تخوف القرضاوي من التشيع

الدكتور عبد الستار قاسم

يتخوف فضيلة الشيخ القرضاوي من المد الشيعي في المجتمعات السنية، وقد أشار إلى نشاطات إيرانية في البلدان العربية لتشييع الناس، ودعا إلى ضرورة العمل على خنق هذه النشاطات وتوعية الناس حول التشيع ومخاطره. ووفق ما يتوارد، هناك من يميلون نحو التشيع في مصر والمغرب، وهناك من تشيع بالفعل. وقد سبق للسيد حسن نصر الله أن أشار إلى اتهام حزب الله بتبني مشروع تشييعي، ونفى الأمر جملة وتفصيلا.

كمتابع للأوضاع على مستوى الوطن العربي، لم أعلم حتى الآن عن جمعية أو منظمة غير حكومية أقامتها إيران أو حزب الله للترويج لفكرة التشيع واستقطاب أهل السنة، ولم أسمع عن مراكز إعلامية توجه خطابها بهدف تحويل أهل السنة إلى شيعة. طبعا فضيلة الشيخ القرضاوي يعرف أكثر مني في هذا المجال، وإذا قال إن هناك مراكز وجمعيات تبشيرية شيعية فقد صدق.

السؤال الذي أود طرحه هو: لماذا يتخوف أهل السنة من تمدد الفكرة الشيعية وهم الغالبية العظمى من بين المسلمين؟ لماذا يقف أهل السنة موقفا دفاعيا وهم يملكون الأموال والعلماء والوسائل والأساليب للتأثير على أهل الشيعة وعلى أهل المسيحية والهندوسية والبوذية؟ بالنسبة لي كمسلم، أنا لا أنظر باحترام إلى الاقتتال الذي دار بين المسلمين منذ قرون، ولست سعيدا بالفرق التي تمخضت عن هذا الاقتتال. لكن إذا أصر المسلمون على تفرقهم والاستمرار بمعركتي الجمل وصفين، فإن من حقي الأكاديمي أن أطرح أسئلة. أهل السنة يشكلون حوالي 90% من المسلمين، لكنهم هم الذين يضعون أيديهم على رؤوسهم، لماذا؟

أستميح فضيلة الشيخ القرضاوي عذرا وأجيب بالتالي:

أولا: ملايين من أهل السنة، أرضانا أم أساءنا، معجبون بالتجربة الإيرانية وتجربة حزب الله من حيث الإعداد والاستعداد والاعتماد على الذات. هم يرون في إيران تجربة رائدة تعبر عن إرادة صلبة، وعن نوايا حقيقية لجعل إيران مهيبة الجانب قوية الشكيمة. ويرون أن إيران قادرة على الدفاع عن نفسها وإطعام ذاتها.

عندما يقارن العربي أو المسلم بين إيران ومصر التي تعتبر أكبر دولة عربية سنية، يجد أن مصر لا تستطيع إدخال جندي واحد إلى سيناء بدون إذن إسرائيل، بينما تقف إيران وتتحدى وتستمر في التصنيع العسكري. مصر لا تستطيع إطعام شعبها الخبز، بينما إيران أبت أن تطوع نفسها للتسول والاعتماد على الغير. وعلى ذلك قس.

ثانيا: حزب الله الشيعي هزم إسرائيل مرتين حتى الآن عامي 2000 و 2006، وهو حزب ممول من إيران ومسلح من إيران وسوريا، بينما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية السنية بإسرائيل، وقوات فلسطينية سنية الآن تقوم بالدفاع عن الأمن الإسرائيلي.

ثالثا: تقف إيران مع بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، وهي تدعم اللبنانيين المناهضين لإسرائيل، بينما قيادات السنة مثل النظامين المصري والسعودي تقف ضد المقاومة. قيادات السنة الرسمية تقف إجمالا ضد حركات المقاومة السنية: تقف ضد حماس والجهاد الإسلامي وضد كل مقاوم فلسطيني، وهي تقف ضد المقاومة العراقية والصومالية واللبنانية، وضد طالبان والقاعدة، وأيضا ضد المقاومة الإسلامية في الفلبين. ربما تقف هذه الأنظمة العربية والقيادات مع مقاومة سنية إذا كان ذلك في مصلحة أمريكا وإسرائيل مثلما فعلت أيام الوجود السوفييتي في أفغانستان.

رابعا: إيران تحاول أن تكون ندا لأمريكا في المنطقة، أو أن تكون لها كلمة مسموعة بينما قيادات السنة عبارة عن ألعوبة بيد أمريكا. هناك من يشكك في هذه المسألة ويقول إن إيران تتآمر مع أمريكا. هذا الرأي ما زال لا يحظى باقتناع واسع لدى جماهير أهل السنة. وحتى لو كانت إيران كذلك، فإن هذا لا يرفع من شأن قيادات السنة. قيادات السنة تتحالف مع أمريكا وتتعامل معها ضد العرب والمسلمين جهارا نهارا.

خامسا: قيادات أهل السنة تعترف بإسرائيل أو تطبع العلاقات معها. مصر والأردن وموريتانيا لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وأغلب الدول العربية والإسلامية السنية مثل تركيا وباكستان والمغرب تقيم علاقات تطبيعية مع إسرائيل.

سادسا: بالنظر إلى لبنان، تحظى المقاومة بأقل تأييد لدى الطائفة السنية. المسيحيون في لبنان يؤيدون المقاومة اللبنانية أكثر مما يؤيدها أهل السنة، والسبب أن قيادة السنة في لبنان من أصدقاء أمريكا وإسرائيل.

سابعا: القيادة الإيرانية تحافظ على أموال شعبها، أو على الأقل، لا تمارس التبذير والإسراف مثلما تفعل قيادات العرب السنية. استثمرت إيران أموالها، وقيادات العرب بددت ثروات شعوبها في حانات ومواخير أوروبا ومقامر أمريكا.

دل تقديم الدعم لتطويرها تقول إنها أنابيب من التنك.

تاسعا: اصطفت قيادات السنة ضد إيران فيما يخص برنامجها النووي، ورفضت التعاون مع إيران للحصول على الأسرار النووية بهدف إنشاء مفاعلات نووية عربية، وفضلت البقاء ضمن الجوقة الأمريكية. واضح أن قيادات العرب لا تريد إيران أن تصبح قوية، بينما العار ليس في الذي يبحث عن أسباب القوة وإنما في الذي يصر على البقاء ضعيفا.

عاشرا: الغالبية الساحقة من القيادات السياسية العربية التي تقف ضد إيران لا علاقة لها بالدين الإسلامي إلا المظاهر. الشعوب العربية غير مقتنعة بأن هذه القيادات السنية تدافع عن أهل السنة أو عن الدين الإسلامي، وإنما تسعى إلى خلق فتنة تخدم أمريكا وإسرائيل. غنها قيادات تعمل بدأب من أجل حرب سنية شيعية تريح إسرائيل وأمريكا.

أحد عشر: بالنسبة للعراق، أنا من الذين لهم مآخذ على تصرفات إيران في العراق الآن، لكن جمهور أهل السنة يعرفون أن جيوش أهل السنة هي التي شاركت أمريكا في الحرب من أجل إخراج صدام حسين من الكويت، ويعرفون أيضا أن السعودية وقطر وعمان والأردن والكويت قد فتحت أجواءها وأراضيها للقوات الأمريكية لغزو العراق عام 2003. إيران الشيعية لم تشارك في حرب أمريكية ولم تفتح أجواءها للطيران الأمريكي. فكيف بالناس يا فضيلة الشيخ أن يقدروا قيادات السنة ويحترموها؟ هذا علما أن هناك رجال دين سنة أجازوا الغزو الأمريكي للعراق، ومنهم من برر وجود القوات الأمريكية على أرض الجزيرة العربية.

المسألة ليس تشيعا

الشعوب تلحق أصحاب الإنجاز وتعمل على تقليدهم. كم من أهل السنة معجبون بالحضارة الغربية ويعملون على تقليدها؟ وكم من المراكز الأمريكية موجودة في البلدان العربية للترويج للثقافة والفكر الأمريكيين؟ لماذا لا تقف أنظمة العرب ضد هذه المراكز والتي هي أكثر خطورة على أهل السنة من أي فكرة أخرى؟ هل إيران وحزب الله أشد خطرا على أهل السنة من أمريكا وإسرائيل؟ لماذا لم تكن إيران خطيرة في زمن الشاه والذي كان موصوفا بكلب أمريكا في الخليج، أما إيران أصبحت عدوا فورا بعد طرد الشاه؟

الناس في البلدان العربية يتوقون إلى بعض العزة والكرامة. لقد سئموا الإذلال والقهر والقمع، وهم يتطلعون إلى من يمكن أن ينقلهم من حياة الذل إلى حياة فيها بعض الهواء الطلق. كثيرون يرون في إيران أملا، أرضانا هذا أم أساءنا. الإنجاز الذي حققته إيران في سعيها لامتلاك القوة ليس بسيطا، والإنجاز الذي حققه حزب الله ضد إسرائيل عظيم جدا، ويرى العديد في ذلك أملا في تحقيق ما لم يحققه أهل السنة.

الناس عموما لا تهمهم فكرة السنة والشيعة، وإذا كان الإنجاز يتحقق على يد شيوعي فهم معه، وإذا كان من عبدة النار فهم معه، وإذا كان سنيا أو شيعيا فهم معه.

ولهذا سيدي فضيلة الشيخ من الأفضل لأهل السنة أن يصنعوا شيئا يحققون فيه إنجازات إذا أرادوا أن يتبعهم الناس. هل أهل السنة مستاؤون من سياسة إيران في العراق؟ الأمر بسيط: بإمكان السعودية ومصر والأردن والمغرب أن تهب غدا لنصرة المقاومة العراقية السنية لتحقق انتصارا على الأمريكيين، وبإمكانها أن تدعم مقاومة الأفغان وأهل الصومال. لكن هيهات.

إذا خاض السيد حسن نصر الله انتخابات على مستوى الأمة الإسلامية ضد الرئيس حسني مبارك أو الملك عبد الله السعودي، فمن سيفوز؟ بالتأكيد سيفوز سماحة الشيخ حسن نصر الله ذلك لأن الناس يعتبرونه مجاهدا وصادقا وأمينا. وإذا خاض الشيخ أسامة بن لادن انتخابات ضد ملك الأردن في الأردن، من سيفوز؟ سيفوز الشيخ أسامة لأن الناس يعتبرونه مجاهدا وصادقا، وعلى الرغم من المآخذ التي يأخذها الناس على تنظيم القاعدة. وإذا جرى تنافس انتخابي على مستوى الأمة بين الشيخ حارث الضاري السني والمالكي الشيعي رئيس وزراء العراق حاليا، من سيفوز؟ بالتأكيد سيفوز الشيخ حارث الضاري بهامش واسع جدا لأنه مجاهد يقف مع المجاهدين ويساندهم، ويرفض الاحتلال الأمريكي.

وفي الختام أقول بأنه إذا بقيت الأمور على ما هي عليه فإن إيران ستحظى بتأييد أغلب أهل السنة، وسيقود أهل الشيعة المسلمين جميعا بموافقة جماهير السنة. فبدل أن نصب جام غضبنا على الشيعة، علينا أن نسهر الليالي الطوال من أجل أمة تندفع إلى الأمام. انتقاد الآخرين لا يجعلنا في المقدمة، وفقط سواعدنا هي التي تنطلق بنا. ومن المهم جدا ألا يهرب أهل السنة من عجز زعمائهم وتآمرهم على كل قضايا الأمة الاقتصادية والسياسية والجغرافية والثقافية والأمنية، ويلقوا باللائمة على أهل الشيعة.

اقرأ بلغة English