سوريا بين السكرة والفكرة

الدكتور عبد الستار قاسم

الثورة في سوريا كانت متوقعة كما هو الحال في باقي الدول العربية عدا بعض دول الخليج، والظن بان المؤامرة فقط هي التي تحرك الجماهير يشكل خداعا ذاتيا. لقد بلغ الحكام العرب من الظلم والطغيان حدا عظيما، والثورة ضدهم كانت متوقعة، وهي قادمة في الدول التي لم تشهدها بعد. والقول إن هناك مؤامرة ضد سوريا لا يكفي لتفسير ما يجري على مدى أكثر من سنتين، وقد كنت أحد الذين نبهوا إلى هذه المسألة بوضوح عام 2003 حين دعوت إلى تغييرات سياسية جذرية. على أية حال، وقعت الفأس بالراس، والعناد أسوأ الأحكام.

ركوب الرأس

ركوب الرأس يعني أن الطرف المقابل لا يريد أن يسمع أو يعقل أو يحلل، وإنما يبقى مصرا على رأيه وموقفه وممارساته. ركب النظام السوري راسه منذ البداية وأصر على أن الحل في سوريا أمني، وركبت المعارضة رأسها على أن الحل بسقوط السد. لم يدرك النظام حجم القوى التي يمكن أن تصطف ضده إذا ذهب إلى الحل العسكري، ولم تدرك المعارضة حجم الدمار الذي يمكن أن يلحق بسوريا فيما لو استعانت بالخارج. قرر الطرفان اللهاث خلف ظنونهما بإنهاء الصراع خلال مدة وجيزة، وكان على الشعب السوري أن يذوق مر العذاب.

كان من المؤكد أن إسرائيل والدول الغربية وعددا من الدول العربية تريد التخلص من النظام السوري، لكنها في نفس الوقت لا تريد نظاما بقيادة الإسلاميين. صحيح أن الإخوان المسلمين يميلون نحو المهادنة، لكن إسرائيل والدول الغربية تبحث عن نظام تابع وليس مجرد نظام مهادن يمكن أن يميل لصالح القضية الفلسطينية ضد إسرائيل. وإذا كان الغرب لا يريد نظام الأسد، ولا يريد نظاما إسلاميا فإن من مصلحته ومن والاه من العرب إطالة امد الصراع المسلح من أجل إنهاك الطرفين وقصم ظهر الشعب السوري من خلال الدمار والخراب وسفك الدماء. الم يفعل الغرب ذات الشيء في تأجيج الحرب بين العراق وإيران؟

ولم يدرك أيضا ان الغرب لن يقدم له ما يطلب من أسلحة، وأن دول المنطقة التي تدعمه لن تخرج عن إرادة الدول الغربية وإسرائيل لأن ذلك قد يعني حسم المعركة لصالحه ضد النظام قبل أن يتم تدمير سوريا. ربما ظن الجيش الحر أن الجيش سينقسم، بينما تشير تركيبة الجيش السوري إلى ضعف احتمالات الانقسام.

قوة كل طرف

المشكلة أن كل طرف ظن ضعف الطرف الآخر، ووقع تحت وهم الحسم السريع. افادت تصريحات النظام في بداية الأزمة إلى تفاؤل كبير في حسم الصراع سريعا، وأعطى الجيش الحر النظام أسابيع محدودة لكي يسقط. لم يكن التوفيق حليف أي طرف في التقدير.

أساءت المعارضة تقدير قوة النظام، وربما وقعت تحت تأثير الوضع الليبي الذي شهد تدخلا غربيا دون أن يحظى القذافى بمساندين. لم تقدر أن دولا ستضع ثقلها إلى جانب النظام، في حين أن الدول الغربية لن تتحمس لدعم الثورة السوريين وذلك لأن النظام قوي عسكريا وبإمكانه إيقاع خسائر بالقوات الغربية أو طيرانها، ولأن الحركة الإسلامية في سوريا أقوى من الحركة الإسلامية في ليبيان ومن المرجح فوزها في أي انتخابات ديمقراطية.

أما النظام فلم يقدر جيدا رغبة عدد من الدول العربية في التخلص منه، واستعداد الدول الغربية للتلاعب بمصير الشعب السوري.

أما بالنسبة لجبهة النصرة، ومع الاعتراف بعزيمة مقاتليها وإيمانهم الصلب بما يفعلون وقدرتهم على مواصلة القتال، إلا أنها، كما تنظيم القاعدة، تفتقر إلى نظام فكري وبرامج وأهداف واضحة. لا يكفي أن تكون مقاتلا شديدا، وإنما يجب أن تكون قادرا فكريا وسياسيا. ولهذا لا تستطيع جبهة النصرة أن تستقطب الدعم الخارجي، ولا تستطيع كسب تأييد جماهير الناس، وفي النهاية ستقف وحدها تقوم بأعمال عسكرية هنا وهناك دون إحراز أهداف.

التدويل والتدمير

نجحت كل الأطراف المتصارعة في سوريا في تدويل الصراع وتدمير سوريا.

اقرأ بلغة English