سعد الحريري
الدكتور عبد الستار قاسم
تجاوز الدماء النازفة أو المهرقة ليس سهلا على النفس الإنسانية، وليس ليّنا أمام النسيان. يعبر إطلاق النار الاغتيالي عن عدوان مبيت ومتعمد بهدف التخويف أو إسالة الدماء عن جرم فظيع يمهد لصراع دموي طويل وأحقاد تنبثق إلى قتلى وجرحى وحرق بيوت واعتداء على الممتلكات، وهو من أقسى وسائل التعبير عن العداوة والضيق بالآخر. وقد عانى العرب في مختلف أصقاعهم من هذه القسوة، ودفعوا ثمنها حروبا طويلة ودماء ثأر غزيرة.
لم أستمع إلى ما يدور في صدر السيد سعد الحريري، لكنني أستشعر من بعد مدى الصراع الداخلي الذي يمكن أن يكون متأججا في داخله. هذا شاب فقد والده بعملية اغتيال، وليس من السهل عليه وعلى أخواته وإخوته وأمه أن يجدوا أنفسهم على مائدة الغداء بدون رب العائلة. وهو لم يعش في الكهوف، ولم يعتد حياة الصدام والقتل والحرب؛ وإذا كان له من خبرة صدامية، فهي في عالم المال المليء بالصفقات والمؤامرات التجارية والهوس المالي. فجأة يجد هذا الشاب نفسه شخصية عالمية تحيط به العديد من الدول وقيادات العالم المهمة التي يملك بعضها القوة النووية والمنظومات العسكرية المرعبة. وفجأة يتحول إلى بطل لبناني تهتف الجماهير باسمه وتحمل صوره وتدعوه إلى قيادتها. الدول والقيادات والجماهير تدعوه إلى كشف حقيقة اغتيال والده، وذلك من أجل ملاحقة الجاني، لكن الدعوة تستبق الحدث وتوجهه إلى تصويب حرابه تجاه سوريا.
حِمل الملاحقة ثقيل ويتطلب حياة من نوع خاص، ونشاطات وتحالفات وأعباء متناسبة معها؛ وحِمل التجاهل صعب لما فيه من إغماض عين عن الحق، وترك الثأر للحظة المناسبة التي قد لا تأتي أبدا. إذا شاء الحريري الاستمرار في الملاحقة فإن جزءا كبيرا من وقته وجهده سيتم توظيفه في خبايا أعمال الدول وأسرارها ومؤامراتها، وفي التحالفات الداخلية وما تنطوي عليه من أحقاد ومثالب واستقطاب؛ وإذا شاء القفز فإن الدماء ستبقى تلاحقه، وكذلك الأعين والألسن وكل أولئك الذين لا يريدون لأمور لبنان أن تسترخي. الخياران مرّان، فأيهما يختار الحريري؟
لي تجربة في هذا الشأن ربما تكون ذات فائدة. أنا أستاذ جامعي وصاحب رأي، ولست من أصحاب المليارات؛ أما رفيق الحريري فرئيس وزراء ومن أصحاب المليارات. إذا كان هذان الفرقين يعنيان شيئا بالنسبة لنزيف الدم فتجربتي عديمة الفائدة؛ أما إذا كان للدم قيمة بحد ذاته، فإن لتجربتي معنى بالتأكيد.
سريعا في معرفة من أطلق علي النار، ومعرفة الذي جنده وذلك خلال نصف ساعة من الحادث. وقد اشترك مع الجاني طلاب من جامعة النجاح الوطنية ومن الكلية التي أدرس فيها. كانت تتنازعني في المشفى أفكار كثيرة، وأحيانا خلجات وانفعالات. كنت أشعر أحيانا برغبة جامحة بالانتقام والقتل، وأتخيل نفسي ممسكا ببندقية قنص أصوبها إلى رؤوس الجناة من مدير مخابرات الضفة الغربية إلى الجاني المباشر والذي هو من مخيم بلاطة. كنت أستشيط غضبا باطنيا إذا ورد في ذهني أنني سأكلف شخصا ليقوم بالمهمة بالنيابة عن نفسي. وكان يراودني أحيانا فكرة تسليط مسلحين على الجناة ليحرقوا بيوتهم ومختلف ممتلكاتهم ويلاحقوهم في كل مكان. وأحيانا كنت أسأل في نفسي: هل أنا مستعد لأن أكون رجل عصابات؟ طبعا (لو) اخترت ملاحقة الجناة والذين هم بدون أخلاق وينتمون إلى العالم السفلي المتعاون مع إسرائيل، لكنت سأختط طريقا جديدا في حياتي. كان علي أن أحمل السلاح علنا مما يعني الانحياز لصالح إسرائيل والتفاهم معها على أن سلاحي هو لأغراض الفساد الداخلي وليس للنضال الوطني، وأن أتخذ الاحتياطات الأمنية المختلفة للمحافظة على نفسي وعلى عائلتي، وأن ألجا إلى جهة تموّلني أو أتحول إلى محتال يبتز الناس من أجل تمويل نشاطاتي المخزية. الزعرنة مكلفة وتحتاج إلى تجنيد زعران وقبضايات. هكذا سأتوقف عن القيام بالبحث العلمي، وعن كتابة المقالات وإصدار الكتب، وسيتحول عملي في الجامعة إلى مجرد إسقاط واجب الراتب.
كلمت نفسي مرارا بالأمر، وكان علي أن أختار بين الدخول في الحقارة التي ستؤذي الشعب الفلسطيني بأكمله، مع العلم أن الذين سأقف ضدهم لا يملكون ضميرا أو أخلاقا ولا يحملون معنى للوطن؛ وبين الصبر على الضيم انتظارا للحظات أقيم فيه ميزان الحق بهدوء ودون أضرار. اخترت الثاني. وحتى أكون راضيا عن نفسي، جربت أن أضع الجناة بنفسي تحت مرمى الرصاص، وقد فعلت. لكن المسؤولية تجاه عائلتي وتجاه وطني وقومي كانت أقوى من انفعالي.
بالتأكيد يدرك سعد الحريري أن دم أبيه لا يهم أمريكا وإسرائيل، ولا بعض الفئات اللبنانية التي تتباكى عليه. (لو) كان الدم العربي يثير أعصاب أعداء الأمة، لما بعثوا علينا الطائرات والقنابل والصواريخ تقتلنا وتقتل أطفالنا ونساءنا في مختلف أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي. إنهم يتشبثون بدم الحريري ليجروا لبنان إلى المذبح، وفي أعقابه سوريا وفلسطين. نحن بالتأكيد لا نعمل أدوات لدى أحد، ولا نريد أن نكون كذلك. سنعمل على إظهار الحق، لكننا لا نسمح باستعمال الحق من أجل تمرير الباطل. لبنان فوق الجميع، وسيبقى مرفوع الرأس بأبنائه الخيرين. سعد الحريري بحاجة إلى سماع صوت نفسه الداخلي بعيدا عن الأصوات الخارجية التي تحاصره.