شعب الشيطان المختار
الدكتور عبد الستار قاسم
تشتد الهجمات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، فتتم محاصرة الناس في غزة، ويحاربون في لقمة عيشهم في نابلس، ويحشرون في زوايا ضيق العيش في كل مكان. الصهاينة يضربون الحصار المحكم فلا تدخل أموال ولا أغذية ولا وقود ولا أدوية، ويغلقون المحال التجارية، وينسفون البيوت، ويقتلعون الأشجار، ويحرقون المزروعات، ويقتلون المواشي والأغنام، ويعتدون على كل سبل العيش، فيعاقبون الأطفال والرضع والشيوخ والرجال والنساء ويعذبونهم ويحولون حياتهم إلى جحيم لا يطاق. ولا يتوان الأمريكيون وعملاؤهم الساقطون من الحكام العرب عن مد العون وتقديم الدعم والإسناد.
في هذه السلسلة من المقالات القصيرة، أوضح للقارئ العربي الكريم وللمسلم الغيور موجزا عن أخلاق هؤلاء الصهاينة اللئام حتى يفكر كل واحد منا مئات المرات قبل أن يظن خيرا بهم. هم يقولون أن المسلمين متوحشون حاقدون يعشقون الجهالة والظلام، ويحاربون أهل النور والديمقراطية والحرية. وهنا سنرى من هو الظلامي الحاقد البائس الاستحواذي الجشع البغيض. لا توجد نية في هذه المقالات القصيرة للهجوم على دين معين، وإنما فقط نية لتوضيح سمات هذا العدو الذي جعل من حياة الشعب الفلسطيني والعديد من الشعوب العربية سيمفونية ألم وحزن متواصلين. نحن نحترم الأديان، ولا تتكلم الأقلام إلا ضد الذين يؤذون الشعوب ويرون في أنفسهم سادة على الأمم.
في قناعة هؤلاء الصهاينة الحاقدين أنهم هم شعب الله المختار، وهم فقط شعبه الوحيد، ولا شعب له غيرهم هم. يكررون في كتبهم الدينية دائما فكرة شعب الله المختار الذي يفقد الرب ألوهيته فيما لو لم يكونوا. هم فقط من خلق الله، أما الشعوب الأخرى فلا رب لها، ولا إله، وهي شعوب عبارة عن حيوانات بصورة بشر. حسب تنظيرهم، الله يحب الصهاينة فقط، ووجوده مرتبط بهم. إنه يعشقهم وجهوده منصبة تجاههم فقط، وكل أحداث التاريخ تدور حولهم. يقول لهم ربهم: “إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم.” (التثنية، 7: 6-7)
م اطرد هذه الجارية وابنها. لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحق. فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه. فقال الله لإيراهيم لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها. لأنه بإسحق يدعى لك نسل، وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك." (تكوين، 21: 11-14) واضح هنا أن إبراهيم سيعرف تاريخيا فقط من خلال نسل إسحق وليس من خلال نسل ابن الجارية. ويتأكد هذا في آية توراتية أخرى تقول: “فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك….” (تكوين، 22: 1)
ظهرت قسوة الرب هذا في قصة هروب هاجر من وجه سارة بسبب ما كانت تلاقيه من تعذيب واضطهاد: “فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية. على العين في طريق شور. وقال يا هاجر جارية ساراي من أين أتيت وإلى أين تذهبين. فقالت أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي. فقال لها ملاك الرب ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب تكثيرا أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة. وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين إبنا وتدعينه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه سيكون وحشيا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه. (تكوين، 16: 7-12)
الرب يسخر قواه لحماية بني إسرائيل فيقول: “فقال الرب إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم. إني علمت أوجاعهم. فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا.” (خروج، 3: 6-9) أين نزل هذا الرب؟ الجواب كالتالي: “وظهر له ملاك الرب بلهب نار من وسط عليقة. وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق. فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم. لماذا لا تحترق العليقة, فلما رآى الرب أنه مال لينظر ناداه من وسط العليقة وقال موسى موسى. فقال هأنذا….” (خروج،3: 3-5)
ويؤكد الرب حصر ألوهيته لبني إسرائيل عندما يقول: " وأنا أيضا قد سمعت أنين بني إسرائيل الذين يستعبدهم المصريون وتذكرت عهدي. لذلك قل لبني إسرائيل أنا الرب وأنا أخرجكم من تحت أثقال المصريين وأنقذكم من عبوديتهم وأخلصكم بذراع ممدودة، وبأحكام عظيمة، وأتخذكم لي شعبا وأكون لكم إلها.” (خروج، 6: 4-7)
لأن الرب لا يجد نفسه إلها إلا من خلالهم فإنه يتذلل لبني إسرائيل. فمثلا يقول: " وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب. وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم." (عدد، 14: 11) هذا منطقي ما دام الذي كتب هذه الأسطر يجعل الرب خاضعا لمن جعل منه إلها. لولا بني إسرائيل لما تأله الرب، وعليه أن يصبر على إهانتهم له إذا أراد أن يبقى إلها.
في هذا عبرة للفلسطينيين والعرب الذين يظنون أن السلام ممكن مع من يصنعون الآلهة.