من حق الدول امتلاك القنبلة

الدكتور عبد الستار قاسم

من الناحية الأخلاقية، تطوير وامتلاك واستعمال أسلحة الدمار الشامل غير مقبولة لأنها تنطوي على مبدأ خفي وصريح في آن واحد وهو التهديد بقتل الناس دون تمييز. إنه مبدأ يخرج عن منطق الحرب التي تشهد عادة قاتلا ومقتولا في ميدان المعركة، والتي من المفروض أن غير المقاتلين وغير المساندين لا علاقة لهم بها. وبسبب هذا المبدأ تبقى هذه الأسلحة في الخلف الاستراتيجي، لكن في متناول اليد عندما يقرر القائد استعمالها. هذه الأسلحة ليست موجودة للغية، أو فقط للتدليل على التطور العلمي والتقني للدول، وإنما موجودة لكي تُستعمل عندما تقدر الدولة التي تملكها أن الوقت فد نضج.

ربما تكون الحرب برمتها غير أخلافية، لكنها حقيقة تاريخية ليس بالإمكان القفز عنها على الأقل في المرحلة التاريخية هذه التي نعيشها. قد يصبح المجتمع الإنساني أكثر رقيا في المستقبل ويستطيع حل مشاكله بدون حروب. عندما يحين ذلك الوقت، فإن بإمكاننا أن نتخيل تخلي الإنسان عن نزعاته الأنانية، وخلو العالم من الأسلحة غير البيضاء. نحن الآن بعيدون جدا عن مثل هذا الوضع المثالي، وقد لا يمر العالم بمرحلة المثالية بخاصة إذا كانت النزعات الأنانية متأصلة في الإنسان. في القرآن الكريم، واضح أن الذاتية متأصلة وليست مكتسبة. فمثلا يقول سبحانه بأن الناس يحبون المال حبا جما، ويقول بأن الإنسان خلق هلوعا وجزوعا ومنوعا.

في هذه المرحلة التاريخية، يبدو أن من يلعب دور المسيح لا بد أن يخسر لأن القوة ما زالت العامل الأكثر أهمية في ترتيب العلاقات الدولية. الدول القوية هي التي تفرض هيمنتها، وهي التي تفرض قرارها على الدول الضعيفة. للدول الضعيفة أن تناقش، ولا مانع لدى الدول القوية في ذلك، لكن في النهاية على الدول الضعيفة أن تلتزم. تبدو الدول القوية أنها ديمقراطية وتفسح المجال للجدل والمؤتمرات والحوار، لكن منطق القوي لا مفر سيسود، وهذه حقيقة موضوعية. الديمقراطية موجودة شكلا، لكن صمامات القوة تبقى دائما حاضرة، ويدرك جميع المتحاورين هذه الحقيقة. الحسنى لمن يستمع في النهاية، والعصا لمن يريد أن يتمرد.

ووين الإسرائيلي والإيراني، والأمثلة كثيرة من تجاربنا نحن العرب.

الدول القوية هي التي صاغت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوية، لكنها هي ما زالت تقوم بأبحاثها النووية التسليحية وتطوير ترسانتها النووية. إنها لم تضع المعاهدة لأخلاق قويمة قد حلت بأوصالها وإنما من أجل احتكار القدرة النووية، وإبقاء دول العالم تحت التهديد الضمني وضمان حسن سلوكها. (لو) كانت هذه الدول جادة، لوجدناه تتخلص تدريجيا من قدراتها النووية وغيرها من قدرات التدمير الشامل ليصبح العالم خاليا من هذه الأسلحة الفتاكة. لكن ما جرى هو أن الاتحاد السوفييتي سابقا وروسيا لاحقا لم تستطع مع الولايات المتحدة وضع صيغة محصنة ضد الخداع المتبادل. يجلسان للتحاور حول نواياهما الطيبة لنزع الأسلحة النووية، ومن ثم يتحايل كل طرف نحو تعزيز قدراته النووية.

الدول النووية الكبرى تهدف بالتأكيد إلى تحقيق الاستقرار العالمي، لكنها لا تسعى بالضرورة إلى تحقيق السلم العالمي. الاستقرار يعني بقاء توازن القوى على ما هو، والذي يعني استمرار هيمنتها على العالم. ينعكس هذا بوضوح في العضوية الدائمة في مجلس الأمن والتي تعبر عن استبدادية عالمية تقف على رأسها الولايات المتحدة. يتطلب السلم العالمي المشاركة والاحتلاام المتبادل، أما الهيمنة والاستبداد فيتطلبان الاستقرار. هذا هو شأن القوي في كل زمان ومكان: إنه سعيد بقوته، ولا يسمح لأحد بالمنافسة. قوة الآخرين عبارة عن كسر للاحتكار، وهي عبارة عن تحد لمصالح احتكارية تراكمت عبر الزمن. قوة إسرائيل النووية لم تشكل تحديا وإنما تعزيزا للهيمنة الاستعمارية، ولم تكن هناك ضرورة لمواجهتها.

هنا تبرز المسألة الأخلاقية بقوة: أيهما تختارالدول امتلاك القوة النووية الذي هو عمل لا أخلاقي أم البقاء في حالة ضعف وهي حالة لاأخلاقية أيضا؟ هل أملك السلاح الذي يتجاوز منطق الحرب، أم أبقى أعاني من ظلم ظالم واستغلال جشع؟ أخلاقيا، الإجابة تكمن في أنه من الممكن أن يقيم القوي العدل، أما الضعيف فلا يقوى على رفع الظلم عن نفسه. القوي ليس بالضرورة عدوانيا، ومن الممكن أن يواجه قويا آخر يمارس الظلم دون رادع؛ أما الضعيف فلا تسعفه مبادئه في تحقيق السلم العالمي المنشود. الدول الغربية لم تتورع في إلحاق الظلم بالعرب والمسلمين، ولا غرابة أن يجن جنونها إزاء نشاطات إيران النووية.

من الناحية الأخلاقية، إذا كانت هناك دولة واحدة في هذا العالم تملك سلاح تدمير شامل ولا تملك الدول الأخرى قدرة على نزعه فإن من حق باقي الدول امتلاكه، وذلك انطلاقا من التحرر من حالة الضعف ومواجهة أي ظلم قد يطرأ.

اقرأ بلغة English