المقاومة وأوهام السيادة العربية

الدكتور عبد الستار قاسم

يؤكد المسؤولون المصريون في دعايتهم ضد حزب الله على السيادة المصرية، ويصرون على عدم السماح لأي كان بانتهاك هذه السيادة، وأن على حزب الله أن يلتزم حدوده، وعليه أن يدفع ثمن ما قام به من أعمال على أرض مصر لدعم غزة وأهلها. ولم يتلكأ المسؤولون الأردنيون عن ذات التأكيد حول السيادة الأردنية في قضية الحكم على أفراد يجمعون معلومات لحركة حماس حول مواقع إسرائيلية في الأردن. ويبدو أن السلطة الفلسطينية تريد أن تؤكد ذات الشيء فيما يخص المتفجرات التي اكتشفتها مخبأة في مسجد في قلقيلية.

أنظر إلى عيون المسؤولين العرب وهم يتحدثون على شاشات المرناة حول سيادة دولهم وإصرارهم على حماية هذه السيادة فلا أرى أي نوع من الخجل، ولا أرى تغيرا في ألوان وجوههم وهم يطلقون العنان لتصريحاتهم النارية. واضح أنهم كذبوا على أنفسهم وكذبوا حتى باتوا يصدقون أنفسهم، فأخرجوا كلماتهم وكأنها حقائق. عن أي سيادة يتحدثون؟ طبعا لا تستطيع أي دولة في هذا العالم أن تتحدث عن سيادة مطلقة لأن التداخل العالمي وارتفاع منسوب الاعتماد المتبادل أثر بشكل أو بآخر على أعمال السيادة لكل دولة، لكن علينا ألا نخلط هذا بمسألة التنازل عن السيادة مقابل مصالح شخصية أو فئوية تأتي بالعار والذل على الوطن والمواطن.

مصر:

بالنسبة لسيادة مصر وأمنها القومي، أشير إلى النقاط التالية:

مصر لا سيادة لها على سيناء، وهي لا تمارس في سيناء سوى حكم ذاتي وفق اتفاقية كامب ديفيد. تحدد الاتفاقية الوجود العسكري المصري في سيناء بقوات مقاتلة رمزية على الضفة الشرقية لقناة السويس، ويحظر على مصر إدخال جنود مقاتلين أو معدات عسكرية إلا بإذن من إسرائيل. مسموح لمصر إدخال قوات شرطة مصرية أو قوات حرس حدود مصرية محدودة العدد والتسليح بهدف الحفاظ على الأمن الداخلي؛ وإذا احتاجت مصر إدخال مزيد من هذه القوات بمعدات ثقيلة فإن عليها أخذ الإذن من إسرائيل أولا. وقد ثارت هذه المسألة عندما احتاجت إسرائيل لرقابة مصرية قوية في رفح المصرية لمنع تهريب الغذاء والدواء والسلاح إلى غزة، وكان لا بد من القفز عن اتفاقيات كامب ديفيد ومنح مصر مثل هذا الامتياز الذي لا يهدف إلى حفظ أمن مصر وإنما أمن إسرائيل.

السيادة الفعلية في سيناء هي للقوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة والتي تسيطر على ممرات متلا وجدي الاستراتيجية في وسط سيناء تقريبا. هذه القوات تقيم أجهزة إنذار مبكر، وتراقب تحركات القوات والطيران على كلا الجانبين الإسرائيلي والمصري؛ والرقابة من الناحية الفعلية هي على الجانب المصري، ولا يوجد أي جندي من هذه القوات في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948.

لا تستطيع مصر أن تعبر بطائرة حربية واحدة إلى سيناء. هذا ممنوع منعا باتا. هناك طائرات سمتية أو عمودية مدنية تعبر أجواء سيناء الجنوبية والجنوبية الغربية بهدف نقل الرئيس المصري أو زوار إلى شرم الشيخ.

منتجع شرم الشيخ يعج بالجواسيس والعملاء من دول متعددة، وهو يشكل نقطة انطلاق لأعمال التجسس على مصر ومصانعها ومؤسساتها ومنشآتها العسكرية. هذا المنتجع عبارة عن وكر لأجهزة المخابرات الدولية، وهو مركز استرخاء واستجمام لكل الذين يتآمرون على مصر (أعني مصر وليس النظام المصري).

تمر السفن الحربية من الممرات المائية المصرية بخاصة من قناة السويس، وليس مرورا بأوقات السلم، وإنما مرور بأوقات الحرب. قامت القطع البحرية الأمريكية الحربية بالمرور مرارا من القناة بهدف مهاجمة العراق التي هي دولة عربية ترتبط مع مصر باتفاقية دفاع مشترك.

تمر القطع البحرية الحربية الإسرائيلية عبر مضائق تيران الواقعة على رأس سيناء الجنوبي إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر العرب لتتجسس على نشاطات بعض فصائل المقاومة وعلى إيران. لا تقوم هذه القطع بأعمال الدورية الاعتيادية فقط، وإنما تقوم بأعمال عسكرية حربية تستهدف عربا ومسلمين.

مرت الطائرات الحربية الإسرائيلية من أجواء مضائق تيران المصرية لقصف السودان، وقصف قوافل إمدادات للمقاومة الفلسطينية في غزة.

لا تستطيع مصر أن تمارس سيادتها على آبار النفط والغاز الموجودة في سيناء، والنظام المصري يخترق الدستور المصري عندما يقرر لإسرائيل معاملة تفضيلية في أسعار المحروقات.

الأهم من كل هذا أنه لا يحق لمن يأكل من خيرات غيره المشروطة أن يدعي السيادة. مصر تتلقى مساعدات اقتصادية من أمريكا ليس لأن أمريكا ترأف بحال مصر والمصريين ولكن لأنها وإسرائيل قد حصلتا على مواقف سياسية من النظام المصري في اتفاقية كامب ديفيد. تتمثل هذه المواقف السياسية بالتنازل عن سيادة مصر حيثما لزم الأمر، أي حيثما تتطلب المصالح الإسرائيلية والأمريكية. مصر لا تستطيع أن تسد احتياجات شعبها الغذائية الآن بسبب الفساد المالي والإداري والاستهتار في بناء الاقتصاد المصري، ولا مفر أمام النظام إلا الخضوع إذا أراد لاستقرار الشارع المصري أن يستمر. الشارع مستقر في مصر بفضل مساعدات قوى خارجية، وهذه القوى تستطيع إشعال هذا الشارع إذا قرر النظام المصري الدفاع حقا عن سيادة مصر.

الأردن:

ربما يجد المرء مبررا ولو واهيا لمصر عندما تتحدث عن السيادة، أما ما هو المبرر الذي يملكه النظام الأردني عندما يتحدث عن السيادة؟ إمارة شرقي الأردن وجدت أصلا لتكون مخزنا للفلسطينيين المطرودين من وطنهم، ولتقف مدافعة عن مصالح الصهيونية، وعن أمن إسرائيل فيما بعد. المملكة الأردنية الهاشمية لا تملك سيادة إطلاقا، وهي لا تتمتع إلا بحكم ذاتي شبيه إلى حد كبير بالحكم الذاتي الذي تتمتع به السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. فيما يلي عدد من الحقائق:

الأردن لا تستطيع الوقوف على أقدامها اقتصاديا بدون الدعم الخارجي الأجنبي، أو الدعم العربي الذي يحركه ويبرمجه الأجنبي. الحكومة الأردنية لا تقوى على الاستمرار في صرف رواتب الموظفين بدون هذا الدعم، والدينار الأردني ينهار بين ليلة وضحاها إن رفعت الولايات المتحدة عنه الغطاء المالي. هذا الأمر له ثمنه السياسي، ومثلما لا تتصدق الدول الغربية على مصر، هي لا تتصدق على الأردن. المال مقابله أثمان سياسية، وعلى من يرفض أن يبحث لنفسه عن مخارج إن استطاع.

المخابرات الأمريكية والإسرائيلية متغلغلة في الأردن وهي تعمل في وضح النهار وبدون تورية، وأكبر دليل على ذلك هو نشاط الماسونية وعملها العلني في أوساط الناس على مختلف مشاربهم. لا يوجد أسرار دولة أو أسرار أمن في الأردن، والبلاد عبارة عن كف مفتوح أمام أجهزة الأمن الأجنبية.

دائما وقفت إسرائيل وأمريكا وبريطانيا مع النظام الأردني، وتدخلت بمختلف الأساليب والوسائل للمحافظة على النظام في مواجهة عرب أو أردنيين حاولوا تغيير نظام الحكم.

هناك قوات أمريكية في الأردن، ولها قواعد في بادية الشام.

الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تخترق الأجواء الأردنية باستمرار. لم تتوقف الطائرات الحربية الأمريكية عن المرور عبر الأجواء الأردنية أثناء الحرب على العراق.

النظام الأردني هو المسؤول أولا عن تحرير الضفة الغربية من الاحتلال، لكننا نراه يدعم الأمن الإسرائيلي على حساب المقاومة. تتحمل منظمة التحرير جزءا من المسؤولية في هذه المسألة بالتحديد، لكن النظام القويم لا يتخلى عن مسؤولياته الأخلاقية.

السلطة الفلسطينية

يتحدث أحيانا بعض المسؤولين الفلسطينيين عن سيادة السلطة الفلسطينية في وسائل الإعلام، لكنهم يتندرون على أنفسهم عندما تبتعد عدسات التصوير.

السيادة في مواجهة المقاومة

تحلو أحاديث السيادة العربية عندما يتعلق الأمر بالمقاومة. أغلب الأنظمة العربية اختارت طريق البحث عن حل تفاوضي مع إسرائيل، وهي تطبع العلاقات مع إسرائيل وتنسق معها أمنيا في السر والعلن. إسرائيل لا تشكل خطرا على الأنظمة العربية، وخطرها فقط على الأمة العربية، أما المقاومة فتدافع عن الأمة العربية، ولا بد أن تصطدم مع إسرائيل ومع الأنظمة التي تتلقى الدعم من إسرائيل وأمريكا. أغلب الأنظمة العربية هي في تحالف موضوعي مع إسرائيل بسبب ما تقتضيه مصالح هذه الأنظمة التي تشترك مع إسرائيل في معاداة الأمة العربية. ولهذا يبقى تفسير السيادة في الساحة العربية تفسيرا خاصا بمصلحة الأنظمة وليس بمصلحة الدولة أو الشعب أو الأمة. الأنظمة العربية هي التي تقود الأمة من هزيمة إلى هزيمة، ومن تخلف إلى تخلف، ومن إذلال إلى إذلال، ومن فشل إلى فشل، وبالرغم من ذلك لا تتوقف عن التبجح وادعاء السيادة والقرار الوطني المستقل.

كل هذه الموبقات التي يتم اقترافها بحق الأمة العربية، وكل هذه الانتهاكات للأرض العربية وللأعراض العربية لا تحرك غيرة أو حسّا لدى أنظمة العرب، لكن بندقية مقاوم يريد الثأر من إسرائيل، أو جعبة خيش عربية تخبئ أدوية لأطفال غزة تثير كل هذه الضجة حول السيادة. صحيح أن الضجة هذه قد تسيء لحزب الله ولحركة حماس مؤقتا، لكن الشعوب العربية قد استوعبت الدروس، وتدرك تماما أن أنظمة العرب هي التي تشكل الخطر الأكبر على سيادة الأمة.

اقرأ بلغة English