سلطة اللاسلطة

الدكتور عبد الستار قاسم

في بحر تبريرها لاعتقال مجاهدي حماس والجهاد الإسلامي وإغلاق مؤسسات الحركتين، تقول السلطة الفلسطينية أنه لا يجوز أن تكون هناك أكثر من سلطة واحدة في المناطق التي تظن أن لها فيها سلطة وأنها هي الوحيدة التي تتخذ القرار وعلى الآخرين أن يطيعوا. أما من لا يريد أن يأتمر وينتهي فعليه أن يتحمل النتائج. حماس وكذلك الجهاد ومختلف الفئات الفلسطينية المعارضة للاتفاقات مع إسرائيل، حسب رأي السلطة، ليست صاحبة قرار ولا يحق لها القيام بأعمال إلا بإذن السلطة وموافقتها. وتعزز السلطة رأيها هذا بأنها سلطة منتخبة ومعترف بها عالميا وهي بالتالي مسؤولة أمام المجتمع الدولي عما تقوم به وعما تقوم به مختلف الفئات والحركات الإسلامية. هذا فضلا عن أن الكثير من العمليات العسكرية التي نفذتها فئات فلسطينية قد وضعت السلطة الفلسطينية في موقف حرج ألحق بها وبالقضية الفلسطينية والشعب، حسب رأيها، أضرارا كثيرة.

وجهة نظر السلطة معروفة وتتناقلها وسائل الإعلام على مختلف مشاربها. أما وجهة النظر الأخرى الغائبة إلى حد كبير عن وسائل الإعلام فيمكن تلخيصها بما يلي:

أولا: السلطة الفلسطينية ليست هي السلطة الوحيدة في الأرض المحتلة/67 حتى لو غابت الفصائل الفلسطينية المعارضة عن الساحة. السلطة الأولى هي إسرائيل وهي صاحبة السيادة بموجب الاتفاقيات الموقعة وحسب الواقع العملي. تتمتع السلطة الفلسطينية بصلاحيات ممنوحة ولا تملك صلاحيات أصيلة، ومن المحتمل أن تفقدها في أية لحظة أو أن تحصل على توسيع. السلطة مقيدة باتفاق أوسلو وبما انبثق عنه من اتفاقيات ولا تستطيع التجاوز بدون موافقة إسرائيل. وإن حصل وأن تجاوزت فإنها قد تقع تحت العقاب.

يقول بعض رموز السلطة أن السلطة تملك سيادة، ويستمع المرء إلى وسائل إعلام تصف مناطق مصنفة “ألف” على أنها مناطق خاضعة للسيادة الفلسطينية. هذا حديث لا يحتمل الصحة. الفلسطينيون لا يملكون سيادة على أي جزء من أرض فلسطين مهما صغُر وهم يأتمرون بأمر صاحب السيادة. لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تشرّع قوانين كيفما تشاء، ولا تستطيع أن تصمم مناهج دراسية كيفما ترى مناسبا. بإمكان المجلس الفلسطيني الذي أطلق على نفسه اسم المجلس التشريعي أن يقرُ مشاريع قوانين لكنها لا يمكن أن تصبح قوانين إلا بتوقيع رئيس السلطة ورئيس السلطة يعي تماما أي القوانين تناسب المرحلة. هذا ناهيك عن عدم القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في المجالات الاقتصادية والصحية والثقافية، الخ. أما إذا بدا أن السلطة تستطيع أن تمارس الفساد الإداري كما ترى مناسبا، وأن أموال الشعب الفلسطيني تحت رحمة المختلسين فذلك لأن مثل هذه الأعمال تخدم إسرائيل والولايات المتحدة في النهاية. لقد غضت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرف عن كثير من الأعمال المسيئة للشعب الفلسطيني، وتستّرا في كثير من الأحيان على صفقات فساد ضخمة وما يزالان يخفيان عن المجتمع الدولي والشعب الفلسطيني معلومات هامة جدا. تعلم أمريكا وإسرائيل أن اتفاق أوسلو بحاجة إلى من يدعمه في الشارع الفلسطيني وهذا الدعم يمكن شراؤه بأموال الفساد.

أما جوهر الاتفاقيات مع إسرائيل فهو أمني. من الممكن أن تتغاضى إسرائيل عن بعض الأمور الثانوية لكنها تصر هي والولايات المتحدة على تطبيق البنود الأمنية، ولا مفر أمام أي سلطة عربية توقع اتفاقيات مع إسرائيل إلا أن تقوم بمهامها الأمنية لصالح إسرائيل. وعليه فإنه إن رغبت السلطة أن تكون هي السلطة الوحيدة على المناطق التي تقول أنها تسود عليها فإن عليها أن تتخلص أولا من سلطة الاحتلال وليس من نشاط الحركة الإسلامية.

ثانيا: السلطة التي تريد أن تُحترم يجب أن تكون قادرة على حماية الناس. تاريخيا، لا طاعة بدون أمن. الشعب الفلسطيني في الوسط الشرقي والقطاع غير آمنين على أراضيهم ولا بيوتهم ولا أنفسهم. لم تمنع السلطة مصادرة الأراضي ولا هدم البيوت ولا أوقفت القتل، ومطالبها الأمنية الآن لا تتناسب مع ما وعدت الناس به عند توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل. فلا هي قادرة على حماية الناس ولا هي تريد أن تترك الناس يدافعون عن أنفسهم.

تقول السلطة أنها تسعى إلى إقامة دولة فلسطينية توفر الأمن والحماية للناس وعلى الناس أن يتحلوا بالصبر. هذا طرح لا يستند إلا على وَهَم أو خداع للذات. طاولة المفاوضات لن تأتي بدولة فلسطينية حقيقية لما في ذلك من مجازفة إسرائيلية كبيرة، إلا إذا كان المفاوض الفلسطيني يفترض غباء المفاوض الإسرائيلي. لن يحصل الفلسطينيون تحت الظروف الحالية على أكثر من حكم ذاتي مزخرف حتى لو صدقت نوايا إسرائيل التفاوضية. لا تقيم إسرائيل معاييرها التفاوضية بناء على شخص من يفاوضها وإنما مع الأجيال التي لا يستطيع أحد التكهن بقدراتها ونواياها. ولهذا فإن من يبحث عن دولة فلسطينية لا يذهب إلى طاولة المفاوضات. أما إذا قرر أن الدولة عبارة عن شعار وأنه بالإمكان قبول حكم ذاتي بشعار دولة فإن طاولة المفاوضات هي المكان المناسب.

ثالثا: أما من زاوية الانتخابات فهناك مآخذ كبيرة أصلا على الانتخابات التي تمت وعلى رأسها أن إسرائيل وأمريكا كانتا معنيتين في إجراء انتخابات مباشرة بعد اتفاق طابا وقبل أن يصحو الناس على الحقيقة. كثيرون هم الذين وقعوا تحت وهَم دخول مسلحين فلسطينيين إلى المدن فظنوا أن الدولة قد قامت فعلا فصفقوا لما تم. بينما كان شعبنا بحاجة إلى فترة من الزمن ليستوعب حقيقة الاتفاقيات. جرت الانتخابات بسرعة قبل أن يختمر الاتفاق مع إسرائيل ولو قليلا، وجرت أثناء الانتخابات تجاوزات كثيرة يصعب معها تقبل فكرة النزاهة.

وعلى فرض أن الانتخابات نزيهة فإن مدة سريان نتائجها قد انتهت. مفعول الانتخابات لا يسري إلى الأبد، والسلطة القائمة حاليا لا تملك تفويضا شعبيا. حتى أن السلطة لم تسع إلى إجراء انتخابات محلية ولجأت إلى تعيين لجان لتشرف على شؤون القرى والمدن. من يهرب من الانتخابات يهرب من الحقيقة. وبالطبع لم يصر المجتمع الدولي على الانتخابات لأن قيادته المتمثلة في الولايات المتحدة لا ترى في الانتخابات استثمارا جيدا لسياستها. هنا تسقط الديمقراطية كما هو الأمر في الدول العربية، وتسقط معها حجة الشرعية.

رابعا: من الخطر الشديد على السلطة أن يتم عمل عسكري ضد إسرائيل تحت إشرافها وبإذنها. الحركة الإسلامية لا تأخذ على عاتقها مهام مدنية وليست هي التي ترعى الفساد والفاسدين وتقوم على تطبيع العلاقات ولا تدعي أنها تريد أن تحل محل السلطة، وأعتقد أنها تعي أهمية سرية العمل العسكري وعدم توريط أحد فيه سواء كان من داخل السلطة أو خارجها. إنه من الحكمة أن يفصل الناشط عسكريا نفسه عما حوله من جماعات أو أجهزة حتى لا يقدم لإسرائيل مبررات. تاريخيا، إسرائيل لا تقيد نفسها بمبررات إلا أنها تجد نفسها أكثر قدرة على الاستحواذ الدولي بوجود مبررات.

في النهاية أرى أن تتوقف السلطة عن هذه الطاحونة التي لا تجد بين دفتيها سوى الماء. لقد أقدمت منظمة التحرير على مشروع فاشل وليس من الحكمة أن تصر على ضرورة فشل الآخرين. لقد قادت الشعب الفلسطيني عبر عشرات السنين ولم يتولد عنها إلا اتفاقا هزيلا كان من الممكن أن يحصل الشعب على ما هو أفضل منه بكثير عام 1968، ولا أرى أن المصلحة يمكن أن تنتعش بالإصرار على الفشل.

اقرأ بلغة English