جدلية الانتخابات السياسية في ضوء الانتخابات المحلية

الدكتور عبد الستار قاسم

قامت السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات مجالس محلية بتاريخ 20/ تشرين أول/ 2012، وذلك في الضفة الغربية دون قطاع غزة بسبب حالة الانقسام التي تشهدها الساحة الفلسطينية في الضفة والقطاع. جرت الانتخابات في 93 هيئة انتخابية، في حين فازت قوائم 179 هيئة بالتزكية بسبب عدم وجود منافسة. تخلفت هيئات عن الانتخابات بسبب مشاكل داخلية، ومن المتوقع أن تجري فيها انتخابات بتاريخ 24/تشرين ثاني/2012.

من متابعة الانتخابات، تمثلت أمامي انتخابات المجالس المحلية إبان العهد الأردني حيث كان ينشغل الناس بمنافساتهم العائلية والشخصية بعيدا عن المساس بالقضايا العامة التي تؤثر على حياة الناس. ساد يوم الانتخابات الجو العربي التقليدي الذي فرضته الأنظمة السياسية العربية، فغابت البرامج إلى حد بعيد، وغابت الكفاءات المهنية عن الترشيح، وحضرت العائلة والقبيلة والمنافسات الزعاماتية المحلية. ويمكن إجمال هذا الجو بالنقاط التالية:

غياب الأجواء الديمقراطية عن الانتخابات المحلية بسبب عدم مشاركة المعارضة الفلسطينية، وبالتحديد حركة حماس. الأوضاع السياسية في الضفة الغربية لا تسمح بمشاركة حماس أو الجهاد الإسلامي بسبب ملاحقة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية لأعضائهما، وكان من المتوقع أن تتعرض قوائمهما فيما لو قررتا المشاركة للملاحقة والاعتقال. والضفة الغربية تشهد ذلك في انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات إذ يتعرض شباب حماس والجهاد لملاحقة أجهزة الأمن، وأحيانا لملاحقة إدارات الجامعات التي تدين بالولاء للسلطة الفلسطينية. قالت السلطة الفلسطينية إن الانتخابات كانت ديمقراطية، لكنها كانت بحاجة لإثبات ذلك.

غياب البرامج الانتخابية التنافسية ذات الأبعاد الاستراتيجية في تحقيق تقدم وازدهار القرى والمدن. تم طرح برامج ساذجة تخلو من التنافس الفكري والمنهجي والأولويات، ويبدو أن هدفها كان فقط إعطاء صورة برامجية للانتخابات والإعلاء من شأن إجرائها.

بروز العائلية والعشائرية كمكون أساسي وحيوي للمجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية، وذلك على حساب مفهوم المجتمع الأوسع. لقد شكلت الانتخابات ردّة اجتماعية كبيرة أعادت المجتمع في الضفة إلى سنوات العهد الأردني الذي رأى في العائلية مكونا حيويا لاستقرار الحكم. وهذا ما يفسر فوز أغلب الهيئات الانتخابية بالتزكية حيث توصلت المكونات العائلية لهذه القرى والبلدات إلى توافقات تضمن تمثيلا لكل عائلة تبعا لعوامل محددة.

غياب الشعار الوطني عن الانتخابات، وحصر الدعاية الانتخابية بشعارات عنجهية تخلو من المحتوى العملي مثل “يا جبل ما يهزك ريح.” لم يسمع الفلسطيني شعارا واحدا ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولم يقرأ شيئا حول كيفية معالجة التقييدات التي يفرضها الاحتلال على تطوير القرى والبلدات سواء من ناحية التزود بالمياه أو الكهرباء.

تدني نسبة المشاركة في الانتخابات والتي بلغت 54% تقريبا. هذه نسبة عالية بالمقاييس العالمية الحالية، لكنها تبدو ضئيلة عندما نرى تدني نسبة المشاركة في المدن وارتفاعها في القرى. القرى هي التي رفعت النسبة لأن الانتخابات كانت في الغالب على أسس عائلية، وثبت أن العائلات في فلسطين أكثر قدرة من الجهات السياسية على حشد الناخبين.

فوز التنظيم من خلال العائلة وبالذات تنظيم فتح. طغت العائلية على التحالفات الانتخابية، وكان على التنظيمات التي قررت خوض الانتخابات التحالف مع عائلات لكي تستطيع الفوز. وهذا ما يفسر عدم وجود قوائم فصائلية خالصة، وتحول الفصيل إلى أداة بأيدي العائلات والتي غاب عنها الحكماء وسيطر عليها في الغالب بعض الواهنين علميا واجتماعيا.

التأثير على الانتخابات السياسية

المعارضين لا يوافقون على الحل الفتحاوي للانقسام بسبب خوفهم من الهزيمة. الحل الفتحاوي هو اللجوء إلى انتخابات تشريعية ورئاسية للتغلب على الانقسام، إذ يقرر الشعب من خلالها ما يريد.

لكن إذا ابتعدنا عن وسائل الإعلام، لا بد لحركة فتح والسلطة الفلسطينية المنبثقة عنها أن تفكرا بعدد من النقاط الجوهرية منها:

من المفترض أن تكون الانتخابات التشريعية والرئاسية ديمقراطية تفتح المجال أمام المعارضة للمنافسة بحرية وبدون رقابة أو ملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية. عندها ستكون فتح مقيدة بمقومات المنافسة الديمقراطية من حيث مستوى المرشحين والبرامج المطروحة، وتركيبة قوائم المرشحين.

عطفا على نسبة المشاركين في الانتخابات، ونسبة ما حصلت عليه القوائم الفائزة من الأصوات، نجد أن احتمالات فوز حركة فتح بأغلبية مقاعد التشريعي ضعيفة، وأن احتمال فوزها بالرئاسة ليس عاليا بخاصة إذا أحسنت المعارضة التقدير في اختيار مرشحها. نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية في المدن الكبيرة مثل نابلس والخليل وطولكرم متدنية الأمر الذي يعطي انطباعا بأن المدن الكبرى لا تتجه نحو حركة فتح. أما القرى فمشكوك أيضا باصطفافها إلى جانب حركة فتح بسبب النمط الزئبقي المصلحي الذي يحدد توجهات العائلات، هذا إن سادت الروح العائلية.

قد تكون الروح العائلية التي سادت الانتخابات العائلية مؤقتة بسبب الترهل السياسي الذي يسود الضفة الغربية، ومن المحتمل أن تتقلص هذه الروح إلى وضعها الاعتيادي فيما إذا سادت الأجواء السياسية التنافسية وطغت على العائلية. هناك تقدير بأن العائلية قد استحوذت على حوالي 30% من الأصوات في انتخابات عام 1996، علما أن المنافسة كانت غائبة بسبب عدم خوض المعارضة للانتخابات. ومن الوارد أن النسبة هذه ستنخفض فيما إذا جرت انتخابات تنافسية على أسس سياسية ووطنية. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الروح العائلية ليست محسومة لصالح حركة فتح حيث شاهدنا عائلات تنتخب حركة حماس في انتخابات عام 2006.

صعوبة خوض حركة فتح انتخابات سياسية بشعارات وطنية وسياسية مقنعة للناس وذلك بسبب إخفاق السلطة بتحقيق إنجازات فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. المفاوضات المسؤولة عنها حركة فتح فاشلة، والفساد بقي قائما على الرغم من تقلص ظهوره للعيان، والرواتب تتعرض لاهتزازت متتالية، والاعتماد على الآخرين يتفاقم. يؤثر فشل السلطة مباشرة على حركة فتح ويضعف فرصها في الفوز في الانتخابات.

أثر الانقسام والاقتتال سلبا على كل الفصائل الفلسطينية وبالتحديد على حركتي فتح وحماس. لقد خسر الفصيلان بعض تأييدهما في الضفة وغزة، ومن المهم لكل فريق أن يقدّر مقدار خسارته إذا كان له أن يحسب فرصه بالفوز في الانتخابات السياسية.

تحتاج فتح إلى البحث عن شخصيات ذات مستوى علمي رفيع وحجة مقنعة لخوض الانتخابات السياسية، وهي ستتضرر إذا خاضتها بوجوه معروفة الآن لدى الجمهور، أو بوجوه شبيهة بأغلب الأسماء الواردة في قوائم الانتخابات المحلية.

الخلاصة

من الصعب على حركة فتح خوض انتخابات سياسية ناجحة بخاصة إذا تقدم مستقلون أصحاب شأن علمي وسياسي لخوض الانتخابات. ربما لا يكون هناك تصاعد في تأييد حركة حماس في الضفة الغربية، لكن فتح لم تتعلم الدرس من انتخابات عام 2006، واستمرت على ذات التصرفات التي كلفتها ثمنا باهظا. ولهذا ليس من المتوقع أن يستمر اندفاع السلطة الفلسطينية بقيادة عباس للتنظير للانتخابات كمخرج من الاتقسام. لن يكون هناك تنظير ضد الانتخابات، لكن وتيرة الدعوة لإجرائها ستخف تدريجيا. أي أن تأثير الانتخابات المحلية على الدفع باتجاه انتخابات سياسية سلبي.

اقرأ بلغة English