المحور العربي-الإسرائيلي

الدكتور عبد الستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

يعتبر تشكيل المحور العربي-الإسرائيلي من أهم، إن لم يكن أهم، النتائج المترتبة على انتصار حزب الله. لم تكن أغلب الأنظمة العربية جادة يوما في عدائها الظاهر لإسرائيل، وكان يعرف العربي الواعي للعلاقات الدولية واستراتيجيات إطالة أمد الحكم أن العديد من الأنظمة العربية لا يمكن أن تكون معادية فعلا لإسرائيل. لم تعد هذه الحقيقة خافية بعد أن مرت السنوات والفلسطينيون يئنون تحت وطأة التشريد والقتل والتعذيب والإهانات اليومية المتواصلة، وحكومات العرب لا تملك إلا الاستنكار والهرولة إلى الأمم المتحدة. وإن زمجرت تلك الحكومات وغضبت فإنها ترسل للفلسطينيين بعض الطحين والحمص والفول ومعلبات السردين والأسبرين.

الغبي والساذج هما اللذان كانا يظنان أن حكومات العرب ستقف يوما مع القضايا العربية، وهما اللذان كانا يتذكران هذه الحكومات مع كل محنة تمر فيها الأمة، فيستنجدان، ولكن لا مجيب. لقد مرت الأمة في محن وأزمات كثيرة، وتعرضت أجزاء كثيرة منها للغزو والاحتلال، ولم تتحرك العواطف، ولم تُشحذ الهمم، ولم ير المواطن العربي شهامة أو حمية من قبل حكومات العرب ورؤسائهم. ألم يكن يكفي هذا التخاذل العربي المستمر لإقناع العربي بأن الحكومات العربية في الطرف الآخر من المعادلة وليست حقيقة مع الأمة؟

المعادلة كالتالي: الغالبية الساحقة من الرؤساء والملوك العرب موجودون في مواقعهم بسبب إرادة الاستعمار ورغبته ومصالحه. العائلة السعودية تم تنصيبها على نجد ومن ثم على أجزاء من الجزيرة من قبل بريطانيا، وكذلك العائلة الهاشمية في كل من الأردن والعراق، حيث تم الإطاحة بها في العراق. أما قبائل الجزيرة العربية فقد حصلت على إقطاعيات من بريطانيا فأصبح عندنا الإمارات وقطر والبحرين وعُمان. أما الرئيس علي عبد الله صالح فهو بالأصل عاطل عن العمل ووظفته أمريكا رئيسا على اليمن. الرئيس حسني مبارك لم يكن ليقف على أقدامه ويستمر لولا الدعم الأمريكي، وبقي دائما تحت الوطأة الأمريكية بحيث كان يلتزم دائما بتعيين مفاتيح السياسة المصرية وفق الإرادة الأمريكية. القذافي رفع ساقيه متأخرا بعد أن أهدر أموال أهل ليبيا وبذّرها دون أدنى رادع أو إحساس. زين العابدين بن علي عبارة عن موظف أمريكي ومعادي جدا للإسلام والمسلمين، وهنك شك في أصله العربي التونسي. أما بوتفليقة فيجسد ذلك الثائر الذي يتحول إلى عميل للأجانب، وما أسوأ قيادة مثل هؤلاء المنقلبين على أنفسهم. الأسرة الحاكمة في المغرب صنيعة الاستعمار الفرنسي وهي حتى الآن تحتقر اللغة العربية، وتفضل البقاء في الحضن الفرنسي-الأمريكي الذي لا يكون متكاملا أحيانا. في موريتانيا، ذهب عميل للموساد الإسرائيلي ليحل محله عميل آخر.

كن أن يتبنوا سياسات معادية لإسرائيل، وعليهم دائما ترويض شعوبهم والشعب الفلسطيني من أجل القبول بإسرائيل والتطبيع معها ومحبتها وخدمة سياساتها في المنطقة والعالم. نحن نعلم أن المخابرات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي قد قدموا خدمات كثيرة لأنظمة عربية عدة دفاعا عن أمنها وعن استمراريتها في الحكم.

غبي من يرد في ذهنه ولو من قبيل الوهم أن هؤلاء القادة وهذه الحكومات ستكون يوما مع الأمة العربية أو مع الإسلام والمسلمين. من يظن ذلك، لا يقرأ تاريخا ولا يحلل أحداثا، ويجري دائما وراء تمنيات لن تتحقق أبدا.

كانت الأمور هادئة بالنسبة لقادة العرب أيام الهزيمة، لكن الآن اختلفت الأمور بسبب انتصار حزب الله. هذا انتصار يؤذن بتحولات جذرية على الساحة العربية والإسلامية، وهو يشير إلى تحالف إيراني-سوري-بعض لبناني-بعض فلسطيني. المسألة الآن خطيرة جدا، وإذا كانت إسرائيل قد عجزت عن تفكيك حزب الله ونزع أسلحته، فمن يستطيع؟ هذا حزب سيكتسب مزيدا من القوة، وسيصبح مثالا للعرب، وسيصبح السيد حسن نصر الله قائدا للأمة. وإذا كان الحزب قويا إلى هذه الدرجة، فما بال الجيش السوري؟ وما بال الجيش الإيراني؟ المنطقة الآن تشهد تحولا مرعبا بالنسبة للقادة العرب وهو أن نصرا عربيا قد تحقق. والنصر قد يجر انتصارات، وقد يجر تحولات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية. يا للمصيبة!

أمريكا مستنفرة الآن بعد أن ظنت أن الشرق الأوسط الجديد سيرى النور، وإسرائيل مستنفرة بسبب الضغط الأمني الذي يتهددها في الأيام القادمة. أما العديد من العرب فيبدون مذعورين وقد فقدوا بوصلة الاختباء. هنا أخص بالذكر اللبنانيين والفلسطينيين المتحالفين مع إسرائيل وأمريكا أمثال جعجع والسنيورة وجنبلاط ومحمود عباس واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخص بالذكر العائلة السعودية في الجزيرة العربية، والعائلة الهاشمية في الأردن، والفئة الحاكمة في مصر.

تحالف هذه القوى مع إسرائيل كان موجودا عبر السنوات، لكن الأمور الآن لا تحتمل السرية، ولا بد من التنسيق المستمر فيما بينها وبين إسرائيل. قادة السعودية يزورون إسرائيل، وقادة الأردن لم يتوقفو أبدا عن التعاون مع إسرائيل، وقادة مصر تذكروا الآن أن هناك طاقة نووية يريدون الاستفادة منها لتوليد الطاقة. والمسألة لا تتعلق فقط بحزب الله وإنما بسوريا وإيران. لا بد من ضرب سوريا لإسقاط النظام واستبداله بنظام موال لأمريكا وإسرائيل، ولا بد من اتخاذ إجراءات لضرب القوة الإيرانية المتصاعدة. بالأمس، كان قادة عرب يتمرغون عند حذاء شاه إيران الذي كان شرطي أمريكا في الخليج، لكن أعناقهم اشرأبت بمجرد أن انتصرت الثورة في إيران، والآن يبدو أن شعر أبدانهم يرتعد وهم يرون أجيالا متلاحقة من الأسلحة الإيرانية يتم تجريبها.

هؤلاء العرب حريصون على مواقعهم وشهواتهم ومصالحهم، وهم حلفاء من يبقيهم في الحكم. إسرائيل وأمريكا ضد الأمة لكنهم مع الحكام، حزب الله مع الأمة، وبالتالي هو لا يخدم الحكام. هذه هي المعادلة ببساطة.

يجب ألا يُفاجأ عربي من محور عربي إسرائيلي ينبثق تدريجيا في العلن. لكن الأهم، ماذا نعمل؟ على كل الشرفاء العرب أن يحشدوا الطاقات، وأن يتجمعوا من أجل إفشال هذا المحور العربي-الإسرائيلي المدعوم من دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة. لا بد من تنظيم يتسع باتساع الوطن العربي ويتمرد على الأنظمة العربية وقوانينها من أجل أن يكون لنا نحن الجمهور دور في الدفاع عن مستقبل هذه الأمة في مواجهة الأعداء الداخليين أولا والخارجيين ثانيا.

اقرأ بلغة English