دعم الأسرى في مواجهة السجان
الدكتور عبد الستار قاسم
تتحدث عادة وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية عموما بإسهاب حول إضراب الأسرى في السجون الصهيونية، وكذلك يفعل الكتاب والمحللون والمعلقون. وتنشط الدعوات لدعم الأسرى خاصة في الأوساط الفلسطينية، فتقوم المهرجانات والاعتصمات والاحتجاجات، الخ تعبيرا عن تضامن شعبي مع قضية عادلة. ويتضح في كل مرة أن المشاعر الشعبية تتوحد في التضامن مع الأسرى على الرغم من بقاء المشاركة الفعلية محدودة جدا، ومحصورة ببعض الفعاليات السياسية والحزبية والتنظيمية.
ينشغل الجميع في أوقات الإضراب بالإشادة ببطولات الأسرى وصمودهم، وقدرتهم التي لا تلين في مواجهة الجوع وآلة القمع الصهيونية. وفي هذا عدل لأن الأسرى حقيقة يقاومون ويثابرون ويصرون على تحقيق مطالبهم، وقد سبق أن سقط شهداء إضرابات من أجل تحسين ظروف الاعتقال، والتوقف عن إجراءات الإذلال التي تمارسها إدارة السجون. لكن من المهم أن ندرك أن الذي يدفع الأسرى إلى الإضراب هو عدم وجود بدائل للإضراب. الإضراب عن الطعام مؤلم، وهو بالتأكيد مواجهة مع الموت بخاصة أنه يشكل تحديا لإرادة عدو صلف.
من المفروض أن يكون لدى الفلسطينيين بخاصة فصائل المقاومة استراتيجية لتحرير الأسرى، بالضبط كما دأبت مقاومات أو ثورات عالمية على عمله. تحرير الأسرى عبارة عن مهمة أساسية تفرض نفسها على من هم خارج المعتقل، وعليهم ان يطوروا أساليب ووسائل ضمن رؤية واضحة هادفة إلى تحرير السجناء رغم أنف العدو، ومن العار أن يبقى سجناء حركات ثورية في السجن لمدد تزيد عن عشرة سنوات. حزب الله، مثلا، اتبع سياسة تحرير أسراه ونجح في كثير من الأحيان، وكذلك تفعل طالبان أفغانستان، وفعلت فيتنام.
في الحالة الفلسطينية، تم أسر جنود عبر الزمن وتمت عدة عمليا تبادل للأسرى كان أشهرها تبادل عام 1985، لكن ذلك لم يكن ضمن استرتيجية واضحة بإدارة مستقلة وينحصر هدفها فقط بتحرير الأسرى، ولم تقم فصائل المقاومة بعملية أسر إسرائليين عن سابق تخطيط وتدقيق إلا في حالة الجندي شاليط. لقد بقيت الساحة الفلسطينية بعيدة عن التخطيط لعمليات تبادل تجبر الصهاينة على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وغاب الأمر أو غُيّب عن المخطط إلى درجة أن الأسرى وُصفوا بشهداء مع وقف التنفيذ، أي أن اليأس هو السمة البارزة، وعلى الفلسطينيين أن يستسلموا لإرادة العدو.
بما أن الاستراتيجية غير موجودة، وإطلاق سراح الأسرى أو تحسين ظروف اعتقالهم رهن بظروف طارئة غير مخطط لها، وقد تأتي أو لا تأتي، فإن الأسير لا يملك إلا أسلحته الخاصة به وعلى رأسها سلاح الإضراب عن الطعام. الإضراب عن الطعام هو بديل تقاعس الخارج عن نجدة الداخل. وهذا بالضبط على شاكلة الانتفاضات التي تأخذ دور المقاومة في مواجهة العدو، والتعبير عن الظلم الذي يعانيه شعب فلسطين.
ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: ماذا عملنا من أجل تخفيف معاناة الأسرى وتسريحهم؟ إذا كنا لا نعمل شيئا فإننا ندفع أسرانا إلى آلام الجوع ومواجهة العدو بأمعاء خاوية.
تتعدد اجتهادات كيفية دعم الأسرى، ويدلي العديد من الكتاب بآرائهم. فيما يلي رؤيتي والتي تتقاطع في عدد من نقاطها مع نقاط كتاب أفاضل آخرين.
تنقسم وسائل وأساليب دعم الأسرى إلى:
أساليب ووسائل رئيسية أو جوهرية أو حيوية، وهي المؤثرة في القرار الصهيوني الخاص بالقضية الفلسطينية بكافة تشعباتها بما فيها قضية الأسرى؛
أساليب ثانوية مساعدة تعزز الأساليب الرئيسية، وهي لوحدها لا تنفع، لكنها ذات فائدة كعامل مساعد؛
أساليب واهية من قبيل رفع العتب، وهي تكاد تكون خالية من المنفعة، وقد تكون مضرة.
الأساليب الرئيسية، وتتمثل بالتالي:
سر جنود صهاينة والإصرار على التبادل. هذا أمر ليس سهلا، لكنه ممكن أن يتحقق خاصة فيما إذا تم تبنيه كاستراتيجية ضمن غرفة عمليات مشتركة تدير المقاومة الفلسطينية في مواجهة الكيان الصهيوني. لقد ثبت تاريخيا أن عملية التبادل تقهر إسرائيل وتجبرها على قبول الشروط الفلسطينية، أو أغلبها؛
تفعيل مقاطعة اقتصادية للكيان ووقف التطبيع معه تماما، وتتمثل جبهاته بالتالي:
أولا: جبهة غزة والتي ما زالت تشتري بضائع إسرائيلية لا يحتاجها القطاع، ويمكن العيش بدونها؛
ثانيا: جبهة الضفة الغربية التي عليها وقف التطبيع مع الكيان بكافة أشكاله بما في ذلك إلغاء المفاوضات والتنسيق الأمني والعودة إلى المربع الوطني؛
ثالثا: جبهة البلدان العربية والجامعة العربية. إذا كان للجامعة العربية أن تقوم بعمل فاعل فإن عليها وقف التطبيع مع الكيان، وسحب المبادرة العربية للصلح معه، ودعوة البلدان العربية المُطبّعة والتي تقيم علاقات مع الكيان أن تعيد التاريخ إلى الوراء. وهذا سيشكل ضغطا كبيرا على الكيان لأنه يمثل نقطة تحول استراتيجية؛
رابعا: جبهة المثقفين العرب أو من يسمون كذلك ويقيمون علاقات مع الصهيونية ويطبعون مع الكيان ويمتدحونه ويدعون إلى التفاهم معه. هؤلاء أضروا بالقضية الفلسطينية وبكل ما يتفرع عنها من قضايا، وتراجعهم عن مواقفهم سيؤثر في الكيان ومن يدعمه.
تفعيل الشارع الفلسطيني على المستويين الشعبي والفصائلي. تستطيع الفصائل التفعيل من خلال المواجهة وتوتير الأوضاع في المنطقة ككل، وليس من خلال خيم الاعتصام. وبإمكان الناس توتير الأوضاع من خلال نشاطات جماهيرية واسعة تساهم في توتير الأوضاع وليس في تنفيس الاحتقان. لكن المشكلة أن جمهور الشعب الفلسطيني سواء داخل فلسطين أو خارجها مصاب بالإحباط، ولم يعد يثق بالفصائل والقيادات الفلسطينية وبدعواتها للمشاركة؛
لقوى الممانعة والمقاومة دور تثبت فيه نفسها. يشكل الموقف الآن تحديا حقيقيا لهذه القوى من حيث أن شباب فلسطين، الذين هم شباب الشام والوطن العربي والعالم الإسلامين يواجهون الموت، وهم بأمس الحاجة للدعم والمساندة. هذه مسألة مطروحة بقوة الآن أمام حزب الله وسوريا وإيران وحماس.
أما العوامل المساعدة، التي لن تنفع بمعزل عن الأساليب أعلاه، فتتمثل بالتالي:
تكثيف الضغط الإعلامي على الكيان الصهيوني ومن والاه من العرب والفلسطينيين. الإعلام الفلسطيني ليس على قدر المسؤولية، ومن المطلوب استنفار إعلام عربي وأجنبي لمد يد العون والمساعدة. الإعلام الفلسطيني إعلام فصائلي ضيق الأفق وغير مهني؛
الذهاب إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية؛
الاستنجاد بجمعيات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، وبالصليب الأحمر الدولي.
أما الأساليب الواهية فتتمثل بالتالي:
الخطابات والمهرجانات والبيانات والتصريحات النارية؛
خيم الاعتصام التي تعطي العدو انطباعا بأن الشعب الفلسطيني غير مكترث. وقد خدمت هذه الخيم الذين يعتقلون الفلسطينيين دفاعا عن الإسرائيليين بتسترهم بها.
كثرة الندوات والمحاضرات التي تجتر ذات العبارات ولا تسمن ولا تغني.
إذا كانت هذه الأساليب ستساهم بشيء فإنها مساهمة مكانية محدودة. ويبدو أن بعضها يلحق الضرر بقضية الأسرى لأنها تؤكد على ضعف الفلسطينيين.