة التنفيذية لم تكترث بتاتا، وبقيت في المعتقل إلى أن أذن عرفات بالإفراج.

إنما من الواضح أن الاعتقالات كانت تتم كتنفيذ لتعهدات السلطة الفلسطينية الأمنية تجاه إسرائيل. أي أن هناك اتفاقيات أقوى بكثير من القانون الفلسطيني، والسلطة تعلم أن عدم قيامها بمثل هذه النشاطات يفقدها مبرر وجودها، والأفراد يعلمون أن ما يقومون به يبرر استلامهم الراتب آخر الشهر.

مرحلة الاعتقالات التالية

ضجت الناس بعد اندلاع انتفاضة عام 2000، وأخذت تعتصم عند المعتقلات الفلسطينية مثل سجن جنيد، وأرغمت السلطة الفلسطينية في النهاية على الإفراج عن جميع المعتقلين. لقد ضعفت السلطة أمام تطور الانتفاضة الفلسطينية التي اشترك فيها جميع أبناء الشعب الفلسطيني بمن فيهم عناصر حركة فتح، ولم يعد بمقدورها تحمل الإحراج المتصاعد. وبهذا انتهت مرحلة من الاعتقالات السياسية.

خمدت الاعتقالات حتى 14/حزيران، يونيو/2007 عندما قامت حماس بالسيطرة على قطاع غزة. كانت الضفة الغربية وغزة تحت الحصار، وكان الناس في ضائقة مالية صعبة، وكان ضغط إسرائيل وأمريكا على السلطة كبيرا لأسباب سياسية متعلقة بالأمن الإسرائيلي.

انتهى الاسترخاء الاعتقالي الفلسطيني يوم سيطرت حماس على القطاع، وبدأت اعتقالات واستجوابات سياسية في كل من الضفة الغربية وغزة. بدأت حماس بحملة اعتقالات في صفوف حركة فتح، وبدأت السلطة الفلسطينية اعتقالات في صفوف حركة حماس، مع اختلاف في خلفية الاعتقالات. قالت سلطة رام الله بأنها بدأت اعتقالات في صفوف حماس حتى تحول دون قيام حماس بانقلاب عسكري كالذي قامت به في غزة، وبهذا بررت ملاحقة أسلحة حماس. هذا تبرير يمكن أن يكون مقبولا تماما لو لم تكن الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر إذ أن حماس لا تستطيع أن تتحرك عسكريا بصورة مكشوفة حتى لا تتعرض لقمع الاحتلال. سلاح حماس ملاحق إسرائيليا في حين أن سلاح السلطة مرخص إسرائيليا.

كان هناك ضغط إسرائيلي وأمريكي هائل على السلطة الفلسطينية في رام الله لاتخاذ إجراءات أمنية ضد حركة حماس وكل فصائل المقاومة، وتم ربط المساعدات المالية برمتها بالنشاطات الفعلية التي تقوم بها السلطة في هذا المجال. فضلا عن أن أمريكا اشترطت سلام فياض ليكون أمينا على الخزانة الفلسطينية إذا كان للفلسطينيين أن يحصلوا على المساعدات. أي أن المسألة لم تكن ترتبط بأمن فلسطيني وإنما بمتطلبات الأمن الإسرائيلي التي تعهدت السلطة بالوفاء بها. وأصلا لو لم يكن هناك التزامات أمنية فلسطينية لصالح إسرائيل لما حصل الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، ولما حصلت هذا الانقسام الحاد على الساحة الفلسطينية.

أما حماس فبررت اعتقالاتها على أنها إجراءات أمنية للحفاظ على الأمن الداخلي الفلسطيني في القطاع، وقالت بأن هناك عناصر من فتح تعمل على خلق المشاكل والأزمات وتأجيج الاقتتال ومنع الاستقرار. لكن حماس لم تستطع تبرير اعتقال العديد من السياسيين الذين لا يحملون سلاحا، ولا يخرجون إلى الشوارع مقاتلين.

عنف المرحلة

لم تكن اعتقالات هذا المرحلة هادئة ومتروية، وإنما كانت عنيفة ودموية أحيانا، وكانت مشبعة بالكراهية والبغضاء والأحقاد السوداء. مارس الطرفان الفتحاوي والحمساوي العنف ضد المعتقلين والتعذيب، وقد لحق ببعض المعتقلين عاهات جسدية، وتوفي آخرون. لقد لقي فلسطينيون صنوفا صعبة جدا من التعذيب خجل الاحتلال الصهيوني من ممارسة شبيهها.

أثنت الإدارة الأمريكية وإسرائيل على سياسة السلطة الفلسطينية في الاعتقال، وفي الاستيلاء على مؤسسات حماس وتحويلها إلى إدارات فتحاوية، وكررت الدولتان إصرارهما على اجتثاث حركة حماس من الضفة الغربية. ومقابل ذلك، وعدت الدولتان باستمرار تقديم التسهيلات للسلطة من ناحية الأموال، ومن ناحية التخفيف من معاناة الحياة اليومية للشعب الفلسطيني والمتعلقة غالبا بالحواجز العسكرية وتنقل المواطنين بين المناطق.

الآن ساعة إعداد هذا المقال، يبدو أن حدة الهجمة الاعتقالية قد خفت على الرغم من استمرار التعذيب. الهجمة الآن في الضفة الغربية أكثر هدوءا مما كانت عليه قبل عدة أشهر.

جريمة الاعتقال السياسي

أبشع ما يترتب على الاعتقال السياسي هو توليد الضغائن والأحقاد الداخلية بين الفلسطينيين مما يؤدي في النهاية إلى التمزق والتفكك والاحتراب. خبرتنا اليومية في هذا المجال واضحة وبينة أمام الجميع، وهي تشير إلى أن الاعتقال عبارة عن استفزاز صارخ للمشاعر المختلفة ويولد الرغبة في الانتقام، وقد لاحظنا ردود الفعل الغاضبة من قبل أهالي المعتقلين، ورغبتهم في الانتقام من خلال أحاديثهم وتعليقاتهم.

أما المأساة التاريخية فتتمثل في قيام فلسطينيين مشردين مقهورين مظلومين باعتقال فلسطينيين دفاعا عن الأمن الإسرائيلي لقاء وعود غامضة لم يتحقق منها شيء حتى الآن. من الصعب جدا أن نجد في التاريخ مجلودا واقفا حارسا على بوابات مملكة جلاده، ولا يبدو أن القيادات الفلسطينية قد قرأت التاريخ جيدا، أو ربما أنها غير معنية أصلا بالتعلم وأخذ العبر.

ربما على كل فلسطيني أن يسأل: هل المكاسب التي حققتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من العملية التفاوضية تستحق أن يقوم فلسطيني باعتقال فلسطيني آخر لأنه يجاهد ضد إسرائيل؟ أو ربما على الفلسطينيين القول: إذا كان اعتقال الفلسطيني للفلسطيني دفاعا عن الأمن الإسرائيلي هو ثمن إقامة الدولة الفلسطينية، فإننا لا نريد هذه الدولة.

اقرأ بلغة English